الحكم الذاتي الكردي يتراجع في سوريا واضطرابات عربية تتحدى سيطرة دمشق
رغم حلّ الإدارة الكردية على الورق، ظلت كثير من مؤسساتها تعمل فعلياً على الأرض.

شهد سوريون عرب سنّة مظاهرات حاشدة عقب صلاة الجمعة في مدينة الحسكة شمالي سوريا. وتوافد المتظاهرون، وكثير منهم من أبناء العشائر العربية، من الأحياء المحيطة بالحسكة، فيما قدم بعضهم من محافظة دير الزور المجاورة في جنوب شرق سوريا.
وتجمّع المحتجون أمام مسجد أبي بكر الصديق في حي غويران، حيث انطلقت الاحتجاجات الأسبوع الماضي. وبعد صلاة الجمعة، ساروا إلى الساحة الرئيسية في المدينة، ساحة التحرير، رافعين علم النظام السوري الجديد. ورافق المتظاهرين عناصر من قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة.
ولم تمنح وسائل الإعلام الإقليمية اضطرابات الحسكة خلال الأسبوع الماضي سوى اهتمام محدود، فيما كاد يغيب عنها الاهتمام في الإعلام الدولي. غير أن التوترات في المدينة لافتة، لأنها تعكس استمرار حالة عدم الاستقرار التي تغلي تحت السطح في سوريا، حتى في وقت يسعى فيه النظام الجديد إلى إظهار صورة سلطة راسخة وحصرية.
كانت الحسكة المدينة الرئيسية للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بقيادة كردية، قبل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. وكانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي شاركت التحالف بقيادة الولايات المتحدة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في الفترة بين 2014 و2019، الذراع المسلحة لتلك الإدارة.
غير أنه عقب اندفاعة عسكرية سريعة لحكومة دمشق عبر نهر الفرات في كانون الثاني/يناير، سارعت قوات سوريا الديمقراطية والإدارة إلى الموافقة على الحل. فقد أنهى اتفاق أُبرم في 29 كانون الثاني/يناير الإدارة الذاتية رسمياً، وحُلّت قوات سوريا الديمقراطية رسمياً في 26 آب/أغسطس.
لكن، رغم حلّ السلطة ذات القيادة الكردية على الورق، واصلت مؤسسات كثيرة منها عملها فعلياً على الأرض. وتعمد قادة «قسد» تجنّب المواجهة مع السلطات الجديدة. وأدركوا أنه من دون دعم أو حماية خارجية، بعد تخلي الولايات المتحدة عن الأكراد وانسحابها، فإن مساراً كهذا سيفضي حتماً إلى إراقة دماء وإلى قمعهم بالقوة.
وبدلاً من ذلك، سعوا إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي، مع بقائهم في تعاون رسمي مع السلطات المركزية. وفي الوقت نفسه، لا تزال قائمة تشكيلات سياسية كردية شبه مستقلة مرتبطة بأوساط قوات سوريا الديمقراطية.
وينبع هذا النهج من انعدام ثقة أساسي بين البنى الكردية والسلطات الجديدة، إلى جانب رغبة الأكراد في الاستفادة قدر الإمكان من الوضع الجديد وتجنب المجازر الطائفية التي سهّلتها الحكومة، والتي وقعت في الجنوب الدرزي وفي المنطقة الساحلية الغربية العلوية منذ سقوط نظام الأسد.
ويشير الأكراد السوريون إلى الإحجام الظاهر من جانب سلطات دمشق عن معاقبة العناصر من بين مؤيديها الذين انخرطوا في العنف ضد الأقليات. فلم يُحاكم سوى عدد ضئيل من الأشخاص، ولم يُدَن سوى واحد أو اثنين بالضلوع في المجازر الطائفية في السويداء واللاذقية.
السكان العرب يبدون عازمين على فرض حلّ البنى الكردية ذات الحكم الذاتي
يبدو أن الحوادث الأخيرة نابعة من إصرار عناصر من السكان العرب في الحسكة على تسريع وتيرة حلّ البنى ذات الحكم الذاتي بقيادة كردية، والمطالبة بأن تفرض السلطات المركزية في دمشق سيطرة سريعة وكاملة وفورية.
وقال مصدر في السلطة الكردية بالحسكة لصحيفة «جيروزاليم بوست»: «بدأ الوضع قبل نحو أسبوع، حين ظهرت حملة منسقة على وسائل التواصل الاجتماعي شارك فيها حسابات وهمية وبعض السوريين المقيمين في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا.
«ودعت هذه الحسابات سكان حي غويران العرب في الحسكة إلى تنظيم مظاهرات ورفع العلم الوطني السوري في وسط المدينة، بذريعة ’استعادة سلطة الدولة‘ في عموم الأراضي السورية.
«وكان المحافظ الكردي للحسكة والسلطات المحلية قد قرروا أصلاً رفع العلم السوري بأنفسهم خلال احتفال رسمي. لكن حملة وسائل التواصل الاجتماعي استمرت، داعية أشخاصاً من خارج مدينة الحسكة ومن خارج المحافظة إلى المشاركة.
