على ترامب التصدي لتهديد القاعدة البحرية الروسية في السودان
خسارة بوتين في سوريا تدفعه بإلحاح إلى البحث عن بديل، وسيسعى إلى مزايدة السعودية على النفوذ في السودان.
يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

قد يكون الرئيس المنتخب دونالد ترامب متردداً إزاء الدعم الأمريكي لقتال أوكرانيا ضد روسيا، لكن ذلك لا ينبغي أن يعني تجاهل التهديد الاستراتيجي الأوسع الذي تمثله روسيا لمصالح الولايات المتحدة.
تقوم الطائرات الروسية بانتظام بجسّ الدفاعات الأمريكية على امتداد سواحل ألاسكا، فيما تلاحق الغواصات وسفن التجسس الروسية السفن البحرية الأمريكية لدى مغادرتها نورفولك في ولاية فرجينيا. وتراقب سفن تجسس روسية أخرى كيب كانافيرال في فلوريدا، ونيو لندن في كونيتيكت. وفي السنوات الأخيرة، عزّز الكرملين أيضاً حضوره في المكسيك للمراقبة وربما لتسيير عمليات ضد الولايات المتحدة بالتنسيق مع كارتلات مختلفة. كما تعيد روسيا الانخراط مع كوبا، في وقت يبدو فيه النظام الشيوعي في ذلك البلد متجهاً إلى لحظاته الأخيرة. وقد عرضت نيكاراغوا أن تكون «المنصة الإقليمية» لروسيا.
وخارج الأميركيتين، تسعى روسيا إلى الحفاظ على حضورها في الشرق الأوسط. وفي حين أن انهيار النظام السوري أمام جهاديين مدعومين من تركيا يهدد قدرة روسيا على الإبقاء على قاعدتيها البحرية والجوية في طرطوس وقاعدتها الجوية في حميميم، فإن روسيا تتخذ موقفاً هجومياً في أماكن أخرى.
تُعدّ الحرب الأهلية في السودان، الممتدة على 12 جبهة، الأكثر دموية في العالم اليوم. وقد بات أثرها على المدنيين والمقاتلين يتجاوز أثر حرب أوكرانيا، ويزيد بأكثر من مرتبتين عشريتين على أثر نزاع حماس-إسرائيل. وتسعى روسيا إلى استثمار المأساة الإنسانية للحصول على موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر.
عندما اندلع القتال في السودان، دعمت موسكو في البداية قوات الدعم السريع السودانية التي تسيطر على الخرطوم، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أنها كانت تسيطر على أراضٍ كانت مجموعة فاغنر تأمل في استغلال ثرواتها المعدنية، لكن الحكومة الروسية سرعان ما بدّلت موقفها لصالح القوات المسلحة السودانية ومجلس السيادة الانتقالي اللذين يسيطران على شمال السودان (باستثناء الحدود الليبية) وساحل البحر الأحمر. وكانت خطوة الكرملين بارعة: فهي لم تضع روسيا وإيران في الخندق نفسه في حرب السودان فحسب، بل أتاحت أيضاً نفوذاً روسياً على بورتسودان، الميناء البحري الرئيسي في السودان، وفتحت إمكانية إنشاء جسر بري لدعم الإمبراطورية الروسية الفعلية التي شيدتها مجموعة فاغنر عبر سلسلة من الانقلابات من مالي إلى النيجر، ثم عبر استثمارات استراتيجية في تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى. وقد يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر سخرية من ذلك، وقد يمول الطرفين معاً، سعياً إلى انتزاع أكبر قدر من التنازلات من كل منهما.
إن احتمال إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان ليس مجرد افتراض. ففي 28 أبريل/نيسان 2024، بدأ ميخائيل بوغدانوف زيارة استمرت يومين إلى بورتسودان للقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي. وبعد ما يزيد قليلاً على شهر، سافر نائب البرهان مالك عقار إلى منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في يونيو/حزيران 2024 للقاء مسؤولين روس بشأن القاعدة. وقال على هامش المنتدى إن مجلس السيادة الانتقالي سيعيد إحياء اتفاق مجمّد يعود إلى عام 2017 يتيح لروسيا بناء قاعدة بحرية في بورتسودان أو قربها. كما أفادت تقارير بأن روسيا عرضت على حلفائها السودانيين صواريخ إس-400 ضمن حوافز لإتمام صفقة القاعدة.
ومع أن صحيفة «موسكو تايمز» ذكرت الشهر الماضي أن السودان رفض أحدث حزمة عرضتها موسكو، فإنه لا ينبغي لفريق ترامب أن يفترض أن الملف قد أُغلق. ففي حين قد تكون الولايات المتحدة مارست ضغطاً على السعوديين، داعمي البرهان في الصراع الداخلي، لدفع البرهان إلى رفض الروس، فإن طموحات موسكو لم تنتهِ. ويرجح أن ترفع عرضها للبرهان، بالتوازي مع سعيها إلى توسيع الحضور الروسي في ليبيا.
يمثل السودان نزاعاً شديد التعقيد قد يستمر، حتى في أفضل الظروف، خمس سنوات أخرى أو عشر سنوات. وقد فشلت الدبلوماسية الأمريكية في عهد بايدن، إذ تجاهلت جميع الأطراف إعلان جدة في مايو/أيار 2023 الذي رُوّج له على نطاق واسع. وليس السودان على خطوط التماس الأمامية لتوترات ممتدة منذ عقود بين القبائل الأفريقية والعربية فحسب، بل إن السعوديين والإماراتيين يواصلون أيضاً الانخراط في صراع صفري على النفوذ داخل السودان يُدفع ثمنه من الدم السوداني. وقد يحتفل البيت الأبيض والبنتاغون بانهيار روسيا في سوريا، لكن من الحماقة أن يفترض ترامب أو فريقه أن روسيا تلقت الضربة القاضية وخرجت من المشهد. إن خسارة بوتين في سوريا تجعله أكثر إلحاحاً في البحث عن بديل. وسيسعى إلى مزايدة السعودية على النفوذ داخل مجلس السيادة الانتقالي في السودان للحصول على قاعدة بحرية إقليمية جديدة. وهو يعوّل على افتقار فريق ترامب إلى التركيز لترسيخ حضور على البحر الأحمر؛ ولا ينبغي لترامب، ولوزير الخارجية المعيّن ماركو روبيو، ومايك والتز، خيار ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي، أن يقرّوا استراتيجية بوتين.
