لماذا لا تستطيع السلطة الفلسطينية السماح بحرية التعبير
الدكتور إيدو زيلكوفيتز هو رئيس برنامج دراسات الشرق الأوسط في كلية وادي يزرعيل (Yezreel Valley College)، وزميل باحث في كرسي تشايكين للاستراتيجية الجيوسياسية (Chaikin Chair for Geostrategy) في جامعة حيفا.

السمات الحكومية للسلطة الفلسطينية
في 2 أغسطس/آب 2016، وقّع محمود عباس إعلانًا يقرّ بحرية الصحافة وحرية التعبير، بل خصّص الأول من أغسطس/آب يومًا وطنيًا للاحتفاء بهذه الحريات داخل السلطة الفلسطينية. ورغم أن هذه الخطوة قدّمت نظامه، في نظر المراقبين الغربيين، بوصفه أكثر انفتاحًا وليبرالية، سرعان ما تراجع عباس عن التزامه بتعزيز مجتمع أكثر انفتاحًا. ففي عام 2017، سنّ عباس قانون منع الجرائم الإلكترونية، وهو إجراء استهدف تقييد حرية التعبير على المنصات الرقمية. وقد أبرز هذا القانون الصلة المتنامية بين قيود السلطة الفلسطينية (PA) على حرية التعبير وقمعها السياسي الأوسع. ويشكّل موت نزار بنات، الناشط السياسي الفلسطيني والناقد الصريح للسلطة الفلسطينية، مثالًا مأساويًا على ذلك. فقد توفي بنات في 24 يونيو/حزيران 2021 إثر اعتقاله وضربه ضربًا مبرحًا على أيدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وقد لفت موته أنظار العالم إلى اعتماد السلطة الفلسطينية المتزايد على قوانين قمعية، مثل قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2017، لإسكات المعارضة ومعاقبة المنتقدين. 1
وبالتوازي مع قانون منع الجرائم الإلكترونية لعام 2017، صُدّق على قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2017 لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت. ومنح القانون السلطات صلاحية احتجاز الأفراد وملاحقتهم قضائيًا ومعاقبتهم على محتوى منشور على الإنترنت يُعدّ تهديدًا للنظام العام أو لسمعة المسؤولين العموميين. وقد واجه النشطاء والصحفيون وغيرهم من منتقدي السلطة الفلسطينية، على نحو روتيني، تهديدات وإجراءات عقابية بسبب تعبيرهم عن آراء معارضة. وقد كشف القانون وتطبيقه معًا كيف أسهم الجهازان القانوني والأمني الفلسطينيان في تكريس مناخ من الخوف والقمع السياسي.
تشكّل تطور المجتمع الفلسطيني في ظل ظروف عسيرة، ولا سيما واقع الحكم الإسرائيلي ومشقات حياة اللجوء. وفي غياب مؤسسات سياسية وطنية، إذ كانت محظورة بموجب القانون العسكري الإسرائيلي بين عامي 1967 و1993، اعتمد المجتمع الفلسطيني تاريخيًا على شبكة قوية من المنظمات الأهلية. وإلى جانب إعلام حيوي، أدّت هذه المنظمات دورًا حاسمًا في معالجة طيف واسع من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. 2 وعقب اتفاقيات أوسلو، أثار إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994 آمالًا بالديمقراطية، لكنه كشف أيضًا عن بوادر مبكرة للاستبداد. فغياب الانتخابات الدورية وتركّز السلطة في شخصيات مثل ياسر عرفات ومحمود عباس أعاقا أي تقدم ديمقراطي حقيقي، ما أفضى إلى نظام سياسي يتسم بتعددية محدودة وتنامي مركزة السلطة. 3
منذ تأسيسها، استخدمت السلطة الفلسطينية قوانين شتى، مثل قانون المطبوعات والنشر لعام 1995، لتقييد حرية التعبير. وفي ظل قيادة ياسر عرفات، لم تكن الرقابة الرسمية تُطبَّق بصرامة، غير أن حدود الكلام المقبول كانت واضحة. فانتقاد إدارة عرفات كان محظورًا حظرًا قاطعًا، وكثيرًا ما خضعت وسائل الإعلام للرقابة لضمان تقديم صور إيجابية فحسب عن السلطة الفلسطينية وقيادتها. وكان الصحفيون يمارسون الرقابة الذاتية في أحيان كثيرة، فيما دأب المحررون على حجب المعلومات الحساسة تفاديًا للعقوبات الاقتصادية أو السياسية. وفي الوقت نفسه، كان مسؤولو الأمن في السلطة الفلسطينية يراقبون المعلومات ويحجبونها على أساس كل حالة على حدة، من دون إشراف هيئة رقابة رسمية أو إطار قانوني. 4 وقد جرى تبرير هذا الكبت لحرية التعبير بوصفه ضرورة للوحدة الوطنية والاستقرار، رغم أنه خنق التعددية السياسية وعرقل الجهود نحو الدمقرطة داخل السلطة الفلسطينية.
