MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
منتدى الشرق الأوسط أونلاين

ممر اليمن والقرن الأفريقي: توسّع الحوثيين وثغرة الاستراتيجية الأمريكية في البحر الأحمر

وكلاء إيران صار لهم وكلاؤهم.

حسين أبو بكر منصور (Hussein Aboubakr Mansour) محلل مصري-أميركي يركز على موضوعات مثل معاداة السامية لدى المسلمين، والأيديولوجيا الإسلاموية، والجامعات الأميركية. نشأ في مسقط رأسه القاهرة في مصر، حيث انجذب إلى المساجد السلفية في سن مبكرة، وافتتن بنظريات المؤامرة المعادية للسامية في الثقافة الشعبية المصرية. وبعد رحلة تعليمية غيّرت مساره، تصدّى لمعاداة السامية، ما أوقعه في مشكلات مع السلطات المصرية. نُشرت كتابات منصور في Commentary وTablet وThe Hill وMosaic وغيرها، كما نشر سيرة ذاتية بعنوان Minority of One: The Unchaining of an Arab Mind (أقلية من شخص واحد: فك أغلال عقل عربي). ويكتب اليوم كثيرًا على منصته في Substack بعنوان The Abrahamic Critique and Digest (النقد والمختارات الإبراهيمية). حصل على اللجوء السياسي في الولايات المتحدة عام 2012، وعمل أستاذًا مساعدًا للغة العبرية في معهد اللغات التابع لوزارة الدفاع (Defense Language Institute). ويحمل درجة ماجستير في الشؤون الدولية من جامعة جورج واشنطن.

A long coastline, a weak central government and a position between the Arabian Peninsula and the Horn of Africa have repeatedly made Yemen a relay station for militant movements, a place where ideas, money and weapons arrive from outside, where fighters are trained and organized, and from which capability is sent onward across the water.
ساحل طويل وحكومة مركزية ضعيفة وموقع بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، جعلت اليمن مرارًا محطة ترحيل للحركات المسلحة، حيث تصل الأفكار والأموال والسلاح من الخارج، ويُدرَّب المقاتلون ويُنظَّمون، ومنها تُرسَل القدرة القتالية عبر المياه إلى الضفة الأخرى. · Shutterstock

حذّرت القيادة الأميركية في أفريقيا (AFRICOM) في وقت سابق من هذا الشهر من أن الحوثيين في اليمن يسعون إلى التمدد داخل الصومال، وأن مقاتلين أو ممثلين حوثيين قد يكونون بالفعل ينشطون في شمال البلاد إلى جانب حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة هناك. وجاء التحذير عقب سيطرة الحوثيين في سبتمبر/أيلول على نحو 115 كيلومترًا من ساحل اليمن على البحر الأحمر، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة ميون في باب المندب، ضمن هجوم وجّهه مستشارون من الحرس الثوري، وتزامن مع تحرك هجوم مضاد مدعوم من السعودية لاستعادة المضيق.

ويضاعف هذان التطوران معًا حجم التهديد الذي يمثّله كلّ منهما. فالخوثيون باتوا يسيطرون على جزء كبير من الضفة العربية لجنوب البحر الأحمر، ومنذ عام 2023 على الأقل يبنون شبكة من الوكلاء والموردين وطرق التهريب على الضفة الأفريقية لخليج عدن. وتنقل هذه الشبكة بالفعل الأسلحة والمقاتلين والخبرة التقنية بين اليمن والصومال. أما مرحلتها التالية فهي عملياتية، ويمتد نطاقها إلى ما هو أبعد من البحر الأحمر بكثير. فحركة الشباب، إذا تسلّحت وتدرّبت على يد الحوثيين، ومن خلالهم على يد إيران، تكتسب القدرة على تهديد القوات والمصالح الأميركية في شرق أفريقيا، بينما يكتسب الحوثيون وسيلة لمراقبة الملاحة من الساحل الصومالي وللضغط على موطئ القدم الإسرائيلي الوحيد الآخذ في التشكل على الضفة الأفريقية، في بربرة بأرض الصومال. فوكلاء إيران صار لهم اليوم وكلاؤهم، ويمكن للأسلحة المتطورة والخبرة التقنية أن تنساب من إيران عبر الحوثيين إلى شبكات جهادية تتجاوز سيطرة الحرس الثوري.

