تحييد خطر الحوثيين: خطة استراتيجية للبحر الأحمر وما بعده
الضربات الأمريكية أضعفت الجماعة ولم تُنهِ قدرتها، وكلفة كل صاروخ أمريكي مقابل ترسانة حوثية بدائية تكشف خللاً حاداً في موازين الاستنزاف.

تقف الولايات المتحدة عند مفترق طرق استراتيجي في البحر الأحمر. فبعد سنوات من الانجراف الاستراتيجي، واجهت إدارة ترامب تهديد الحوثيين بحزم عبر عمليات عسكرية متواصلة من 15 مارس إلى 6 مايو 2025. ومع ذلك، فإن الضربات الأمريكية، رغم ما ألحقته من أضرار، لم تفلح في إزالة التهديد. وقد كشفت كلفة كل ذخيرة أمريكية، عند قياسها بترسانة الحوثيين المنخفضة التقنية عالية التأثير، عن لا تماثل صارخ. ويُرجَّح أن هذا الاختلال، إلى جانب اعتبارات سياسية، أسهم في قرار الرئيس ترامب وقف الضربات بعدما أوقف الحوثيون مؤقتاً هجماتهم البحرية. غير أن ذلك التوقف انتهى في 6–7 يوليو 2025، حين استهدف الحوثيون سفينتَي شحن سائب تديرهما شركات يونانية، وأطلقوا هجوماً بصاروخ باليستي على مطار بن غوريون في إسرائيل. وخلاصة القول إن الحوثيين ذكّروا العالم بأنهم ما زالوا ملتزمين بتحقيق أهدافهم الاستراتيجية عبر العنف.
تؤكد هذه الهجمات الحوثية الأخيرة أن هزيمة الجماعة تتطلب أكثر من مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، بل استراتيجية شاملة ومتكاملة. وينبغي لهذه الاستراتيجية أن تستهدف ليس القدرات العسكرية للحوثيين فحسب، بل أيضاً شبكاتهم المالية وشرعيتهم السياسية ومنظومات الدعم الخارجي. وأي نهج دون ذلك سيتيح للحوثيين إعادة تنظيم صفوفهم وإعادة التسلح. وستواصل إيران استغلال الحوثيين وكيلاً لزعزعة استقرار المنطقة، فيما يوسّع منافسون شبه أكفاء مثل الصين موطئ قدمهم في المشاعات العالمية. والمطروح على المحك هو مصداقية الولايات المتحدة، والاستقرار الإقليمي، والتدفق الحر للتجارة العالمية.
يُعد البحر الأحمر حيوياً للمصالح الأمريكية وللنظام الدولي الأوسع، إذ يشكّل عقدة استراتيجية تصل أوروبا بآسيا وأفريقيا. ونحو 15 في المائة من التجارة العالمية يعبر مضيق باب المندب. ومع كل سفينة يهاجمها الحوثيون، وكل قسط تأمين يرفعونه، وكل مسار تجاري يحوّلونه، يراكم فاعلون خبيثون القوة على حساب الولايات المتحدة. ويُظهر التاريخ مدى هشاشة هذا الممر. فأزمة القرصنة الصومالية في أوائل العقد الأول من الألفية كادت تشلّ التجارة الإقليمية وأجبرت على تدخلات متعددة الأطراف مكلفة. أما تهديدات اليوم فأشد حدّة، إذ تسعى إيران والصين بنشاط إلى بسط نفوذهما على هذه الاختناقات الحيوية.
تتجاوز التداعيات الاقتصادية لعدم الاستقرار في البحر الأحمر حدود اليمن بكثير. فشركات الشحن العالمية تعيد بالفعل توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى مدد العبور ويرفع التكاليف. وهذه المسارات الأطول ترفع أسعار الطاقة، وتعطّل سلاسل الإمداد، وتضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية والأمريكية. كما قفزت أقساط التأمين على الشحن في البحر الأحمر. وإذا استمر تهديد الحوثيين لهذه الطرق الحيوية دون ردع، فستشتد الضغوط التضخمية العالمية وتقوّض التعافي الاقتصادي. وستضعف هذه الضغوط قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على الصمود في مواجهة منافسين مثل الصين. ومن ثم، فإن تأمين البحر الأحمر ليس ضرورة إقليمية فحسب، بل شرط أساسي للاستقرار الاقتصادي العالمي وللتنافسية الاستراتيجية الأمريكية.
