«الهدف طهران»: كيف تستخدم إسرائيل التخريب والحرب السيبرانية والاغتيال والدبلوماسية السرية لمنع إيران النووية وصناعة شرق أوسط جديد

حروب إسرائيل السرية وهجماتها الدبلوماسية
في كتاب جديد، يقدّم مراسلان مقيمان في إسرائيل صورة للمزج بين العمل السري والدبلوماسية الجريئة الذي ميّز الاستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. وقد ألقت أحداث السابع من أكتوبر ضوءًا جديدًا، أقل إطراءً، على منظومات الدفاع الإسرائيلية. غير أن كتاب «الهدف طهران» يقدّم سردًا محكمًا وشاملًا لفصل مهم من كفاح إسرائيل الطويل من أجل الأمن والاعتراف في الشرق الأوسط.
يسعى هذا الكتاب، الذي ألّفه مراسلان مخضرمان مقيمان في إسرائيل، إلى تقديم أول سرد شامل للحرب السرية التي تخوضها إسرائيل ضد النظام الإسلاموي في طهران، وللهجوم الدبلوماسي الذي رافق هذا الجهد. ويرى المؤلفان أن هاتين الحملتين ينبغي النظر إليهما بوصفهما جزءًا من مسعى واحد، إذ ساعدت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها بوصفها العدو الأكثر تصميمًا وفاعلية للطموحات الإيرانية في المجال النووي وما بعده على تحقيق مكاسب دبلوماسية، أبرزها اتفاقيات أبراهام الموقّعة مع عدد من الدول العربية، وكذلك في علاقات أخرى لم تُضفَ عليها الصفة الرسمية بعد.
والمؤلفان في موقع يؤهلهما لرواية هذه القصة. فقد برز يونا جيرمي بوب (Yonah Jeremy Bob) في الفترة الأخيرة بوصفه أحد أكثر المعلّقين فطنة في شؤون الاستخبارات الإسرائيلية بالإنجليزية والعبرية. وهو يحافظ على صلات بشبكة واسعة من المسؤولين الإسرائيليين، العاملين والمتقاعدين، في هذا المجال. أما إيلان إيفياتار (Ilan Evyatar) فصحفي إسرائيلي مخضرم يكتب في وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية، ولديه مقاربة غنية ومتعددة الطبقات وغير مثالية للمجتمع الإسرائيلي ولمؤسساته الدفاعية.
يبدأ «الهدف طهران» باكتشاف البرنامج النووي السري الذي يديره النظام الإسلاموي في طهران، وبأولى المساعي الإسرائيلية لإبطائه وإحباطه عبر أساليب العمل السري المباشر. ويتضمن الكتاب صورًا حيّة لشخصيات كثيرة ممن شاركوا في ذلك، إلى جانب تقييمات ثاقبة لدوافعهم. وفي هذا السياق، يُعرَّف رئيس الموساد والجنرال السابق مئير داغان بوصفه الشخص الذي أطلق حملة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي ضد المشروع النووي الإيراني، بتوجيه من رئيس الوزراء آنذاك أرييل شارون، بعد فترة وجيزة من انكشاف المشروع.
وقد استمرت الحملة في عهود رؤساء الوزراء إيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو، وفي الولايتين القصيرتين لنفتالي بينيت ويائير لابيد. ويتضمن الكتاب أوصافًا تفصيلية مُعدّة بعناية لبعض أشهر عمليات هذه الحملة، كاشفًا تفاصيل لم تكن معروفة من قبل. ويبرز وصفان على وجه الخصوص، خصّص لهما المؤلفان مساحة واسعة: سرقة الموساد عام 2018 لوثائق من الأرشيف النووي للنظام في طهران، واغتيال محسن فخري زاده عام 2020 على الطريق إلى أبسرد في إيران.