منذ سنّ قانون منع الجرائم الإلكترونية لعام 2017، كثّفت السلطة الفلسطينية جهودها للحفاظ على الاستقرار وسط تصاعد الانتقادات لحكم الرئيس محمود عباس. وقد غدا القانون أداة رئيسية بيد السلطة الفلسطينية لقمع الاعتراض العلني. ويكتسي تركيز السلطة الفلسطينية على الاستقرار أهمية خاصة في وقت يواجه فيه عباس تحديات متعاظمة لشرعيته السياسية، ناجمة عن غياب الانتخابات وإخفاقه في تحقيق تقدم سياسي ذي معنى.
أثارت ممارسات السلطة الفلسطينية إدانة دولية، شملت منظمات حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي. ورغم مصادقتها على معاهدات دولية تتعلق بالحريات الفردية، تواصل السلطة الفلسطينية قمع حرية التعبير في الداخل. وقد أضعف هذا القمع المستمر المجتمع المدني الفلسطيني، فجعله عاجزًا عن منع تآكل القيم الديمقراطية أو عن توجيه المعارضة بفعالية. ويبدو أن تقييد السلطة الفلسطينية لحرية التعبير استراتيجية متعمّدة للحفاظ على الاستقرار وسط حالة من عدم اليقين السياسي، تشمل مخاوف بشأن الخلافة وصراعات السلطة الداخلية.
ومع استمرار مواجهة السلطة الفلسطينية لتحديات سياسية، من بينها التنافس مع حماس وجمود العملية السياسية، فإن قمع المعارضة قد يغذي بالفعل عدم الاستقرار الذي تسعى إلى تجنّبه. فقد قيّدت السلطة الفلسطينية حرية التعبير على نحو منهجي، وهي ممارسة باتت مكرّسة في التشريع، ولا سيما مع سنّ قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2017. ويمنح هذا القانون السلطة الفلسطينية صلاحيات واسعة للتحكم في المحتوى الإلكتروني، بما يتيح اعتقال ومحاكمة من ينشرون موادّ تُعدّ تهديدًا للنظام العام أو انتقادًا لمسؤولي الحكومة.
لا يزال قانون منع الجرائم الإلكترونية لعام 2017 أداة أساسية في استراتيجية السلطة الفلسطينية للتحكم في التعبير الإلكتروني والحدّ من المعارضة. 5 ويبني القانون على تشريعات رقابية أقدم قيّدت حرية الإعلام التقليدي، بما في ذلك الصحافة المطبوعة والأدبيات السياسية. وهو مصمَّم تحديدًا لتنظيم المشهد الإعلامي الرقمي الراهن، حيث تعمل المواقع الإلكترونية بوصفها ساحات عامة افتراضية، وحيث قد يكون لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي تأثير يفوق عناوين وسائل الإعلام السائدة. ففي الضفة الغربية والقدس الشرقية وحدهما، يُقدَّر عدد مستخدمي الإنترنت بنحو 1.7 مليون مستخدم. 6 ويمنح قانون منع الجرائم الإلكترونية لعام 2017 السلطة الفلسطينية صلاحية واسعة لفرض غرامات باهظة واعتقال الأفراد، بمن فيهم الصحفيون والمبلّغون عن المخالفات، ممن ينتقدونها عبر الإنترنت. وينطبق القانون على كل من يشارك مثل هذا المحتوى أو يعيد تغريده. أما من ترى فيهم السلطة الفلسطينية تقويضًا للنظام العام أو تهديدًا للأمن القومي والمصالح الفلسطينية فيواجهون السجن بأحكام تصل إلى 15 عامًا مع الأشغال الشاقة. 7
وإلى جانب قانون المطبوعات والرقابة لعام 1995، يشكّل قانون منع الجرائم الإلكترونية لعام 2017 الإطار القانوني الذي تنفّذ السلطة الفلسطينية من خلاله موجات اعتقال تستهدف الصحفيين ونشطاء المجتمع المدني. والأفراد المرتبطون بجماعات المعارضة اليسارية والتنظيمات الإسلامية هم الأكثر عرضة للخطر. وتاريخيًا، كانت اعتقالات السلطة الفلسطينية موجَّهة بالدرجة الأولى إلى صحفيين مرتبطين بحماس والجهاد الإسلامي، لا سيما من يغطون أحداث الضفة الغربية لصالح قنوات فضائية إسلامية مقرّها قطاع غزة. وبُعيد تطبيق القانون