وهذا في نهاية المطاف تهديد أكبر بكثير من القرن الأفريقي. فالولايات المتحدة تواجه هذه الشبكة عبر قيادتين قتاليتين، وعقيدة لمكافحة الإرهاب البحري تلزم القوة الأميركية بحماية السفن الأميركية، ومجموعة من الشركاء الإقليميين المتنافسين على مصالحهم في الأرض المعنية. غير أن هذه التطورات الجديدة تشكّل مصفوفة تهديدات جديدة تتطلب تحولًا في الرؤية الاستراتيجية وفي تقدير التهديد على السواء.

اليمن بوصفه محطة ترحيل للجهاد

الشبكة الآخذة في التشكّل اليوم عبر خليج عدن هي أحدث صورة لنمط تكرر في تاريخ اليمن على مدى عقود. فالساحل الطويل، والحكومة المركزية الضعيفة، والموقع بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، جعلت اليمن مرارًا محطة ترحيل للحركات المسلحة، مكانًا تصل إليه الأفكار والأموال والأسلحة من الخارج، ويُدرَّب فيه المقاتلون ويُنظَّمون، وتُرسَل منه القدرات عبر البحر. وقد خلّفت كل مرحلة وراءها طرقًا وصلات شخصية وقنوات تعاون ورثتها المرحلة التالية.

بدأت المرحلة الأولى مع الحرب ضد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان. فبين عامي 1984 و1989، أرسل رجل الدين اليمني عبد المجيد الزنداني ما بين 5000 و7000 متطوع عربي، كثير منهم يمنيون، للتدريب في باكستان وأفغانستان. وحين انتهت الحرب، عاد كثيرون منهم إلى يمن موحّد حديثًا، حيث استخدمهم الرئيس علي عبد الله صالح وكلاء ضد الانفصاليين الجنوبيين في الحرب الأهلية عام 1994. وقد منح احتضان الدولة لقدامى الجهاد هؤلاء تنظيم القاعدة أول ساحة عمل له في المنطقة، بأهداف في البحر وعبر خليج عدن منذ البداية. ففي ديسمبر/كانون الأول 1992، انفجرت قنابل في فندقين في عدن كان الجنود الأميركيون يتوقفون فيهما في طريقهم إلى الصومال، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2000 ضرب قارب انتحاري تابع للقاعدة المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في ميناء عدن، فقتل 17 بحارًا أميركيًا.

أما المرحلة الثانية فجعلت اليمن مركزًا للجهاد بحد ذاته. ففي يناير/كانون الثاني 2009، اندمج الفرعان السعودي واليمني للقاعدة لتشكيل «القاعدة في جزيرة العرب» (AQAP)، التي حاولت في غضون عام تفجير طائرة ركاب فوق ديترويت. كما أصبحت «القاعدة في جزيرة العرب» شريكًا لحركة الشباب الصومالية عبر البحر. وفي أبريل/نيسان 2011، اعتقلت القوات الأميركية أحمد عبد القادر ورسمه، مبعوث حركة الشباب إلى «القاعدة في جزيرة العرب»، في خليج عدن أثناء عودته من اليمن، حيث تلقى تدريبًا على المتفجرات وتوسّط في صفقة تشتري بموجبها حركة الشباب أسلحة مباشرة من «القاعدة في جزيرة العرب».

