منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

سعي تركيا للانضمام إلى «بريكس» نظير دبلوماسي لصفقة «إس-400»

خطوة أنقرة نحو التكتل الذي تقوده الصين وروسيا تكرّر منطق شراء منظومة الصواريخ الروسية: تحدٍّ محسوب للغرب من داخل حلف الأطلسي.

يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

Flags of BRICS member and applicant countries: Brazil, Russia, India, China, South Africa, Algeria, Argentina, Bahrain, Egypt, Indonesia, Iran, Saudi Arabia and the United Arab Emirates.
أعلام الدول الأعضاء في «بريكس» والدول المتقدمة بطلبات انضمام: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا والجزائر والأرجنتين والبحرين ومصر وإندونيسيا وإيران والسعودية والإمارات العربية المتحدة. · hamzeh - stock.adobe.com

في 2 سبتمبر/أيلول 2024، تقدّمت تركيا [Türkiye] رسميًا بطلب للانضمام إلى مجموعة «بريكس» التي تضم اقتصادات صاعدة. ويأتي احتضان تركيا لـ«بريكس» فيما يُبدي الرئيس رجب طيب أردوغان أيضًا رغبة في رفع مكانة تركيا من «شريك حوار» داخل منظمة شنغهاي للتعاون، وهي تكتل تعاوني تقوده الصين وروسيا، إلى دولة مراقبة إن لم تكن عضوًا كامل العضوية.

من جهة، يمثّل طلب تركيا الانضمام إلى «بريكس» اعترافًا ضمنيًا بأن أحلام أردوغان بتحقيق اقتصاد ضمن العشرة الأوائل قد ارتطمت بشواطئ سوء إدارته؛ إذ يحتل اقتصاد تركيا اليوم المرتبة الثامنة عشرة عالميًا ويواصل التراجع. أما التحدي الأوسع، من جهة أخرى، فهو دبلوماسي. فمع أن «بريكس» مجموعة اقتصادية من الناحية الفنية، فإنها تحمل دلالات أوسع، إذ تسعى البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، التي يُشتق من أسمائها اختصار «بريكس»، إلى إنشاء نظام مالي بديل من شأنه تقويض الدولار الأمريكي بوصفه العملة الأساسية للتجارة الدولية. وباختصار، يعود أردوغان مرة أخرى إلى الاصطفاف مع موسكو وبكين لتقليص نفوذ أوروبا والولايات المتحدة.

على الإدارة الأمريكية المقبلة أن تتعامل مع مسعى تركيا بوصفه النظير الدبلوماسي لشرائها منظومة الدفاع الجوي «إس-400». فبدلًا من النظر إلى «إس-400» على أنه مجرد عقد محتمل ضائع، أدركت إدارة ترامب أن انعطاف أردوغان نحو روسيا يمثل تحديًا مستمرًا. فدمج «إس-400» في دفاعات تركيا يعني تعريض أسرار حلف الأطلسي لمهندسي الكرملين. وحتى لو أقامت تركيا جدارًا ناريًا يفصل «إس-400»، فقد يظل يشكّل تهديدًا لمقاتلات «إف-35» متعددة المهام التي سعت الولايات المتحدة وحلف الأطلسي إلى الإبقاء عليها عمادًا للدفاع المستقبلي في مواجهة روسيا أو الصين. وإذا تمركزت «إس-400» على مقربة من طائرات «إف-35»، فإن رادارها قد يساعد تركيا على إتقان تعقّب الطائرة الشبح. ولدرء هذا الخطر، وافقت إدارة ترامب على خفض الاستثمار العسكري الأمريكي في تركيا وإخراج تركيا من برنامج «إف-35».

ومع طلب تركيا الانضمام إلى «بريكس» ورغبة أردوغان في الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، حان الوقت لتوسيع العزل العسكري ليشمل المجال الدبلوماسي. فمنذ وقت طويل، كفّت تركيا عن التصرّف كما ينبغي لعضو في حلف الأطلسي؛ فبدلًا من تعزيز الحلف، تقوّضه. ومع أن تركيا لم يعد ينبغي أن تكون عضوًا في حلف الأطلسي، فقد تعذّر طردها لأن معاهدة الحلف تفتقر إلى أي آلية لطرد الأعضاء المنحرفين.