الجديد، اعتُقل خمسة صحفيين تابعين لحماس، ممدوح حمامرة وقتيبة قاسم وطارق أبو زيد وعامر أبو عرفة ومحمد أحمد حلايقة، . غير أنه مع إنفاذ القانون، شرعت أجهزة الأمن الفلسطينية أيضًا في اعتقال صحفيين يغطون احتجاجات ضد السلطة الفلسطينية وسياساتها تجاه قطاع غزة. وفي حين لم تثر اعتقالات الصحفيين المرتبطين بحماس والجهاد الإسلامي ردود فعل تُذكر بين الفلسطينيين، فإن اعتقال ناشطين اجتماعيين وسياسيين، كثير منهم اكتسب شهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أشعل احتجاجات واسعة. 8
ومن القضايا المحورية التي أشعلت مظاهرات حاشدة اعتقال نزار بنات، الناشط الاجتماعي والسياسي المعروف بانتقاده الصريح للسلطة الفلسطينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكان بنات قد تصدّر قائمة سياسية باسم "قائمة الحرية والكرامة"، وخطّط للترشح لانتخابات داخل السلطة الفلسطينية. وقد أشعل موت بنات على يد قوات الأمن في يونيو/حزيران 2021 مظاهرات استمرت أيامًا وامتدت من مدينته الخليل إلى سائر الضفة الغربية. 9 وبالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، كانت المظاهرات التي أعقبت موت بنات بمثابة جرس إنذار. فقد بات جليًا أن شبكات التواصل الاجتماعي برزت أدوات قوية لتحدي سلطتها. وأدّت المنصات الرقمية، على وجه الخصوص، دورًا متزايد الأهمية في صوغ الخطاب السياسي وتعبئة المعارضة. ومنذ ذلك الحين، صارت السلطة الفلسطينية تعطي الأولوية لتقييد حرية التعبير، وتجعله ركنًا مركزيًا في أجندتها السياسية. 10
نبعت الإجراءات القمعية للسلطة الفلسطينية من خشيتها أن يهدّد التداول الواسع للصور والمعلومات استقرار الحكم. ولتضييق نطاق الانتقاد، وهو ما يصفه المنتقدون غالبًا بأنه سياسة تخدم المصالح الإسرائيلية 11، بدأت السلطة الفلسطينية تتبنى تدابير تنتهك الحريات الفردية. وفي إطار حملتها على المظاهرات، اعتقلت السلطة الفلسطينية عشرات الصحفيين الذين كانوا يغطون الاحتجاجات. 12 وأثار هذا الوضع انتقادات واسعة للسلطة الفلسطينية في الداخل والخارج. فقد أدانت منظمات حقوق الإنسان حول العالم ممارسات السلطة الفلسطينية، فيما أعرب الاتحاد الأوروبي أيضًا عن استنكار شديد. وفي السنوات الأخيرة، صادقت السلطة الفلسطينية على معاهدات دولية بشأن الحريات الفردية ضمن مساعيها الدبلوماسية لتأمين شرعية دولية، وهي عنصر جوهري في كفاحها من أجل الاستقلال. وبناءً على ذلك، قد يتوقع المرء أن تكون السلطة الفلسطينية شديدة الحساسية إزاء المخاوف المتعلقة بتقييد حرية التعبير وملاحقة الصحفيين. 13
غير أن السلطة الفلسطينية تبدو غير مكترثة بالانتقادات المتعلقة بقيودها على حرية التعبير. ويعود هذا الصمود جزئيًا إلى عجز المجتمع المدني الفلسطيني عن التصدي بفعالية لممارسات السلطة الفلسطينية القمعية. فمنذ تأسيسها، أخفقت السلطة الفلسطينية في إقامة حوار ذي معنى مع المجتمع المدني الفلسطيني. ومع مرور الوقت، تراجعت أهمية هذا المجتمع المدني، لا سيما بالمقارنة مع دوره المؤثر في المرحلة التي سبقت مسار أوسلو، حين كان أساسيًا في إرساء دعائم حكومة فلسطينية مستقلة. 14 أما نقابة الصحفيين الفلسطينيين، التي حاولت الاحتجاج على إجراءات السلطة الفلسطينية، فقد منيت بالفشل. فتهديداتها بالامتناع عن تغطية أنشطة الحكومة لم تُثر غضبًا شعبيًا ضد صنّاع القرار في السلطة الفلسطينية، الذين واصلوا حجب التقارير الضارة بالمصالح التنظيمية والسياسية لحركة فتح الحاكمة.
