لماذا ساعدت السعودية في صناعة أسوأ كوابيسها الحوثية؟
السياسة السعودية لم تصنع الحركة الحوثية، لكنها أسهمت في تعميق الظروف التي نمت فيها.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

كان يُفترض أن تحمي ثروة السعودية وترسانتها العسكرية المتقدمة المملكة من التهديدات الآتية عبر حدودها الجنوبية. غير أن تجدد الهجمات الحوثية كشف حدود تلك الثقة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أفادت تقارير بأن هجوماً على مطار الملك خالد الدولي في الرياض أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة أكثر من 300، فيما تسببت ضربة استهدفت مبنى إدارياً تابعاً لشركة أرامكو في الظهران بحريق محدود. ولم يجرِ التحقق بصورة مستقلة من جميع المزاعم الحوثية بشأن أهداف سعودية أخرى. ومع ذلك، يُظهر تزامن مخاطر البنية التحتية مع التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر كيف يمكن لخصم أقل موارد أن يفرض كلفة باهظة على دولة أكثر ثراءً منه بكثير.
لم تنشأ الحركة الحوثية، المعروفة رسمياً باسم «أنصار الله»، بين ليلة وضحاها، ولا يمكن تفسير صعودها بإيران وحدها. فجذورها كامنة في السياسة اليمنية الداخلية، والتنافس الديني، والخصومات الإقليمية. لم تُنشئ السعودية هذه الحركة، لكن سياساتها أسهمت في تشكيل البيئة التي نمت فيها. وقد منح تدخل عام 2015 الحركة مظالم جديدة تستثمرها، من دون أن يقضي على قدرتها على القتال.
على مدى عقود، تعاملت الرياض مع اليمن بوصفه حاجزاً استراتيجياً. وصار النشاط الديني إحدى أدوات سياستها. فتوسّعت المؤسسات السلفية المدعومة سعودياً في مناطق كانت للزيدية، وهي فرع متمايز من الإسلام الشيعي، جذور عميقة فيها. ولم يجعل هذا التنافس النزاع المسلح أمراً حتمياً، لكنه أجّج القلق بشأن الهوية والسلطة السياسية.
شكّل تأسيس «دار الحديث» في دماج نحو عام 1980 مرحلة مهمة في انتشار السلفية في صعدة. وارتبط المركز بنشاط دعوي ممول سعودياً، واستقطب طلاباً من اليمن ومن الخارج. وبالنسبة إلى كثير من المجتمعات الزيدية، كانت مؤسسات تُدرّس تقليداً منافساً تهديداً لمكانتها الراسخة. ولم تكن السياسة السعودية المحرّك الوحيد، لكنها أسهمت في تحويل التنافس الديني إلى قضية سياسية أوسع.
في هذه البيئة ظهرت حركة «الشباب المؤمن». تأسست عام 1992 على يد شخصيات دينية زيدية، وروّجت في البداية للتعليم الديني والإحياء الثقافي. والتحق بها حسين بدر الدين الحوثي عام 1999 وأسهم في دفعها نحو السياسة. ولم يعكس جاذبيتها رفض النفوذ السعودي فحسب، بل أيضاً مظالم محلية، والتخلف التنموي، والخلافات حول سلطة الدولة، والسخط على الرئيس علي عبد الله صالح. ولم يؤيد كثير من الزيديين الحوثيين في البداية، إذ اعتمد توسعهم على خيارات سياسية وتحالفات، لا على الهوية الدينية وحدها.
اتخذ النزاع طابعاً عسكرياً عام 2004، حين تحركت الحكومة اليمنية ضد حسين الحوثي وأتباعه. وتلت ذلك ست جولات من القتال في صعدة حتى عام 2010. وأخفقت الحملات في استئصال التمرد وعمّقت العداء. ولم ينتهِ التمرد بمقتل حسين، إذ أصبح شقيقه عبد الملك زعيماً له في نهاية المطاف. وبقيت الحركة وقدّمت نفسها مدافعة عن مجتمعات أهملتها الحكومة المركزية.
