حجر الزاوية الهشّ: سوء الإدارة المصرية يهدّد أمن إسرائيل والشرق الأوسط بعد الانتخابات
جذر هشاشة القاهرة اقتصادي في جوهره.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت معاهدة السلام الموقَّعة عام 1979 بين مصر وإسرائيل الركيزة التي لا غنى عنها لاستقرار الشرق الأوسط. ففي واشنطن والقدس والعواصم الغربية على حد سواء، تُصوَّر القاهرة بصورة روتينية على أنها مرساة إقليمية لا تتزعزع. ويقدّم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظامه الاستبدادي بوصفه ضامنًا أمنيًا لا بديل عنه، يَحُدّ من التطرّف في شبه جزيرة سيناء، ويدير الاحتكاكات على الأطراف، ويحافظ على سلام بارد لكنه قائم وفاعل. غير أنّ خلف هذه الواجهة الدبلوماسية الرسمية واقعًا أشد هشاشة بكثير.
ليست مصر اليوم ركيزة قوة إقليمية، بل إنها حجر زاوية هشّ. فسنوات من الهيمنة العسكرية-الاقتصادية، وأعباء ديون سيادية غير قابلة للاستدامة، وقمع داخلي شامل، تركت القاهرة أكثر عرضةً للهشاشة بكثير مما ترغب قيادتها في الإقرار به.
ومع خضوع الشرق الأوسط لإعادة اصطفاف استراتيجية عميقة، فإن فكرة التعويل على الإطار الاستبدادي للسيسي بوصفه ضمانة دائمة للأمن الجنوبي تنطوي على مخاطر جسيمة على المدى البعيد. ولم يعد بوسع صانعي القرار في القدس وواشنطن أن يخلطوا بين صلابة النظام واستقرار الدولة الحقيقي. فبوسع ديكتاتورية أن تُمسك بقبضة أمنية داخلية صارمة، فيما تتدهور تدريجيًا القاعدة الاجتماعية والمالية والمؤسسية التي تستند إليها.
يكمن جذر هشاشة القاهرة، في الأساس، في الاقتصاد. ففي عهد السيسي، وسّعت القوات المسلحة المصرية قبضتها بصورة منهجية على قطاعات رئيسية، إذ تعمل نحو 80 شركة مملوكة للجيش في التصنيع والزراعة والبنية التحتية والخدمات. وتتمتع هذه الكيانات المعتمة بإعفاءات ضريبية، وإتاحة تفضيلية للأراضي، ومزايا تنظيمية، بما يخلق بيئة غير متكافئة تخنق القطاع الخاص وتزرع الشكوك لدى المستثمرين.
وبدلًا من تنفيذ إصلاحات سوقية هيكلية حيوية، ضخّ النظام عشرات المليارات من الدولارات في مشروعات عملاقة كثيفة رأس المال. وأبرزها العاصمة الإدارية الجديدة التي ترتفع شرق القاهرة، والتي يُتوقَّع أن تبلغ كلفتها نحو 58 مليار دولار، في وقت راكمت فيه مصر في آن واحد التزامات ثقيلة من الاقتراض السيادي وإعادة التمويل. وقد كبّل عبء الدين الناجم عن ذلك المالية العامة على نحو شديد.
ولمواجهة ضغوط التمويل الحادة وضغوط النقد الأجنبي، اعتمدت القاهرة على ضخّ رؤوس أموال أجنبية وقروض دولية. وتشير المراجعات الأخيرة لصندوق النقد الدولي إلى أن مصر حققت استقرارًا ذا مغزى على مستوى الاقتصاد الكلي بعد تعديلات سعر الصرف، وأعادت بناء احتياطيات النقد الأجنبي، وخفّضت احتياجات التمويل الإجمالية.
وقدّمت الإمارات العربية المتحدة حزمة بقيمة 35 مليار دولار لمشروع رأس الحكمة، وهو إقليم ساحلي كبير ومشروع مدينة ذكية على ساحل مصر على البحر الأبيض المتوسط في الصحراء الغربية، تشمل 24 مليار دولار من الأموال الجديدة وتحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية القائمة لدى البنك المركزي المصري إلى استثمار. غير أن هذه الصفقة المفصلية تبرز كذلك تحوّلًا جوهريًا في طبيعة الدعم الإقليمي، إذ بات الدعم الخليجي ينتقل على نحو متزايد من الودائع التقليدية والدعم المالي المباشر إلى استثمارات ذات هيكلة تجارية وصفقات أصول. ومع أن هذه التدخلات الخارجية حالت دون وقوع أزمة فورية، فإنها تعالج الأعراض لا أصل الداء.