وبالنظر إلى التداعيات العالمية لعدم الاستقرار في البحر الأحمر، فقد انتهى زمن أنصاف الحلول، ولا سيما في أعقاب النزاع الإسرائيلي، الإيراني الأخير الذي دام 12 يوماً واستئناف الحوثيين أعمالهم العدائية. وفي هذه البيئة الجيوسياسية الجديدة، يتعين على واشنطن السعي إلى ثلاثة أهداف واضحة: القضاء على تهديد الحوثيين بصورة دائمة، وتحقيق استقرار اليمن عبر بنية حكم لامركزية لكنها موحَّدة، وتأمين حرية الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. وسيتطلب تحقيق هذه الأهداف حملة متواصلة تُسخَّر فيها القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والمعلوماتية بصورة منسّقة، على أن تُخطَّط لما لا يقل عن 15 شهراً.
هذا الإطار الزمني مقصود، وقد صُمم ليتوافق مع الوقائع السياسية الداخلية الأمريكية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر of 2026، تواجه إدارة ترامب نافذة عمل تتقلص بسرعة. وينبغي لحملة شاملة أن تؤمّن البحر الأحمر تحت قيادة الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين الحلفاء، ويفضَّل أن يتحقق ذلك قبل توجه الناخبين الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع. والهدف هو تحقيق استقرار البحر الأحمر قبل أن تقوّض التحولات الانتخابية العملية. ومع أن المزاج العام مهم، فإنه لا يمكن أن يحل محل قيادة حازمة. فكثيراً ما يتصرف السياسيون الأمريكيون كدوّارات الريح، تجرّهم الرياح السياسية. وفي هذه الحالة، على صانعي السياسة الأمريكيين اتباع استراتيجية تعكس بالكامل حجم ما هو على المحك، وتستوعب الوقائع الداخلية والجيوسياسية، وتقبل المخاطر اللازمة لتأمين المصالح الأمريكية في البحر الأحمر.
ولتحقيق أهدافها الأمنية في البحر الأحمر ضمن إطار زمني يبلغ 15 شهراً، يجب على الولايات المتحدة اتباع استراتيجية تنقسم إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1) إجراءات فورية (0–5 أشهر): زيادة كثيفة في تغطية الطائرات المسيّرة والضربات على نطاق واسع. تنفيذ مهام تخريب وعمليات سيبرانية. إنفاذ مناطق حظر بحري بلا أي تهاون. إطلاق حملات اتصالات استراتيجية عالمية. إشراك القطاع الخاص لتحصين عمليات الشحن التجاري.
2) إجراءات متوسطة المدى (5–10 أشهر): توسيع الدعم العسكري ودعم الحوكمة للشركاء اليمنيين. تسريع تحويل التجارة عبر مرافئ بديلة، وتشديد إنفاذ العقوبات، ومواصلة الضغط الدبلوماسي على عُمان. تفعيل نماذج الحوكمة اللامركزية في المناطق المحرَّرة.
3) إجراءات التثبيت (10–15 شهراً): نقل مسؤوليات الأمن البحري إلى تحالفات إقليمية. إنجاز إعادة بناء البنى التحتية الحرجة. تأمين اعتراف دبلوماسي دولي بحكومة يمنية لامركزية. الإبقاء على ضغط اتصالات استراتيجية بلا هوادة ضد الحوثيين ورعاتهم الإيرانيين.
تبني كل مرحلة على سابقتها. فالمرحلة الأولى تركز على تهيئة الشروط الأولية في مسرح العمليات وتشكيل بيئة الرسائل الاستراتيجية. والمرحلة الثانية تكثّف الضغط العسكري، ولا سيما على الأرض، بهدف دفع الخصم إلى موقع دفاعي. أما المرحلة الثالثة فتؤسس أطرًا سياسية واقتصادية وأمنية متينة ودائمة وذاتية التعزيز.
كل إجراء موصى به في هذه الخطة ذات المراحل الثلاث يستحق تقييماً معمقاً. وعلى المخططين أن يدركوا أولاً أن الحوثيين لا يستجيبون إلا للقوة. فالضربات الجوية المحدودة أو التي تُوقف بشكل اعتباطي لن تُضعف قدرتهم العملياتية ولن تكسر إرادتهم في القتال. ويتعين على حملة عسكرية متواصلة ومتدرجة تفكيك قدرات الحوثيين على الضرب البحري، وحرمانهم من الملاذات، وتعطيل شبكات القيادة والسيطرة لديهم. وعلى القوات الأمريكية وقوات التحالف الحفاظ على وتيرة عملياتية ثابتة، تستهدف قاذفات الصواريخ الباليستية، ومراكز إنتاج المسيّرات، ومحطات الرادار الساحلية، ومنصات الضرب البحري. وينبغي أن تركز العمليات الاستباقية على منع الإطلاق قبل وقوعه بدلاً من الرد بعده. والأهم من ذلك كله أن تتعرض قيادة الحوثيين لضغط لا يهدأ: لا ملاذ آمن، لا فسحة، لا قدرة على إصدار الأوامر.