وجاءت المرحلة الثالثة بإيران. فقد نشأت الحركة الحوثية من إحياء زيدي اتخذ زعيمه، حسين الحوثي، الثورة الإيرانية وحزب الله نموذجين له، ومنذ عام 1994 أرسلت الأسرة عشرات الطلاب سنويًا إلى الحوزات الدينية في مدينة قم الإيرانية، وتلقى بعضهم تدريبًا شبه عسكري على يد الحرس الثوري. وبحلول عام 2013، كانت الأسلحة الإيرانية تصل إلى اليمن بحرًا.

ويوضح هذا التاريخ أن شبكة الحوثيين وحركة الشباب تقوم على بنية تحتية راسخة، وأن العداء المذهبي بين الطوائف الإسلامية المختلفة لم يكن يومًا حاجزًا يُعتمد عليه في اليمن. فقد كانت عمليات تجاوز الخط الطائفي السابقة تكتيكية، كما حين وجّه صالح، وهو نفسه زيدي شيعي، الجهاديين السنّة ضد الجنوب، أو حين عقد الحوثيون هدنتهم مع «القاعدة في جزيرة العرب».

القاعدة في جزيرة العرب والمثلث عبر خليج عدن

تمر علاقة الحوثيين بحركة الشباب عبر «القاعدة في جزيرة العرب»، التي توصّل الحوثيون معها إلى تفاهم أولًا. والنتيجة منظومة ثلاثية الأضلاع يقوم فيها الحوثيون بالتوريد، وتتولى «القاعدة في جزيرة العرب» الوساطة والعمل في جنوب اليمن، وتشتري حركة الشباب على الضفة الأفريقية.

أفاد فريق الرصد التابع للأمم المتحدة الذي يتتبع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في فبراير/شباط 2026 بأن «القاعدة في جزيرة العرب» تحصل على أسلحة من الحوثيين، ضمن مصادر أخرى، ونقل عن إفادة إحدى الدول الأعضاء أن الحوثيين دفعوا لـ«القاعدة في جزيرة العرب» نحو 250 ألف ريال سعودي، أي حوالي 65 ألف دولار، مكافأة على هجوم في يونيو/حزيران 2025، وأن عناصر حوثية انضمت إلى «القاعدة في جزيرة العرب» في تخطيط عملياتي مشترك في أبين في أغسطس/آب من العام نفسه. وسجّل التقرير ذاته إفادة إحدى الدول الأعضاء عن اجتماعات عُقدت في الصومال في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بهدف تشكيل وحدة مشتركة من الحوثيين و«القاعدة في جزيرة العرب» وحركة الشباب. وقدّر التقرير أن تعاون الحوثيين المباشر مع حركة الشباب محدود وقائم على المعاملات، ويركز على التدريب والحصول على الأسلحة. وبقراءته إلى جانب ما توصل إليه فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن من أن الحوثيين يوفرون التدريب والرعاية الطبية لعناصر «القاعدة في جزيرة العرب» في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، تكتمل صورة مثلث تتركز أكثف صلاته بين الحوثيين و«القاعدة في جزيرة العرب»، ويجري الآن تنظيم امتداده الأفريقي.

شبكة الإمداد الحوثية في الصومال

حركة الشباب، التي تقاتل الحكومة الصومالية منذ نحو عقدين، هي أغنى فروع القاعدة، إذ تجمع ما لا يقل عن 100 مليون دولار سنويًا من الابتزاز والضرائب التي تفرضها على الأراضي التي تسيطر عليها في جنوب الصومال ووسطه، وتعمل على امتداد ساحل لا تسيطر عليه أي حكومة سيطرة فعلية. غير أنها لا تملك صناعة عسكرية خاصة بها. فقد تألفت ترسانتها إلى حد بعيد من الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة البدائية والطائرات المسيّرة التجارية التي تُشترى أو تُغتنم محليًا، ولم تكن تملك لا الأسلحة التي تتيح لها منازعة السيطرة الجوية ولا المعرفة التقنية اللازمة لبناء منظومات أكثر تطورًا وتعديلها وصيانتها.