«ومن اللافت بوجه خاص أن زعماء العشائر العربية المحليين لم يشاركوا في هذه المظاهرات. بل تألفت التجمعات في معظمها من مجموعات من الشبان المحرّضين، بينهم أفراد يُقال إنهم مرتبطون بتنظيم الدولة الإسلامية سابقاً وبعناصر من المؤسسة البعثية السابقة.
«وخلال المظاهرات، رفع المشاركون صور صدام حسين، وهتفوا بشعارات تحريضية وطائفية صريحة، من بينها ’سوريا بلا أقليات‘، واعتدوا على الرموز والأعلام واللافتات القومية الكردية. وقد بدت هذه الأفعال محسوبة عمداً لاستفزاز رد فعل كردي، وربما لإشعال مواجهة إثنية أوسع».
وأضاف المصدر في الحسكة: «تثير هذه التطورات أسئلة جدية حول نوايا عناصر بعينها داخل دمشق. وثمة أسباب قوية للاشتباه في أن فصائل معارضة لعملية الاندماج تسعى بنشاط إلى تقويض تنفيذها.
«ويُعتقد أن هذه الفصائل تحتفظ بصلات وثيقة مع تركيا، التي قد تكون هي نفسها تشجع مثل هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار، نظراً إلى استياء أنقرة الظاهر من جوانب معينة في اتفاق الاندماج ونتائجه».
«لا يوجد ردع ولا قانون من جانب الحكومة لوقف التوتر في الحسكة»
لا يزال دور سلطات دمشق في الأحداث الأخيرة موضع تساؤل. وقال مصدر مدني في الحسكة لصحيفة «البوست»: «لا يوجد ردع ولا قانون من جانب الحكومة لوقف التوتر في الحسكة. وقد بدأ الأكراد والعرب يخشون التنقل داخل المدينة. وبدأ خطر الاختطاف يتصاعد».
ويشتبه مصدر من سلطة الحسكة بأن أجندة سياسية أوسع قد تكمن خلف الأحداث الأخيرة، وهي «استغلال الانقسامات بين المجتمعين العربي والكردي، ولا سيما عبر تعبئة شرائح من السكان العشائريين العرب، لخلق ظروف مواتية لمواجهة طائفية أو إثنية.
«وفي حال تصاعدت هذه التوترات إلى عنف واسع النطاق، قد تجد السلطات الكردية نفسها تحت ضغط كبير لطلب تدخل الحكومة المركزية لإعادة النظام.
«وعندئذ تستطيع دمشق أن تستخدم مثل هذا الطلب، أو التدهور الأمني الأوسع، مبرراً لنشر قوات حكومية إضافية وتولي السيطرة الأمنية والإدارية المباشرة على الحسكة تدريجياً.
«وهذا سيحمل أوجه شبه معينة بالنهج الذي كان متصوراً في البداية حيال السويداء وسكانها الدروز، حيث يمكن لعدم الاستقرار الداخلي أن يوفر مبرراً سياسياً وأمنياً لتوسيع سلطة الحكومة المركزية».
وفي غضون ذلك، حمّل تقرير على موقع «عنب بلدي»، المتعاطف مع سلطات دمشق، «الشبيبة الثورية» الكردية مسؤولية التوترات. ويُستخدم هذا المصطلح للدلالة على منظمة شبابية كردية مرتبطة بالتنظيمات السياسية التي تقف خلف قوات سوريا الديمقراطية.
ووفقاً لأشخاص نُقل عنهم في المقال المنشور في «عنب بلدي»، أقامت الشبيبة الثورية حواجز في مناطق من المدينة، و«أوقفت المارة، وفتشت هواتفهم، وعاملتهم بطريقة مهينة».
ووفقاً لعبد الرحمن الحسن، وهو أحد سكان غويران العرب، فإن «المدينة كانت تشهد توترات حادة بسبب سلوك الشبيبة الثورية». وقال الحسن إنه بحسب تقديره، «لم يكن السكان يرون تدخلاً كافياً من قوات الأمن الحكومية لوقف هذه الممارسات أو لبسط السيطرة في عموم المدينة».
وفي الفترة المقبلة، يبدو أن المسرح مهيأ لخطوات إضافية من جانب السلطات في دمشق لإنهاء ما تبقى من الحكم الذاتي الكردي شرقي الفرات، ولبسط سلطة النظام الإسلامي الجديد على هذه المنطقة بأكملها.
وتشير التجربة الأخيرة في جنوب غرب سوريا إلى أن مثل هذه الجهود جرت عبر مزيج من الاضطرابات المحلية، ثم دخول خليط من القوات «غير النظامية» المتحالفة مع الحكومة وقوات الأمن الرسمية إلى المنطقة المعنية. وستبيّن الفترة المقبلة ما إذا كان مسعى من هذا القبيل يبدأ الآن في شمال شرق سوريا.
نُشر أصلاً في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026.