ترامب يلوّح بالدبلوماسية وطهران بالتحدي في مضيق هرمز
واشنطن بنت شبكة للاستجابة للأزمات قادرة على تنفيذ عمليات برمائية وإنزال جوي سريع وتعزيزات عاجلة.

جاء إعلان الرئيس دونالد ترامب في 23 مارس/آذار 2026 أن إدارته تجري محادثات مع شخصيات رفيعة في الجمهورية الإسلامية مفاجئاً، ما ساعد على دفع أسعار النفط إلى الانخفاض ورفع الأسواق العالمية. وجاءت ردود الفعل في طهران سريعة؛ فبعد نفي أولي من مراكز القوى، أصدر الحرس الثوري الإسلامي بيان رفض شديد اللهجة في ساعة مبكرة من 24 مارس/آذار.
ووصفت «تسنيم»، المنبر الإعلامي الرئيسي للحرس الثوري، التقرير بأنه تكتيك من الرئيس الأمريكي، و«سلاح يُقصد به بثّ الشك بين القوى السياسية والاجتماعية الناشطة في الدفاع عن إيران، وتحويلها عن التركيز على الخصم وجذبها إلى ساحة أخرى من الصراع».
وقال ترامب إن الولايات المتحدة انخرطت في محادثات مع إيران، وإن الجانبين توصلا إلى ما وصفه بـ«نقاط اتفاق رئيسية»، بما يوحي بأن اتفاقاً لإنهاء الصراع قد يكون في المتناول. وأوضح أن المحادثات جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع وأنها متواصلة، بقيادة موفدين مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ووصف الاتصالات أيضاً بأنها «جيدة ومثمرة جداً»، وعلى هذا الأساس أعلن تأجيلاً لمدة خمسة أيام للضربات الأمريكية المزمعة على البنية التحتية للطاقة في إيران، لإفساح المجال أمام الدبلوماسية.
وسرعان ما برز اسم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. فقد ذكر موقع «بوليتيكو» أن بعض الأوساط في البيت الأبيض تنظر إليه كمحاور محتمل، بل وحتى كزعيم محتمل في المستقبل. وسارع قاليباف إلى نفي أي اتصال مع واشنطن، على الأرجح لتبديد الشبهات لدى منافسيه أو لتعزيز خطاب موحّد من داخل النظام. ويحمل سمعة ملطّخة، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أكثر الشخصيات فساداً داخل المؤسسة الحاكمة، ولا يتمتع بتأييد يُذكر خارج دائرة ضيقة من أهل الداخل. وقد فشلت محاولاته المتكررة للترشح للرئاسة، واحتفظ بمنصبه الحالي إلى حد كبير بفضل دعم قريبه، المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.
ولم يقتصر الأمر على قاليباف، إذ صوّرت طائفة واسعة من المسؤولين ووسائل الإعلام إعلان ترامب على أنه تراجع. وقالت هذه الأوساط إن الحذر الأمريكي يعكس قدرة إيران على تهديد البنية التحتية للطاقة في عموم المنطقة. وقالت «تسنيم»: «إن دونالد ترامب... قد ارتطم بالجدار الصلب للواقع وبجدّية التهديدات الإيرانية. وهو الآن قد تراجع من ساحة المعركة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ساعياً إلى تعويض الانتكاسات العسكرية برسائل نفسية. أما إيران، فتبقى متيقظة في ميدان المعركة».
ومضى البيان إلى أبعد من ذلك، ملمّحاً إلى أن نداءً أطلقته شخصية المعارضة في المنفى رضا بهلوي في 22 مارس/آذار، يحثّ فيه ترامب على عدم ضرب شبكة الكهرباء الإيرانية، كان مؤشراً على تراجع أمريكي وشيك.
وفي 24 مارس/آذار، عزّز علي نيكزاد، نائب رئيس البرلمان، الخط المتشدد قائلاً: «لن نعيد مضيق هرمز إلى حالته السابقة، ولن نتفاوض مع شخص كذّاب لا تبدو عليه أي علامة على الشرف أو الإنسانية أو الضمير»، مضيفاً أن المفاوضات السابقة أثبتت ذلك.
وتؤكد هذه التصريحات مدى المركزية التي بلغها مضيق هرمز في استراتيجية طهران. فيبدو أن إيران ترى في السيطرة على هذا الممر المائي، أو تعطيله، رافعتها الأكثر فاعلية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وفي حين تتواصل الهجمات الصاروخية على دول مجاورة بصورة متقطعة، تبقى قدرة إيران على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية عبر هرمز أقوى مصادر ضغطها. وتشير تصريحات نيكزاد إلى طموح أوسع: تثبيت هيمنة دائمة على المضيق واستخدامه كأداة نفوذ مستمرة.
ويفسّر بعض المراقبين إشارات ترامب إلى المفاوضات بأنها محاولة لكسب الوقت إلى أن تُكمل القوات الأمريكية انتشارها وتستعد لتأمين حرية الملاحة. وتعمل واشنطن على تعزيز وضعها في المنطقة بمزيج من قوات التدخل السريع المستمدة من أفرع عسكرية متعددة. فإلى جانب الوحدة البرمائية الحادية عشرة لمشاة البحرية على متن السفينة «يو إس إس بوكسر»، والوحدة البرمائية الحادية والثلاثين لمشاة البحرية على متن السفينة «يو إس إس تريبولي»، يشمل الحشد عناصر انتشار سريع من الجيش والقوات الجوية، مثل قوة الاستجابة الفورية المبنية حول الفرقة 82 المحمولة جواً، فضلاً عن طائرات مقاتلة منتشرة متقدماً، بينها مقاتلات «إف-15 إي ستريك إيغل». وتشكّل هذه الأصول مجتمعةً شبكة مرنة للاستجابة للأزمات قادرة على تنفيذ عمليات برمائية وإنزال جوي سريع وتعزيزات عاجلة في عموم المنطقة.
وعلى الرغم من أن مزاعم ترامب ونبرته المتفائلة تدعوان إلى التشكيك، فقد أشارت مصادر إقليمية متعددة إلى احتمال وجود اتصالات دبلوماسية، قد تنطوي على وسطاء مثل تركيا وباكستان. وستنتهي مهلته الجديدة المحددة بخمسة أيام نحو 27 أو 28 مارس/آذار، تبعاً لطريقة الحساب. وفي غياب دليل واضح على وجود مفاوضات بحلول ذلك الحين، من المرجّح أن يتقدم البعد العسكري على ما سواه.