ويملك الحوثيون القدرة التي تفتقر إليها حركة الشباب، إذ بنوا على مدى العقد الماضي، عبر سنوات من تدريب الحرس الثوري وحزب الله، صناعة أسلحة تجمّع الطائرات المسيّرة وتكيّف الصواريخ وتصنّع المتفجرات، وهم اليوم يبيعون المعرفة الكامنة وراءها. ومنذ تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية في مارس/آذار 2025، ومع خضوع موانئ إيران لحصار أميركي، صار الحوثيون بحاجة إلى عملة صعبة من خارج اليمن. ويقول قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الجماعات المدعومة من إيران باتت مضطرة إلى إعادة إرسال الأموال إلى الحرس الثوري. كما أنهم بحاجة إلى طرق تهريب تلتف على اعتراض سواحلهم، والصومال، الذي وجد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن أنه يعمل بصورة متزايدة مركز عبور للأسلحة المتجهة إلى الحوثيين، يوفّر الأمرين معًا.

وقد وثّق فريقا خبراء الأمم المتحدة كلاهما هذا التبادل. فقد أفاد فريق اليمن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بأن الحوثيين كانوا ينقلون أسلحة إلى حركة الشباب، وأن مهندسَين عسكريَّين حوثيَّين درّبا عناصرها على صناعة المتفجرات وتكييف الطائرات المسيّرة وصيانة الأسلحة، وأن الحوثيين كانوا يسيطرون على عمليات التهريب التي تربط حركة الشباب و«القاعدة في جزيرة العرب» والشبكات الإقليمية. وبعد شهر، أفاد فريق الصومال بأن أربع مجموعات قوام كل منها 30 مقاتلًا من حركة الشباب سافرت إلى اليمن للتدريب، إحداها لمدة شهرين قرب الحديدة، الميناء الرئيسي للحوثيين على البحر الأحمر ومعقلهم العسكري، حيث يجري تدريب من هذا النوع عبر منشآت الحوثيين وأجهزتهم الأمنية. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ما لا يقل عن 100 مقاتل من حركة الشباب قاموا بهذه الرحلة، وأن إحدى المجموعات أمضت ثلاثة أشهر هذا العام في تعلّم تجميع الطائرات المسيّرة.

وآثار هذا التعاون بادية بالفعل. فقد استخدمت حركة الشباب الطائرات المسيّرة التجارية للاستطلاع منذ سنوات، لكن قوات الأمن في بونتلاند اعترضت في عام 2024 خمس طائرات مسيّرة تجارية معدَّلة لحمل متفجرات، رجّح المسؤولون أن الحوثيين شحنوها عبر ميناء بوصاصو. وهذه القدرة تربط حركة الشباب بالحوثيين، لأن المكوّنات وقطع الغيار والمعرفة التقنية اللازمة لإبقاء الطائرات المسيّرة المسلحة في الجو تصل من اليمن. وهي القدرة نفسها التي تزيد من قيمة حركة الشباب لدى الحوثيين، لأن جماعة قادرة على الضرب بنفسها يمكنها أن تحمل أغراض الحوثيين إلى الضفة الأفريقية، من مراقبة الملاحة في خليج عدن إلى الحملة ضد أي وجود إسرائيلي في بربرة.

المراقبة والتجنيد والوجود الأميركي

يمنح الوصول إلى الساحل الأفريقي الحوثيين ثلاثة أصول استراتيجية إلى جانب العائد المالي: القدرة على مراقبة الملاحة من ضفّتي خليج عدن، وأرض تجنيد خارج اليمن، ووسيلة لتحدي الوجود الإسرائيلي الآخذ في التشكل في أرض الصومال. كما يوفّر الصومال للحركتين جائزة إضافية تتشاركانها مع الجيل المؤسس للقاعدة: احتمال طرد الولايات المتحدة من ركن آخر من أركان العالم الإسلامي. ففي إعلانه الحرب على الولايات المتحدة عام 1996، أشاد أسامة بن لادن باشتباك مقديشو عام 1993، الذي يُذكر في الغرب باسم «سقوط الصقر الأسود»، والذي بعده «غادرتم المنطقة حاملين معكم خيبة الأمل والمهانة والهزيمة وقتلاكم»، وتراجع المراقبة الأميركية فوق الصومال يتيح اليوم للحوثيين وحركة الشباب احتمال تكرار ذلك. وبربرة والوجود الأميركي في القرن الأفريقي هما الهدفان اللذان يتشاركهما الحوثيون وحركة الشباب لحسابهما الخاص.