تحدي حماس
من الأسباب الرئيسية وراء تصاعد حملة السلطة الفلسطينية على منتقديها الانقسام الداخلي المتنامي في المجتمع الفلسطيني. فقيادة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تساورها مخاوف عميقة من محاولة انقلاب سياسي تقوم بها حماس. ومع أن حماس تفتقر إلى حضور عسكري قوي ومنظم في الضفة الغربية، فإن قدراتها الإعلامية المتطورة تتيح لها ممارسة نفوذ كبير. ومن المفهوم أن تحذر السلطة الفلسطينية من مساعي حماس لاستخدام الإعلام في تهيئة بيئة سياسية معادية. وفي حين تهدف قيود السلطة الفلسطينية على حرية التعبير إلى كبح نفوذ حماس، فإنها تنطوي على إمكانية إثارة مزيد من الانتقاد العام، وربما تعزيز موقع حماس في المجتمع الفلسطيني.
تستخدم حماس الإعلام على نحو استراتيجي لتوسيع نفوذها في الضفة الغربية. وهي تفعل ذلك عبر البث من قنوات فضائية مثل تلفزيون الأقصى، وتشغيل شبكة من النشرات والصحف اليومية ووكالات الأنباء، ما يمنحها حضورًا لافتًا في الضفة الغربية وعبر العالم العربي. ومنذ مايو/أيار 2007، أطلقت صحيفة فلسطين، وهي صحيفة يومية غزية متاحة أيضًا رقميًا لمناصريها في الخارج. ويعكس موقعها الرئيسي، المركز الفلسطيني للإعلام، إلى جانب منابر إعلامية أخرى، هوية وطنية لا إسلامية حصرًا. ويؤكد هذا النهج تقديم حماس لنفسها بوصفها حركة إسلامية وطنية، وهو موقف جرى تفصيله أكثر في وثيقة سياسية عام 2017. 15
في عصر تتيح فيه وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الفورية تواصلًا سريعًا، غدا الإنترنت أداة قوية لجماعات مثل حماس لتوسيع نفوذها السياسي. واليوم، قد يكون تشكيل الإدراك العام لا يقل أهمية عن القدرة على ممارسة السلطة على الأرض، بل ربما يفوقها. وقد اجتذبت وكالات الأنباء التابعة لحماس، مثل "شهاب"، ملايين المتابعين على منصات مثل فيسبوك. غير أنه في 13 يوليو/تموز 2021، أزال فيسبوك صفحة "شهاب" العربية الشهيرة، التي استخدمتها حماس لمهاجمة إسرائيل والسلطة الفلسطينية والترويج للإرهاب. 16 ورغم ذلك، تواصل "شهاب" تشغيل وكالتها الإخبارية على منصة إكس (تويتر سابقًا) وتلغرام.
مكّنت القدرات الإعلامية القوية لحماس من مراكمة نفوذ سياسي كبير، والتواصل مع مناصريها الحاليين، واستقطاب مناصرين جدد، والانخراط في التعبئة السياسية. ووكالة شهاب للأنباء، التي لا تزال ناشطة على إكس، إحدى هذه المنصات. كما تدير حماس منبرًا آخر في الضفة الغربية يُدعى "القدس". وإلى جانب الإعلام التقليدي، تدعم حماس صحفيين وناشطين مستقلين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لصورة إيجابية عن الحركة. 17 وبعض هؤلاء أعضاء في حماس أو مرتبطون بها، ويعملون بتكتم على خدمة أهدافها على هذه المنصات.
