منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

التباهي بالفضيلة يقتل الناس: لا طرق مختصرة إلى الدولة الفلسطينية

السبيل أمام الساعين إلى الاستقلال هو المساءلة عن أفعالهم وسيادة القانون.

يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

Palestinians carry flags in a march for freedom and independence.
فلسطينيون يحملون الأعلام في مسيرة من أجل الحرية والاستقلال. · Shutterstock

تجاهلت دول أوروبية كثيرة، مثل إيرلندا والنرويج وإسبانيا، الاتفاقات الدبلوماسية السابقة لتمنح اعترافًا أحاديًا بالدولة الفلسطينية. وكذلك فعلت معظم دول الجمعية العامة للأمم المتحدة حين صوّتت لمنح «دولة فلسطين» العضوية.

الفلسطينيون فاعلون. ومع أن عدد فلسطينيي غزة والضفة الغربية لا يتجاوز، في أقصى التقديرات، خمسة ملايين، فإنهم على مدى عقود من الإرهاب المذهل والعلاقات العامة الماهرة أبقوا سعيهم إلى الدولة في صدارة النقاش الدبلوماسي الدولي.

غير أن شعوبًا أخرى كثيرة تسعى هي أيضًا إلى إقامة دولة. فهناك نحو 35 مليون من الإيغبو في نيجيريا، وأكثر بكثير في الشتات، يطالبون بالاعتراف ببيافرا. وقد عايشوا إبادة جماعية حقيقية، لا مبالغة علاقات عامة، بين عامي 1967 و1970، وتسعى الحكومة النيجيرية مجددًا إلى سحق الإيغبو ثقافيًا وقمع المسيحيين لأسباب أيديولوجية.

وهناك ما بين 30 مليونًا و45 مليون كردي موزعين على تركيا وإيران والعراق وسوريا. أما أكراد سوريا فيواجهون الآن الإبادة على يد الجيش التركي فيما يلوذ معظم العالم بالصمت.

الأويغور في الصين، وعددهم 12 مليونًا، يواجهون اضطهادًا على نطاق صناعي ويعيشون ضمن شبكة من معسكرات الاعتقال.

حتى إن عدد سكان أرض الصومال البالغ ستة ملايين يفوق عدد الفلسطينيين.

كثير من أنصار الدولة الفلسطينية يتجاهلون هذا الواقع بالاستشهاد بـ«ماذا عن...؟» (Whataboutism). وتذهب الحجة إلى أن استحقاق الآخرين لا يعني أن على العالم تجاهل الطموحات الفلسطينية أو الإخفاق في معالجتها أولًا. غير أن ذلك، في جوهره، حجة رجل قش.

المشكلة الحقيقية في إعطاء الأولوية للدولة الفلسطينية هي أن الفلسطينيين غير مستعدين. فالمسألة ليست إسرائيل، بل غياب الوحدة بين الفلسطينيين. فقد سيطرت حماس على قطاع غزة بقوة السلاح، وعذّبت وأعدمت سياسيين ومسؤولين من «فتح» لم يتحلّوا ببعد النظر للفرار. ولم يكن ذلك الانقلاب الداخلي سوى بروفة لما سيقع في الضفة الغربية عندما يموت رئيس الفلسطينيين محمود عباس البالغ 89 عامًا.

أما الدول الأخرى التي نالت استقلالها من دون حد أدنى من الوحدة فقد غدت بؤرًا لمعاناة بشرية. نالت تيمور الشرقية استقلالها في 20 مايو 2002. وفي غضون أربع سنوات، تفاقم العنف إلى حد اضطر قوات حفظ السلام الدولية إلى العودة. وأصبحت كوسوفو مستقلة في 17 فبراير 2008، غير أن غياب سيادة القانون حوّل الدولة، في الأساس، إلى مشروع إجرامي. ونال جنوب السودان استقلاله في 9 يوليو 2011. وفي غضون عامين ونصف العام، غرق البلد في حرب أهلية شاملة أودت بحياة 400 ألف شخص. أما أكراد العراق، فلم يفوّتوا قط فرصة لتقديم المعارك السياسية الداخلية على الطموحات الوطنية.

من غير الأخلاقي التعجيل بالاستقلال إذا كان فشل الدولة حتميًا. وبدلًا من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة وسائر الدول أن تحتضن الطامحين، مثل أرض الصومال، ممن يثبتون القدرة والحكم الرشيد. فأرض الصومال، في نهاية المطاف، كانت أول بلد في العالم، وإن ظل غير معترف به، يؤمّن انتخاباته بمسح قزحية العين بالقياسات الحيوية، وشهدت أكثر من مرة انتقالًا سلميًا للسلطة.

إذا برهن العالم لمن يسعون إلى الاستقلال أن السبيل الوحيد إلى الأمام يمر عبر المساءلة عن أفعالهم وسيادة القانون، فإن هذا المعيار سيقدّم خريطة طريق بدلًا من أن يبعث رسالة إلى الإرهابيين مفادها أن العنف يتغلب على كل شيء. وإذا أراد الفلسطينيون يومًا دولة، فعليهم أن يكونوا أشبه بأرض الصومال وأقل شبهًا بجنوب السودان.