ويسعى الحوثيون إلى مساعدة حركة الشباب في نشر تغطية رادارية لممرات الملاحة من الساحل الصومالي، بحسب إفادة استخباراتية اطّلعت عليها «وول ستريت جورنال»، وقال مات برايدن (Matt Bryden)، المنسق السابق لفريق الرصد الأممي المعني بالصومال، لصحيفة «فاينانشال تايمز» إن معدات من هذا النوع مُركَّبة بالفعل. كما يسعى الحوثيون إلى الحصول على إذن بالتجنيد في الصومال والقدرة على شن هجمات من الأراضي الصومالية. ومن شأن رادار على الساحل الصومالي أن يوسّع قدرة الحوثيين على تحديد الأهداف عبر كامل عرض خليج عدن.

وتحوّل بربرة هذه الشبكة إلى جبهة ضد إسرائيل. فقد اعترفت إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر/كانون الأول 2025، وردّ عبد الملك الحوثي بإعلان أي وجود إسرائيلي هناك هدفًا عسكريًا. وبحلول مارس/آذار، كانت إسرائيل تسعى إلى قاعدة عسكرية في بربرة. وأعلنت حركة الشباب، لأسبابها الخاصة، أنها ستعارض أي استخدام إسرائيلي لأرض الصومال. وهكذا تلتقي الحركتان عند الهدف نفسه. وفي يونيو/حزيران، عبر وفد حوثي من أربعة أعضاء خليج عدن إلى جِلِب، معقل حركة الشباب في جنوب الصومال، حيث تناولت المباحثات مواجهة النشاط الإسرائيلي في بربرة، بحسب «الجورنال».

والمعنى بالنسبة إلى إسرائيل واضح. فأي منشأة عسكرية إسرائيلية في بربرة ستقع في مرمى الصواريخ الحوثية من الشمال وشبكات حركة الشباب من الجنوب والشرق، والحوثيون يبنون قدرات المراقبة والاتصال اللازمة لربط الاثنين.

ظروف مواتية على الضفة العربية

وبينما يبنون على الضفة الأفريقية، يستثمر الحوثيون تفوقهم ضد السعودية على الضفة العربية. فمنذ يوليو/تموز، يفرض الحوثيون حصارًا على ناقلات النفط السعودية في باب المندب، يقدمونه على أنه رد على الحصار السعودي لليمن الخاضع لسيطرتهم. وفي 10 سبتمبر/أيلول، ضربت طائرات مسيّرة قالت وزارة الخارجية السعودية إنها جاءت من العراق خط الأنابيب شرق-غرب الذي ينقل الخام السعودي إلى البحر الأحمر، فأغلقت الرياض الخط بعدها. وفي 19 سبتمبر/أيلول أطلق الحوثيون صاروخًا باليستيًا على الرياض، وطلبت السعودية، التي نفدت لديها الصواريخ الاعتراضية تقريبًا، دعمًا دفاعيًا جويًا من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر.

وقد أتاحت خيارات واشنطن للحوثيين هامش مناورة. فقد طلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من الرئيس دونالد ترامب دعمًا عسكريًا. فعرضت واشنطن مساعدة استخباراتية ومساعدة في تحديد الأهداف، وقال مسؤولون أميركيون إنهم سيمتنعون عن العمل العسكري شريطة ألا يعطّل الحوثيون حركة الملاحة غير السعودية في البحر الأحمر. ولم تُنفَّذ خيارات الضرب التي أعدّتها القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM). وفي مسقط في منتصف سبتمبر/أيلول، أبلغ ممثلون حوثيون مسؤولين أميركيين أنهم لن يهاجموا سفنًا أميركية أو إسرائيلية أو سفنًا تجارية أخرى، باستثناء السعودية منها. وتربط الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب الصادرة في مايو/أيار 2026 احتمال العمل العسكري الأميركي الحاسم في اليمن تحديدًا بتعرض السفن الأميركية للخطر.