لم تصنع السياسة السعودية الحركة الحوثية، لكنها أسهمت في تفاقم الظروف التي نمت فيها. فقد عزّز التنافس الديني المخاوف الطائفية وأضعف الثقة في حياد الدولة. ولم تكن الرياض مسؤولة عن كل قرار حوثي، غير أنها تتحمل مسؤولية التبعات الاستراتيجية لمقاربتها الطويلة تجاه اليمن.
جاءت نقطة التحول الإقليمية الحاسمة في آذار/مارس 2015. فبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014 وفقدان حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي السيطرة على العاصمة، أطلقت السعودية عملية «عاصفة الحزم» بقيادة وزير الدفاع محمد بن سلمان. وقالت الرياض إنها ستعيد الحكومة المعترف بها دولياً. واعتمدت الحملة اعتماداً كبيراً على القوة الجوية والعتاد الغربي الصنع، لكن التفوق التكتيكي لم يُترجَم إلى نجاح سياسي. فقد تعامل التدخل مع تمرد محلي معقد بوصفه هدفاً عسكرياً تقليدياً يمكن للقوة الجوية أن تُنهكه حتى الاستسلام. وبدلاً من ذلك، تحوّل إلى حرب طويلة الأمد.
ألحقت الحملة الجوية للتحالف بقيادة السعودية أضراراً بالبنية التحتية المدنية، فيما فاقمت قيود الاستيراد والانهيار الاقتصادي والقتال الأزمة الإنسانية في اليمن. وارتكب الحوثيون بدورهم انتهاكات وقمعوا السكان الخاضعين لسيطرتهم. ومسؤولية المعاناة في اليمن تمتد إلى جميع أطراف النزاع. ومع ذلك، قوّض النقد الدولي لسلوك التحالف الزعم القائل إن الضغط العسكري سيعيد الاستقرار سريعاً.
منح التدخل الحوثيين سردية قوية عن مقاومة العدوان الأجنبي. ولم يبرر هذا التأطير حكمهم السلطوي ولا انتهاكاتهم الداخلية، لكنه ساعدهم على تقديم الحرب بوصفها دفاعاً عن السيادة الوطنية. وأتاح لهم انهيار الدولة والاستيلاء على أسلحة حكومية موارد تتجاوز ما يملكه تمرد محلي. ووفّر القتال خبرة، وسرّع النزاع المطوّل تكيّفهم.
تنامت أهمية الدور الإيراني باطّراد. فقد حصلت طهران على شريك قادر على تهديد المصالح السعودية بكلفة منخفضة نسبياً. ووثّق محققو الأمم المتحدة مساعدة تقنية وتدريباً وأسلحة ودعماً مالياً مرتبطاً بإيران لمنظومات لم يكن بوسع الحوثيين إنتاجها بصورة مستقلة على نطاق واسع. غير أن الحركة لم تُصنع في طهران. فجذورها المحلية، والمخزونات التي استولت عليها، والتعلم الميداني، واستغلال المؤسسات المتصدعة، وسّعت نطاق نفوذها. وقد ضخّم الدعم الإيراني فاعلاً قائماً بدل أن يُنشئه.
ويتزايد الاختلال اقتصادياً كما هو عسكرياً. فقد استثمرت السعودية في الطائرات والدفاعات الجوية، في حين اعتمد الحوثيون على مواقع متفرقة وطائرات مسيّرة وصواريخ وتكتيكات مصممة لتعقيد الرصد والاعتراض. ولا يحتاج المهاجم إلى تدمير كل هدف كي يفرض كلفة، فعدم اليقين وحده قادر على تعطيل الرحلات الجوية، ورفع أقساط التأمين، وإقلاق المستثمرين، وإجبار السلطات على تخصيص موارد لحماية البنية التحتية. ولا تعني هذه الآثار أن الدفاعات السعودية عديمة الجدوى أو أن كل هجوم ينجح. بل تُظهر أن الدفاع عن اقتصاد كبير ومفتوح في وجه تهديدات متكررة ومنخفضة الكلفة مهمة مختلفة عن كسب حملة تقليدية، وتتطلب أدوات سياسية بقدر ما تتطلب أدوات عسكرية.