وأوصاف هذين الحدثين حافلة بتفاصيل لافتة، ومضبوطة الإيقاع لغايات الأثر الدرامي. لكن غاية المؤلفين ليست مجرد تقديم سرد مشوّق. بل إن هذه الأحداث، ولا سيما سرقة وثائق الأرشيف، تُستخدم لعرض الأطروحة الجوهرية للكتاب، وهي: الكيفية التي خدمت بها الحملة السرية الإسرائيلية الدبلوماسية الإسرائيلية في العالم العربي ووُظّفت لدفعها قدمًا. ويلاحظ المؤلفان وجود خلافات بين رؤساء الموساد السابقين حول نجاعة هذه العملية، وحول المزيج الدقيق بين العمل السري والدبلوماسية الذي ينبغي لإسرائيل أن تعتمده، ومدى كون الحملة السرية قد شكّلت بالفعل أداة مفيدة أو كافية لمنع تقدّم البرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا الصدد، يحدّد الكتاب، على نحو لافت، رئيس الموساد السابق تامير باردو بوصفه ممثلًا لمدرسة رأي تحذّر مما تعتبره اعتمادًا مفرطًا على العمل السري المباشر ضد القدرات الإيرانية، مع التخلي عن الجهود الدبلوماسية أو معارضتها.
وفي مواجهة هذه المدرسة، وبما يجسّد نهجًا يرى أن الدبلوماسية الرسمية مع النظام الإيراني محدودة الجدوى إلى حد بعيد، لكنّ العمل السري ضده قد يفضي إلى نتائج دبلوماسية في أماكن أخرى، يبرز رئيس الموساد السابق يوسي كوهين. وكوهين شخصية محورية في هذا السرد. فبشراكة وثيقة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أشرف على كثير من أجرأ العمليات الموصوفة هنا، كما كان له دور محوري في الاختراق الدبلوماسي مع العالم العربي الذي تجسّد رسميًا في اتفاقيات أبراهام لعام 2020.
والأطروحة المركزية للمؤلفين هي، كما يكتبان:
«الشرق الأوسط اليوم مختلف تمامًا عما كان عليه حين بدأت حرب الموساد ضد إيران قبل نحو ثلاثة عقود... [و]اتفاقيات أبراهام هي أكبر هذه الاختلافات... وهذا شهادة على خوف دول الخليج من طهران... ولكن أيضًا على براعة إسرائيل في تقديم مصالحها في آنٍ واحد على جبهتين منفصلتين لكن مترابطتين: صياغة سلام تاريخي مع أعداء سابقين، وخوض حرب ظلّ مريرة وشرسة ومحفوفة بالمخاطر ضد إيران».
فهل ينجح المؤلفان في المهمة التي اختاراها، أي سرد مآثر الموساد «بكل تفاصيلها الآسرة» مع التثبّت مما إذا كانت نتيجة هذه الأعمال ترقى إلى «انتصار استراتيجي»؟ إلى حد كبير، نعم. فقارئ «الهدف طهران» سيخرج بمعرفة أوسع باللاعبين والدوافع وبكثير من تفاصيل الحرب السرية التي تخوضها إسرائيل ضد إيران وثمارها الدبلوماسية.
ولدى قراءة الكتاب من موقع إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر 2023، يستحيل ألا يلاحظ المرء أن الإنجازات التي يرويها الكتاب يخيّم عليها الآن ظل تاريخي كبير، وهو أنه فيما كان صانعو القرار الإسرائيليون وعناصر الاستخبارات منشغلين بالأعمال التكتيكية الحيوية في الحرب السرية ضد إيران، وبالقفزة الدبلوماسية الكبرى المتمثلة في اتفاقيات أبراهام، كانوا في الوقت نفسه يخفقون في ملاحظة التخطيط والتراكم البطيء للهجوم الاستراتيجي من غزة في السابع من أكتوبر، وهو الهجوم الذي باغت حرّاس إسرائيل وقادتها مباغتة تامة. بيد أن هذا ينتمي إلى سرد تاريخي لم يُكتب بعد. وقد يغيّر تغييرًا كبيرًا نظرة التاريخ إلى بعض اللاعبين الذين صوّرهم «الهدف طهران». غير أنه لا ينتقص بأي حال من إنجاز المؤلفين، اللذين قدّما سردًا سلس القراءة، آسرًا أحيانًا وجاذبًا دائمًا، لفصل حيوي من تاريخ الاستراتيجية والدبلوماسية والحرب السرية الإسرائيلية.