وتواصل واشنطن تزويد الرياض بالدعم الاستخباراتي ودعم تحديد الأهداف، غير أن الأثر التراكمي لخياراتها متساهل. فالشرط الذي ربطت به واشنطن ضبط النفس يتطابق مع الشروط التي عرضها الحوثيون في مسقط، وهو ما يخرج الملاحة السعودية من نطاق حماية القوة الأميركية. وبوسع الحوثيين التصعيد ضد السعودية، والدفاع عن مكاسبهم على الساحل اليمني، وتطوير شبكتهم الصومالية بمخاطر ضئيلة من رد أميركي، وكل شهر يبقى فيه الوضع على حاله يمنح الجانب الأفريقي من الشبكة وقتًا لينضج.

من شبكة إقليمية إلى جهاد دولي

فقدت الجهادية الدولية كثيرًا من مداها بعد سقوط خلافة تنظيم الدولة الإسلامية، ويعود ذلك جزئيًا إلى انقطاع الحركات الجهادية السنّية عن الملاذات والأموال والأسلحة المتطورة. والشبكة الحوثية توفر اليوم هذه العناصر الثلاثة لأقدر فرعين من فروع القاعدة، وإيران من ورائها. وقد اتخذ احتضان طهران للقاعدة حتى الآن صورة الإيواء، وقدّرت وزارة الخارجية الأميركية أن الزعيم الفعلي للقاعدة، سيف العدل، يقيم في إيران. ومن خلال الحوثيين، تحوّل هذا الاحتضان إلى إمداد. فالقدرات التي تعبر خليج عدن، من تجميع الطائرات المسيّرة وتصنيع المتفجرات إلى الدفاع الجوي الذي طلبته حركة الشباب، ظلت حتى الآن حكرًا على الدول وعلى وكلاء إيران أنفسهم.

وقد سعى المتلقيان كلاهما منذ وقت طويل إلى الضرب خارج منطقتهما. فالقاعدة في جزيرة العرب، التي حاولت إسقاط طائرة ركاب فوق ديترويت عام 2009، تبنّت مجزرة «شارلي إيبدو» في باريس عام 2015، وفي عام 2024 أُدين عنصر كيني في نيويورك بالتخطيط لهجوم اختطاف على مدينة أميركية لصالح حركة الشباب بعد تدريبه طيارًا في الفلبين. والتكنولوجيا الحوثية مقرونة بهذه النية تحوّل شبكة تمرد إقليمية إلى تهديد للطيران الغربي وللأراضي الأميركية. كما أن المقاتلين المدرَّبين في صعدة والحديدة سيعودون إلى ديارهم حاملين مهاراتهم إلى الصومال وكينيا والشتات الصومالي.

وينضج هذا التهديد في وقت تتقلص فيه قدرة الولايات المتحدة على مكافحة الإرهاب في المنطقة. فالتحالف بقيادة أميركية غادر العراق في نهاية سبتمبر/أيلول، والقيادة المركزية منهمكة في حصار إيران، وخسائر الطائرات المسيّرة تقلّص المراقبة فوق الصومال. وقد أظهر اليمن من قبل ما يترتب على مثل هذه الثغرات. فحين انهارت الدولة اليمنية عام 2015، استولت القاعدة في جزيرة العرب على المكلا وحكمتها أكثر من عام.