بحلول أوائل العشرينيات، دفعت كلفة الحرب الرياض نحو خفض التصعيد. وساعدت عُمان في تيسير الاتصالات، وخفّضت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 وتيرة القتال من دون أن تحسم مستقبل اليمن السياسي. وأثارت المحادثات السعودية الحوثية عام 2023 آمالاً باتفاق أوسع، لكن التفاهمات الثنائية لم تستطع التوفيق بين السلطات اليمنية المتنافسة ولا ضمان تخلي الحوثيين عن قدرات إقليمية. فالهدنة لم تكن سلاماً دائماً.
كما تكشف المواجهة المتجددة مدى هشاشة المسار الدبلوماسي. ففي تموز/يوليو 2026، عقد مبعوث الأمم المتحدة اجتماعات في الرياض ومسقط حاثاً على خفض التصعيد والحفاظ على مكاسب الهدنة. ويُظهر القتال الجديد أن الاتصالات لم تُنتج إطاراً دائماً. ومن دون تسوية أوسع بقيادة يمنية تشمل الأمن والحوكمة والأولويات الاقتصادية، يمكن للمعارك المحلية المستمرة أن تُطلق مجدداً تداعيات إقليمية.
المعضلة أن لا الضغط ولا التسوية أنتجا حتى الآن نتيجة دائمة. فالضربات الجوية قادرة على إتلاف البنية التحتية الحوثية لكنها لا تحسم من يحكم اليمن. والهدنة الثنائية قادرة على تقليص الخطر لكنها تترك الخصوم مكشوفين والحركة مسلحة. ومن دون مراقبة وضمانات أمنية وعملية سياسية تضم فصائل اليمن نفسها، يملك كل طرف سبباً لإعادة بناء موقعه والاستعداد للقتال من جديد.
وتتجاوز التبعات حدود اليمن. فالتهديدات للملاحة في البحر الأحمر ترفع الكلفة على المشغّلين التجاريين وتجرّ قوى خارجية إلى نزاع ذي جذور محلية. والهجمات على المنشآت السعودية تتحدى الافتراض القائل إن منظومات الدفاع الباهظة قادرة على حماية كل موقع في إقليم شاسع. فالاعتراض مهم، لكن كذلك الاستخبارات والبنية التحتية القادرة على الصمود والدبلوماسية وتسوية تقلّص الحوافز لهجمات متجددة.
أما الدرس بالنسبة إلى حكومات شرق أوسطية أخرى فليس أن القوة العسكرية بلا جدوى، بل أنها لا تُغني عن الاستراتيجية السياسية. فالاصطفافات نادراً ما تكون دائمة، وقد يسعى الشركاء المحليون إلى أهداف تتباين مع أهداف راعيهم. وسياسة مصمَّمة للحفاظ على النفوذ قد تُشعل الخصومات، فيما يمكن للحرب أن تمنح الخصم مصداقية وخبرة ووسائل انتقام جديدة.
لم يصنع آل سعود الحوثيين. لكن التنافس الديني المدعوم سعودياً فاقم التوترات في شمال اليمن، ومنح تدخل عام 2015 حركة راسخة فرصاً إضافية للتعبئة وتوسيع نفوذها. وقرارات قُصد بها الحفاظ على النفوذ الإقليمي أسهمت في تقوية تهديد تبيّن أن احتواءه صعب.
في وسع السعودية تقليص انكشافها عبر الدبلوماسية وعملية سياسية يمنية جادة، لكن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يدوم إذا ترك الصراع على السلطة في البلاد من دون حل. فالثروة قادرة على شراء الطائرات والنفوذ الدبلوماسي، لكنها لا تشتري القبول ولا تضمن النجاح السياسي بالقوة. وكابوس الرياض ليس الترسانة الحوثية وحدها. بل إن خيارات استراتيجية أسهمت في تقوية خصم تستمر تبعاته بعد زوال السياسات التي أنتجتها.
نُشر أصلاً في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)