ويقدّم قطاع الطاقة المصري أوضح دليل تجريبي على اعتماد القاهرة الهادئ على شركاء خارجيين. فمع تراجع إنتاج الحقول المحلية، باتت القاهرة أكثر اعتمادًا على واردات الغاز الطبيعي الإسرائيلي عبر الأنابيب لتلبية الطلب المحلي على الطاقة، وعند توافره، لتغذية البنية التحتية لتصدير الغاز الطبيعي المسال في إدكو ودمياط. وحين تسببت الأعمال العدائية الإقليمية في اضطرابات مؤقتة في إمدادات الأنابيب الإسرائيلية، جاءت العواقب فورية. فقد أرغم الإغلاق مصر على السعي المحموم إلى شحنات غاز طبيعي مسال مرتفعة الكلفة من السوق الفورية، فيما واجهت مصانع الأسمدة والمنشآت الصناعية المحلية توقفات تشغيل مفاجئة.
وأظهرت تلك الواقعة أن شبكة الطاقة المحلية في مصر وإنتاجها الصناعي مكشوفان بدرجة كبيرة أمام أي اضطراب في إمدادات الغاز الإسرائيلي. وينعكس هذا الضعف مباشرة على موقف القاهرة على طول حدود سيناء وعلى محور فيلادلفيا الاستراتيجي. ويسير السيسي على حبل مشدود دائم، فيطلق خطابًا علنيًا حادًا ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية على طول حدود غزة تحت وطأة ضغط سياسي داخلي، بينما يظل معتمدًا بعمق على نقل الطاقة من إسرائيل وعلى تعاون أمني نادرًا ما يحظى باهتمام علني.
الدفاع والأمن والمساعدات الخارجية
ويخلق هذا الواقع المزدوج معضلة بنيوية عميقة لمؤسسة الدفاع الإسرائيلية. فعلى المدى القصير، يظل التنسيق الأمني التكتيكي مع القاهرة أمرًا لا غنى عنه. وتؤدي الاستخبارات المصرية دورًا حيويًا في التوسط لاحتواء الاحتكاكات الحدودية، ورصد أمن سيناء، وإدارة اللوجستيات. وعلى مدى سنوات من عمليات مكافحة الإرهاب في سيناء، اعتمدت القاهرة على تبادل استخباراتي وثيق وعلى عمليات نشر عسكرية منسّقة تتجاوز الحدود الأصلية للمعاهدة، لمنع شبه الجزيرة من أن تتحول إلى ملاذ جهادي دائم. وإضافة إلى ذلك، يمنح دور القاهرة في ترتيبات رفح نفوذًا دبلوماسيًا ذا شأن على الوصول إلى غزة، واللوجستيات الإنسانية، والجهود الرامية إلى منع النزوح الجماعي إلى سيناء.
غير أن إعطاء الأولوية للاحتواء الفوري على الأطراف يخلق نقطة عمياء خطرة على المدى البعيد. فقد نظرت المؤسسة الأمنية في القدس عمومًا إلى استمرارية الوضع في القاهرة على أنها أَولى من حالة عدم اليقين التي قد ترافق مصر مزعزعة الاستقرار. ومع ذلك، فإن التعويل على نظام يعتمد على معالجات مصطنعة للعملة، وعمليات إنقاذ أجنبية، وقمع داخلي لمنع اضطرابات شعبية، ينطوي في ذاته على مخاطر جسيمة.
ولا يكمن الخطر في أن مصر تقترب بالضرورة من انهيار وشيك للدولة، بل في أن نظامًا شديد المتانة سياسيًا قد يواجه أزمة اقتصادية من الحدة بما يكفي لإضعاف المؤسسات المسؤولة عن تأمين سيناء وحدود غزة. وبالنسبة لإسرائيل، فإن جهازًا أمنيًا مصريًا أضعفته الأزمة الاقتصادية إلى حد العجز عن إنفاذ ترتيبات الحدود يمثل خطرًا أكبر بكثير من شريك استبدادي. وعلى القدس أن تحافظ اليوم على تنسيقها العملياتي مع القاهرة، مع العمل في الوقت نفسه على التحوّط بصورة نشطة من مخاطر الأمن القومي البعيدة المدى الناجمة عن دولة مصرية غير مستقرة.
ويمتد هذا التقدير الاستراتيجي مباشرة إلى واشنطن، حيث تدفع دورة الانتخابات الفيدرالية المقبلة، في الكونغرس والسلطة التنفيذية على السواء، نحو إعادة فحص شاملة للسياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود، قدّمت واشنطن نحو 1.3 مليار دولار سنويًا للقاهرة في إطار التمويل العسكري الخارجي (FMF)، متعاملةً مع المساعدات العسكرية بوصفها خطًا أساسيًا لا يُمسّ، مطلوبًا للحفاظ على إطار كامب ديفيد. وبموجب قانون الاعتمادات للسنة المالية 2026، ارتفع هذا الخط الأساسي إلى 1.375 مليار دولار. غير أن الافتراض القائل إن تمويل نظام السيسي يحقق استقرارًا إقليميًا حقيقيًا بات يواجه تدقيقًا غير مسبوق.