الثغرة في الاستراتيجية الأميركية

تمتلك الولايات المتحدة بالفعل معظم الأدوات اللازمة لمنازعة هذه الشبكة، لكنها تفتقر إلى صورة عملياتية موحّدة وإلى السياسة الكفيلة بتوظيفها. فهذه الشبكة تمتد عبر الحدّ الفاصل بين قيادتين مقاتلتين: القيادة الأمريكية في أفريقيا (AFRICOM) المسؤولة عن العمليات في القارة ترى الجانب الصومالي، فيما تتحمل القيادة المركزية (CENTCOM)، المنشغلة بفرض الحصار البحري على إيران، مسؤولية اليمن.

الشركاء الذين تحتاج إليهم واشنطن منقسمون بشدة حول مصالحهم في المنطقة. فقد دفع الضغط السعودي الانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات في اليمن إلى حلّ أنفسهم، وأجبر آخر القوات الإماراتية على الانسحاب. واتهمت الرياض أبوظبي باستخدام أرض الصومال لنقل زعيم انفصالي خارج اليمن. وبدأت الحكومتان رأب الصدع في أواخر سبتمبر/أيلول، عندما التقى الشيخ منصور بن زايد آل نهيان ولي العهد محمد بن سلمان في الرياض في أول اجتماع رفيع المستوى بينهما منذ اندلاع الخلاف، لكن الرأب لا يزال منقوصًا. وتدير الإمارات ميناء بربرة وتحتفظ بقاعدة عسكرية موسّعة قريبة منه. وتتخذ السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل مواقف مختلفة، كل على حدة، من بربرة، المكان الوحيد الذي تلتقي فيه أهداف الحوثيين وحركة الشباب.

وعليه، تمتد المشكلة على مستوى السياسة إلى ما هو أبعد بكثير من حماية السفن التجارية. ولا يزال التفكير الاستراتيجي الأمريكي منظّمًا حول حدود يبيّن تاريخ اليمن أنها مسامية: أعداء طائفيون يُنتظر أن يكبح بعضهم بعضًا، وإيران تُحمَّل مسؤولية وكلائها، ومنطقة تتوافق مسارحها مع خريطة القيادات المقاتلة.

المهمة، إذن، هي منع ترسّخ شبكة تمتد عبر خليج عدن، يوفّر فيها الحوثيون التكنولوجيا والتدريب المستمدَّين من إيران، ويزوّد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب النسيج الرابط في جنوب اليمن، وتقدم حركة الشباب الأرض والقوة البشرية وإمكان الوصول إلى الساحل الأفريقي. ومع نضوج هذه الشبكة، ينتقل التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة من هجمات متقطعة على الملاحة إلى بنية تحتية تمردية دائمة على ضفتَي أحد أهم المضايق البحرية في العالم، تكون القدرة الإيرانية في صميمها وتقع المصالح الأمريكية والسعودية والإسرائيلية ضمن نطاقها.

توصيات

أولًا، ينبغي للولايات المتحدة أن تتعامل مع المرور عبر باب المندب وهرمز بوصفه مبدأً واحدًا، وأن ترفض التفاوض عليه عَلَمًا بعَلَم. فالاستثناء الأمريكي الذي جرى الحصول عليه في عُمان لا يفعل سوى تأكيد ادعاء الحوثيين أنهم يديرون الوصول إلى البحر الأحمر.

ثانيًا، ينبغي لواشنطن أن تؤمّن الوصول إلى بربرة مع إرجاء الاعتراف بأرض الصومال. فمعسكر ليمونييه يبعد نحو 80 ميلًا عن ميون، في جيبوتي التي تتجنب مواجهة الحوثيين وتستضيف قاعدة صينية، كما أن الرقابة الأمريكية فوق الصومال تضعف مع تزايد خسائر الطائرات المسيّرة. وتوفّر بربرة ميناءً عميق المياه وواحدًا من أطول مدارج الطيران في أفريقيا، عرضته هرجيسا على الولايات المتحدة، إلى جانب منشأة إماراتية يُقال إنها بُنيت للاستخدام الأمريكي والإسرائيلي. ولن يضيف الاعتراف إلى هذا الوصول إلا القليل، وسيضيف الكثير إلى الضغط على العلاقة مع الرياض والقاهرة في اللحظة التي تكون فيها شراكتهما أشد أهمية. وتخدم علاقة على النمط التايواني الأهداف الأمريكية على نحو أفضل: وصول عند الطوارئ، وحضور أمريكي مُعزَّز في هرجيسا، ودعم لخفر سواحل أرض الصومال، مع إبقاء الاعتراف خيارًا احتياطيًا.