خلال النزاع بين حماس وإسرائيل الذي أعقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، انكشفت هويات عدد من الصحفيين المرتبطين بالجناح العسكري لحماس. وأدّى عدد من هؤلاء الصحفيين دورًا نشطًا في اجتياح حماس وهجماتها يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. ومن أبرزهم حسن أصليح، مدير موقع عالم 24 الإخباري المستقل في غزة، والمصوّر المستقل لدى أسوشييتد برس وسي إن إن. 18 ومثال آخر هو صحفي الجزيرة أسامة أبو عامر. فقبل التحاقه بالجزيرة، عمل صحفيًا في إذاعة "القدس" المرتبطة بحماس في خانيونس. وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول، رافق أبو عامر عناصر حماس إلى كيبوتس نير عوز لتوثيق هجماتهم. 19 وأثناء تصويره لأفعالهم، أصيب أبو عامر بنيران إسرائيلية. ومن دون علم إسرائيل، يسّرت قطر نقله إلى الدوحة لتلقي العلاج. وفي أواخر عام 2022، بدأ صحفي آخر في الجزيرة، محمد وساح، العمل مع وحدة البحوث الجوية في حماس، وشغل منصب قائد في وحدتها المضادة للدروع. 20
تستثمر حماس منابرها الإعلامية خلال نزاعاتها مع إسرائيل لإشعال الاضطرابات في الضفة الغربية. وتستخدم هذه المنصات أيضًا لانتقاد السلطة الفلسطينية في قضايا مدنية واقتصادية، من بينها إدارتها لموازنة غزة. كما قدّمت حماس تغطية مكثفة وشديدة النقد للاحتجاجات الاجتماعية في الضفة الغربية، ولا سيما المظاهرات الواسعة التي أشعلها إقرار السلطة الفلسطينية لقانوني التقاعد والضمان الاجتماعي. وبذلك سعت حماس إلى الربط بين مصدرين رئيسيين للسخط الشعبي: سوء الإدارة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية وسياساتها الاقتصادية التقييدية تجاه قطاع غزة. وبتسليط الضوء على القضيتين معًا، تمكّنت حماس من حشد الفلسطينيين ضد السلطة الفلسطينية، مما أوجد مناخًا سياسيًا متفجرًا بصورة متزايدة. وبين يناير/كانون الثاني 2018 ومارس/آذار 2019، ردّت السلطة الفلسطينية على هذا الوضع باعتقال أكثر من 1,600 شخص لمجرد إدلائهم بتصريحات نقدية، رغم أنهم لم يرتكبوا أي أعمال عنف. وفي عام 2018، استندت السلطة الفلسطينية أيضًا إلى قانون منع الجريمة الرقمية، فأودعت 845 لائحة اتهام، استهدفت في معظمها فلسطينيين عبّروا عن آراء نقدية على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أفضى إلى عقوبات وجزاءات متنوعة. 21
تدرك السلطة الفلسطينية تمامًا نفوذ حماس الإعلامي، لا سيما على شبكات التواصل الاجتماعي. فعلى منصات مثل إكس، تحافظ حماس على حضور قوي، إذ يرتبط حسابها مباشرة بموقعها الرئيسي، المركز الفلسطيني للإعلام. 22 وتعمل السلطة الفلسطينية بنشاط على تقليص حضور حماس في الضفة الغربية، على الأرض وفي الفضاء الرقمي على حد سواء. وهي تسعى خصوصًا إلى تقييد أنشطة الصحفيين التابعين لحماس أو إلى قنواتها الإعلامية، بل تلجأ إلى الاحتجاز وسيلةً للسيطرة. وتطبّق حماس إجراءات مماثلة بحق الصحفيين في قطاع غزة التابعين لوسائل إعلام تدعم السلطة الفلسطينية أو تعارض مصالح حماس السياسية والاقتصادية. 23 وهذه التطورات ليست مفاجئة كثيرًا بالنظر إلى الطبيعة الاستبدادية لحكم حماس في قطاع غزة. وفي عام 2017، احتجزت السلطة الفلسطينية خمسة صحفيين يعملون في وسائل إعلام مرتبطة بحماس لمدة أسبوع. ولم يُفرج عنهم إلا بعد إطلاق سراح صحفي مرتبط بفتح من سجن في غزة. 24
إن القمع السياسي الذي تمارسه السلطة الفلسطينية يقوّض أسس الديمقراطية ويخنق نشوء مجتمع مدني نشط وحيوي. ولا عجب إذن أن الجمهور الفلسطيني فقد الثقة بممثليه المنتخبين، وصار يتجه إلى الفضاءات الافتراضية والإعلام الرقمي بديلًا عن الانخراط السياسي التقليدي. 25
خاتمة