وقد أظهرت واشنطن بالفعل التناقض الكامن في صميم سياستها تجاه مصر، إذ يمكنها أن تربط المساعدات باستبداد السيسي، لكنها حين يكون الأمن الإقليمي على المحك قد تقرر أن القاهرة بالغة الأهمية استراتيجيًا بحيث لا يمكن معاقبتها. ففي Oct. 1، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية إعفاءً رسميًا يتجاوز الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان المرتبطة بـ320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر، مستندة إلى مصالح الأمن القومي الأمريكي الحيوية وإلى دعم القاهرة خلال الحملة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. ويؤكد هذا الإعفاء المعضلة المركزية لواشنطن، إذ يقر المسؤولون الأمريكيون بطبيعة حكم السيسي الاستبدادية، لكنهم يخلصون مرارًا إلى أن مصر بالغة الأهمية استراتيجيًا بحيث لا يمكن عزلها.
ومع ذلك، يتساءل منتقدون من مختلف أطياف الطيف السياسي عما إذا كانت مشتريات التمويل العسكري الخارجي تحقق مردودًا أمنيًا حقيقيًا. فالمساعدات العسكرية الأمريكية تموّل عتادًا تقليديًا ثقيلًا، وطائرات مقاتلة متقدمة، وفرقاطات بحرية من مقاولين دفاعيين أمريكيين، وهي قدرات موجهة بقوة إلى الحرب التقليدية أكثر من توجيهها إلى مهام أمن الحدود غير المتكافئة ومكافحة التهريب ومكافحة الإرهاب، التي باتت على نحو متزايد تشكّل جوهر التحدي الأمني العملي.
وبالنسبة إلى واشنطن، ينبغي ألا يكون الهدف التخلي عن القاهرة، بل توظيف النفوذ الأمريكي لتعزيز المؤسسات المصرية التي سيهدد فشلها مباشرة أمن إسرائيل الجنوبي، قوات الحدود، وقدرات مكافحة الإرهاب، والحوكمة المالية، والمرونة الاقتصادية.
وقد أطلقت الهشاشة البنيوية في القاهرة عمليات إعادة معايرة أوسع عبر مشهد الشرق الأوسط. فهناك عواصم رئيسية، من بينها الرياض وأبوظبي وعمّان، تعيد تقييم درجة انكشافها على عدم الاستقرار الإقليمي وموثوقية شراكاتها الأمنية. وقد أوضحت قوى خليجية أن انخراطها المالي مع مصر قد تغير على نحو جذري. فقد أرست أبوظبي نهجًا تجاريًا قائمًا على الاستثمار، مستبدلةً الودائع النقدية المفتوحة بعمليات استحواذ بارزة على أصول، مثل صفقة رأس الحكمة.
وفي غضون ذلك، باتت الرياض تميل على نحو متزايد إلى الاستثمار عبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي وقنوات تجارية أخرى، بما يعكس تفضيلًا خليجيًا أوسع للأصول والعائد الاقتصادي على الدعم المالي المفتوح.
وفي الوقت نفسه، تتابع دول مجاورة مثل الأردن مسار القاهرة بقلق شديد. وتدرك عمّان أن مصر المُثقلة اقتصاديًا أو الهشة مؤسسيًا لا تستطيع أن تقوم بفاعلية بدور ركيزة عربية أساسية أو ثقل موازن موثوق في مواجهة عوامل زعزعة الاستقرار الإقليمية.
ومع تقييم القادة الإقليميين لمستقبل بُنى الأمن في الشرق الأوسط، بما في ذلك التوسعات المحتملة لاتفاقيات أبراهام، تقف القاهرة تذكيرًا صارخًا بأن المعاهدات الدبلوماسية الرسمية لا تبقى فاعلة من دون قابلية الدولة للحياة داخليًا. وإذا ظلت مصر غارقة في التزامات الدين والتضخم والتآكل الاقتصادي الداخلي، فستكافح لأداء دور بنّاء في مسار التكامل الإقليمي الأوسع، وقد تتحول بدلًا من ذلك إلى استنزاف دائم لرأس المال الإقليمي والوقت الدبلوماسي.
إن البيئة الإقليمية الراهنة تتطلب وضوحًا استراتيجيًا لا اطمئنانًا قائمًا على افتراضات مريحة. فمصر لا تحتاج إلى أن تنهار كي يتحول ضعفها إلى مشكلة أمنية. فقد أرسى نظام السيسي توازنًا سياسيًا واقتصاديًا غير قابل للاستدامة يهدد الاستقرار الإقليمي نفسه الذي يدّعي توفيره.
ولذلك ليست لإسرائيل مصلحة في إضعاف مصر لمجرد إضعاف السيسي. بل إن مصلحتها هي النقيض، الحفاظ على التعاون الحيوي مع القاهرة، مع الاستعداد لاحتمال أن متانة النظام الظاهرة تخفي دولة تزداد قابلية تعرضها للصدمات الاقتصادية والمؤسسية. فلن يأتي الأمن الحقيقي على طول حدود إسرائيل الجنوبية من المبالغة في تقدير قوة استبداد هش، بل من الاستعداد للوقائع المعقدة لشرق أوسط متغير.
نُشر أصلًا في 21 أكتوبر/تشرين الأول تحت عنوان "حجر الزاوية الهشّ: سوء إدارة الرئيس المصري السيسي، وأمن إسرائيل، والشرق الأوسط بعد الانتخابات".
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)