ثالثًا، ينبغي للولايات المتحدة أن تنظّم التعاون في البحر الأحمر بحيث لا يتوقف على حال العلاقات بين الرياض وأبوظبي. ففي غضون عام واحد انتقل الطرفان من مواجهة مفتوحة في اليمن إلى محادثات مصالحة حذرة. وينبغي لواشنطن أن تعمل عبر قنوات ثنائية منفصلة: مع السعودية على الساحل اليمني حيث يجري هجومها المضاد، ومع الإمارات على الساحل الأفريقي حيث يمنحها موقعها في بربرة أقرب رؤية للشبكة. وعلى إسرائيل أن توسّع الدعم الاستخباراتي الذي تقدمه بالفعل للرياض عبر القيادة المركزية (CENTCOM). وستنقل القنوات الأمريكية بيانات الإنذار وتحديد الأهداف بين الأطراف الثلاثة جميعًا، بما يضمن استمرار التعاون في حال تجدّد الخلاف، وألا تضطر أي حكومة إلى تبنّي سياسة حكومة أخرى بشأن أرض الصومال. كما ينبغي لواشنطن أن تستخدم تلك القنوات لإبقاء الوكلاء السعوديين والإماراتيين بعيدين عن مناطق نفوذ بعضهم بعضًا، إذ إن التنافس بين وكلائهما اليمنيين فتّت التحالف المناهض للحوثيين قبل هجوم سبتمبر/أيلول.

رابعًا، ينبغي لواشنطن أن توجّه إجراءات وزارة الخزانة وجهود جمع المعلومات الاستخباراتية نحو مثلث الحوثيين، القاعدة في جزيرة العرب، حركة الشباب بوصفه منظومة واحدة. فالمنظمات مُدرجة بالفعل على قوائم التصنيف، ومن ثم تكمن أدوات الضغط حيث تدخل أموال الشبكة إلى النظام المالي الرسمي: الشركات الواجهة ومحال الصرافة وشركات تحويل الأموال في الخليج التي تسوّي مدفوعاتها، والشركات التي تزوّد مهرّبيها بالوقود والمحركات والقوارب، وجميعها يعتمد على الوصول إلى الدولار. وينبغي أن يتتبع جمع المعلومات الاستخباراتية المثلث برمته، مستفيدًا من الرقابة التي تتيحها بربرة، قبل أن تتحول الوحدة المشتركة التي يُقال إن فريق الرصد التابع للأمم المتحدة يخطط لها إلى قيادة على الساحل الأفريقي.

خامسًا، ينبغي للولايات المتحدة أن تحمي تغطيتها لمكافحة الإرهاب في اليمن والصومال من متطلبات المسارح الأخرى، وأن تستعد من الآن للمقاتلين الذين تدرّبهم الشبكة. وينبغي تحصين الرقابة وجمع المعلومات فوق البلدين ضد إعادة التخصيص، لأن الشبكات الإرهابية تنمو بأسرع وتيرة عندما يفتر الانتباه الأمريكي، كما أظهر عام تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في المكلا. وعلى واشنطن أيضًا أن تبني مع كينيا وإثيوبيا والحكومات الأوروبية ترتيبات للفرز وتبادل المعلومات بشأن الأفراد الذين تدربوا مع الحوثيين، بحيث تُتابَع عودتهم إلى الصومال وشرق أفريقيا والمهجر قبل أن تفضي إلى مؤامرة من النوع الذي سبق أن حاولته حركة الشباب ضد الولايات المتحدة.

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)