سنّت السلطة الفلسطينية قوانين وأنظمة تقيّد حرية التعبير ضمن استراتيجية متعمّدة لمواجهة عدة تحديات سياسية. وتشمل هذه التحديات اقتراب نهاية ولاية محمود عباس، وعدم اليقين بشأن خليفته، والتساؤلات حول مستقبل السلطة الفلسطينية. وفي خضم عدم الاستقرار السياسي، تنغمس السلطة الفلسطينية في صراعات داخلية على السلطة داخل فتح حول الخلافة، فيما تسعى جاهدة إلى الحفاظ على النظام العام والرد على الانتقادات الواسعة لسياساتها تجاه قطاع غزة
إن توسّع القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينية على حرية التعبير يبرز الأهمية التي توليها للإعلام بوصفه أداة لتشكيل الرأي العام. فتنامي حضور المعارضة في الشوارع وعلى المنصات الإلكترونية معًا يقلق قيادة السلطة الفلسطينية، ما يدفعها إلى مضاعفة جهودها لإحكام السيطرة. وباستهداف الإعلام المعارض، أظهرت السلطة الفلسطينية القوة ورسّخت الاعتقاد بأن قبضتها محكمة على أجهزتها الأمنية وجهازها السياسي. والسيطرة على الإعلام وصوغ الرسائل هدفان مركزيان، إذ تسعى السلطة الفلسطينية إلى البقاء حاضرة في المجالين السياسي والاقتصادي مع تعزيز الدعم الشعبي لسياساتها. وتبعًا لذلك، غدت المنابر الإعلامية لحماس أهدافًا مشروعة للمراقبة، فيما ترصد السلطة الفلسطينية الخطابات البديلة وقادة الرأي على شبكات التواصل الاجتماعي.
يشكّل الجمود السياسي واستمرار الانقسام وصراعات السلطة مع حماس في قطاع غزة عاملين رئيسيين وراء الحملة الشرسة التي تشنّها السلطة الفلسطينية على وسائل الإعلام وقيودها على حرية التعبير. ويستجيب الجمهور في الضفة الغربية لهذه الإجراءات عمومًا بشعور من الاستسلام. وتسهم الطبيعة الاستبدادية لحكم السلطة الفلسطينية، التي كثيرًا ما تتعارض مع رغبة الجمهور في مزيد من الدمقرطة، في تمرير هذه الإجراءات بأدنى قدر من المقاومة. غير أن هذا الصمت مؤقت، وأي اندلاع للعنف في الضفة الغربية، حتى لو كان موجَّهًا ضد إسرائيل، قد يهدّد تمسك محمود عباس بالسلطة واستقرار السلطة الفلسطينية ككيان سياسي.
1 . "Palestinian Authority Critic Dies After Arrest," DW, 24 يونيو/حزيران 2021، https://p.dw.com/p/3vWJv . (تمت الزيارة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024).
2 . Yazid Sayigh, Armed Struggle and the Search for a State: The Palestinian National Movement 1949-1993 (Clarendon Press, 1997), 692.
3 . Glenn E. Robinson "The Growing Authoritarianism of the Arafat Regime," Survival 39, 2 (1997): 42-56.
4 . Nadav Keren, Owning the Free Media: The Regime and Press During the Early Days of the Palestinian Authority، The Case of AL-Hayat Al-Jadida (Tel Aviv University Press, 2010), 49.
5 . انظر، على سبيل المثال، 7amleh، The Arab Center for the Advancement of Social Media, https://7amleh.org/2017/08/02/the-full-english-translation-of-the-palestinian-cyber-crime-law/ (تمت الزيارة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
6 . Harel Chorev, "Palestinian Social Media and Lone-Wolf Attacks: Subculture, Legitimization, and Epidemic," Terrorism and Political Violence 31, 6 (2017): 1287.
7 . 7amleh، The Arab Center for the Advancement of Social Media, https://7amleh.org/2017/08/02/the-full-english-translation-of-the-palestinian-cyber-crime-law/ (تمت الزيارة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
8 . دلال عريقات، "ليست فلسطين التي حلمنا بها، ولا فلسطين التي وُعدنا بها"، القدس، 14 أبريل/نيسان 2022، https://www.alquds.com/ar/posts/16348?language=he (تمت الزيارة في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2023).