إن تحوّل تركيا نحو «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون يرسّخ أن هذا المأزق القانوني لم يعد قابلًا للاستمرار. ولإيراد تشبيه متطرف، فإن الارتباط بحلف الأطلسي ومنظمة شنغهاي للتعاون في آن واحد يشبه الجمع بين عضوية الجمعية الوطنية للنهوض بالملوّنين (NAACP) وعضوية «كو كلوكس كلان». وقد لا تكون «بريكس» بالقدر نفسه من التطرّف الذي تمثّله منظمة شنغهاي للتعاون، لكنها تتحرك سريعًا في ذلك الاتجاه. ومع صيرورة اقتصاد الهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم، تلوح مؤشرات إلى أن الهند قد تغادر هذا التكتل لأنه لم يعد يمثل مصالحها. أما بقية المجموعة فتحتضن اللاليبرالية. فالبرازيل وجنوب أفريقيا، مثلًا، تُقوّضان حرية التعبير وحقوق الملكية. والعضو الجديد إثيوبيا سعى إلى تنفيذ إبادة جماعية ضد سكان تيغراي. وتقترب «بريكس» أكثر فأكثر من أن تصبح منظمة توفّر غطاءً للطغاة ولمن يسعون إلى تقويض النظام الليبرالي. وببساطة، ومع كون روسيا وإيران (التي انضمت إلى «بريكس» في 1 يناير/كانون الثاني 2024) اليوم أكبر تهديدين لحلف الأطلسي، فإن أردوغان يلوّح برغبته في الشراكة مع كلتيهما.

لا مجال لمزيد من التأخير. فما دامت تركيا باقية في حلف الأطلسي، يتعيّن على الولايات المتحدة وأوروبا فرض حجر عليها كي لا تخون مصالحهما لصالح أعدائهما. وينبغي أن تواجه تركيا عقوبات وإجراءات لا تقل إضرارًا بصورتها وقدراتها عن إخراجها من برنامج «إف-35».

هنا، يمكن أن يوفّر الموقف الدبلوماسي الأمريكي تجاه إيران وروسيا مرجعًا استرشاديًا. فقانون البعثات الأجنبية (Foreign Missions Act)، مثلًا، يتيح لوزير الخارجية تقييد حركة الدبلوماسيين الأجانب المتمركزين في الولايات المتحدة. فإذا سافر الدبلوماسيون الإيرانيون لدى الأمم المتحدة في نيويورك، مثلًا، إلى ما يتجاوز دائرة نصف قطرها 25 ميلًا، فإنهم سيواجهون الاحتجاز والطرد. ويواجه دبلوماسيو بيلاروس وكوبا وإريتريا وكوريا الشمالية وروسيا وسوريا وفنزويلا قيودًا مماثلة في واشنطن و/أو نيويورك. أما الدبلوماسيون الصينيون، فعليهم تقديم إخطار رسمي بشأن السفر والاجتماعات. ومع انعطاف تركيا الدبلوماسي نحو الصين وروسيا وفنزويلا، فمن الواضح أنها تنتمي إلى هذه القائمة أيضًا، بصرف النظر عن عضويتها في حلف الأطلسي. وبالتأكيد، ستتصرف تركيا بالمثل، وستطالب بألا يبتعد الدبلوماسيون الأمريكيون عن أنقرة أو إسطنبول أو إزمير؛ وسيكون الثمن مستحقًا. لكن في كلتا الحالتين، ليست هناك ضرورة لأن تكون العقوبة دائمة. فإذا سحبت تركيا طلبها للانضمام إلى «بريكس» وأنهت مسعاها للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، فقد تعيد واشنطن وأنقرة علاقاتهما ببساطة إلى ما كانت عليه سابقًا.

الدبلوماسية أداة مهمة، لكنها ليست مجرد احتساء الراكي ببهجة أو التقاط حلوى «التركيش ديلايت» والبقلاوة مع الزملاء الأتراك؛ بل إن الدبلوماسية الفاعلة يجب أن تُعاير سياسة الدولة وفق واقع الشركاء أو الخصوم. وفي حالة تركيا، حان وقت فرض حجر فوري.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: Turkey’s BRICS Bid Is the Diplomatic Equivalent of Its S-400 Purchase