9 . Yolanda Knell and Nizar Banat, "The Death Shaking the Palestinian Leadership," BBC, 7 سبتمبر/أيلول 2021، https://www.bbc.com/news/world-middle-east-58400442 (تمت الزيارة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
10 . Yolanda Knell and Nizar Banat, "The Death Shaking the Palestinian Leadership," BBC, 7 سبتمبر/أيلول 2021، https://www.bbc.com/news/world-middle-east-58400442 (تمت الزيارة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
11 . داود كتاب، "عن التراجع الخطير لحرية التعبير في فلسطين"، العربي الجديد، 2 أغسطس/آب 2021 (تمت الزيارة في 4 سبتمبر/أيلول 2023).
12 . "Palestinian Journalists Claim Pressure by PA Amid Crackdown," الجزيرة، 11 أغسطس/آب 2021، https://www.aljazeera.com/news/2021/8/11/palestinian-journalists-claim-pressure-by-pa-amid-crackdown (تمت الزيارة في 27 أغسطس/آب 2021).
13 . Noa Landau, "The Full List: These Are the Treaties That Palestinians Wish to Join in Protesting the Recognition of Jerusalem," Haaretz, 29 ديسمبر/كانون الأول 2017، https://www.haaretz.co.il/news/politics/1.5521775 (تمت الزيارة في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بالعبرية).
14 . Omar Shweiki, "Palestinian Civil Society and the Question of Representation," Bulletin for the Council for British Research in the Levant 7, 1 (2012): 36.
15 . Ido Zelkovitz, "Game of Thrones: The Struggle Between Fatah and Hamas for Political Hegemony in the Palestinian Authority, 2011-2022," Strategic Assessment 25, 2 (2022): 44-47.
16 . Nadda Ossman, "Facebook Blocks Gaza's Shehab News Agency from Its Platform," Middle East Eye, 13 يوليو/تموز 2021 (تمت الزيارة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
17 . "Photojournalists in the Service of Hamas in the Gaza Strip," Meir Amit Intelligence and Terrorism Information Center , https://www.terrorism-info.org.il/app/uploads/2023/12/E_281_23.pdf . (تمت الزيارة في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2024).
18 . المرجع نفسه.
19 . Einav Halabi, "Al Jazeera 'Reporter' Who Filmed Massacre in Nir Oz Loses Leg After Drone Attack in Rafah," Ynet, 14 فبراير/شباط 2024، https://www.ynetnews.com/article/hyie1xqja (تمت الزيارة في 15 أبريل/نيسان 2024).
20 . Emanuel Fabian, "Al Jazeera Journalist Is Also a Hamas Commander, IDF Says," Times of Israel, 12 فبراير/شباط 2024، https://www.timesofisrael.com/al-jazeera-journalist-is-also-a-hamas-commander-idf-says (تمت الزيارة في 15 أبريل/نيسان 2024).
21 . "Palestine: No Letup in Arbitrary, Arrests, Torture", Human Rights Watch, 29 مايو/أيار 2019، https://www.hrw.org/news/2019/05/29/palestine-no-letup-arbitrary-arrests-torture (تمت الزيارة في 3 يونيو/حزيران 2021).
22 . Mohhamed Wisam Ammer, "Hamas in Cyberspace: Social Media and Forms of Political Expression," Arab Media & Society Aug., 14 (2023) (تمت الزيارة في 3 سبتمبر/أيلول 2023).
23 . Amnesty, "Gaza: Journalist Facing Prison Term for Exposing Corruption in Hamas-Controlled Ministry," 25 فبراير/شباط 2019، (تمت الزيارة في 15 يونيو/حزيران 2021).
24 . Jack Khoury, "Palestinian Authority Release Hamas-Linked Journalists Arrested for 'Harming Public Security'," Haaretz , 15 أغسطس/آب 2017، https://www.haaretz.com/middle-east-news/palestinians/palestinian-authority-releases-journalists-arrested-for-harming-public-security-1.5442803 (تمت الزيارة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2021).
25 . Hazem Alamssry, "Digital Democracy as a Mechanism for Achieving Participatory Democracy، The Case of the Palestinian Territories-," Democracy and Security 18, 3 (2022): 263-290.