ولاتباع استراتيجية أكثر فاعلية ضد الحوثيين على الأرض دون نشر قوات أمريكية كبيرة، يتعين على الولايات المتحدة إعادة تقييم شراكاتها المحلية. وينبغي لواشنطن أن تعطي الأولوية لتقديم دعم مباشر ومحكم التنسيق لأكثر القوى المناهضة للحوثيين كفاءة، وفي مقدمتها القوات المشتركة على ساحل البحر الأحمر بقيادة العميد طارق صالح، وألوية العمالقة العالية التدريب. ويجب أن تبقى القوات العسكرية والقبلية في مأرب، تحت قيادة رئيس هيئة الأركان، ركيزة مركزية للمقاومة. كما يمكن للقوات العسكرية والأمنية في حضرموت وتعز والمهرة وشبوة، بوصفها منصات للدعم اللوجستي والبشري، أن توسّع المدى العملياتي الأمريكي. وأخيراً، يمكن لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) أن تؤدي دوراً حاسماً على الجبهتين الوسطى والشمالية، شريطة أن ينسجم انتشارها مع الأهداف الوطنية الأمريكية.
هذه القوات الجاهزة للقتال مستعدة لمواجهة الحوثيين، خصوصاً في المخا وتعز ومأرب. ويجعل التنسيق السياسي تفعيلها ممكناً دون الحاجة إلى صياغة وحدة عريضة بين الجماعات أو إكراه فصائل متنافسة على التعاون. ومع أن توحيد جميع الأجنحة العسكرية للتحالف المناهض للحوثيين توحيداً كاملاً يظل مستبعداً في المدى القريب، فإن الشراكات المحددة التي تركز على جبهات وأهداف بعينها تبقى ممكنة. ويمكن تحقيق ذلك بالتنسيق مع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، مثل سلطان العرادة وطارق صالح، فيما يوفر الرئيس الغطاء السياسي اللازم.
إن الضغط العسكري المتواصل من القوات الأمريكية وقوات الحلفاء على الحوثيين سيُضعف قدراتهم، لكنه سيخلق أيضاً أثراً زخمياً. فالفصائل المترددة التي تشهد تقدماً عسكرياً ذا مصداقية وتدرك تراجع المخاطر السياسية ستُشجَّع على الانضمام إلى الحملة المناهضة للحوثيين. ولخلق هذا الزخم، ينبغي أن تعمل القوات الأمريكية وقوات الحلفاء كمضاعِفات قوة تعزز التحالف المناهض للحوثيين. وانطلاقاً من هذا الهدف، يتعين على قوات العمليات الخاصة تنفيذ مهام تخريب ضد بنى تحتية حوثية حرجة، بما في ذلك مواقع التخزين تحت الأرض ووحدات الإطلاق المتنقلة. وبالتوازي، يجب أن تفكك العمليات السيبرانية اتصالات الحوثيين المشفّرة وأنظمة الاستهداف وشبكات قيادة المسيّرات. والغاية هي شل منظومات الحوثيين وحرمانهم من القدرة على تنسيق الهجمات البحرية، أو المضي في زعزعة الاستقرار الإقليمي، أو الدفاع في وجه القوات البرية المناهضة لهم.
يجب أن تنفذ المنظومات الجوية غير المأهولة (UAS)، مثل الطائرة المسيّرة MQ-9 Reaper، مهام استخبارات ومراقبة واستطلاع (ISR) وضرباً مستمراً، بما في ذلك اعتراض التهديدات البحرية. وإلى جانب طائرات Reapers القادرة، ينبغي أن تغطي أسراب من الطائرات الرباعية منخفضة الكلفة ساحة المعركة اليمنية، بما يحرم قيادة الحوثيين من حرية الحركة والعمل. وعلى الواجهة البحرية، يجب أن تهيمن السفن السطحية غير المأهولة مثل MARTAC Devil Ray والمركبات تحت المائية غير المأهولة مثل REMUS 600 على عمليات المراقبة والاعتراض البحري. وينبغي للمركبات الأرضية غير المأهولة أن تسيّر دوريات في مناطق حدودية رئيسية وعلى طرق الإمداد، بما يقيّد نقل الحوثيين للأسلحة والأفراد. وبالعمل بالتنسيق مع قوات حليفة، يمكن للولايات المتحدة توظيف هذه الأصول العسكرية لتوسيع مداها، وتقليص المخاطر على الأفراد، وإغراق دفاعات الحوثيين بضغط متواصل متعدد المجالات.
ينبغي أن يكون هدفاً آخر الإنفاذ الصارم لمناطق الحظر البحري حول المرافئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الحُديدة والصليف ورأس عيسى، لتعطيل سلاسل إمداد السلاح التي تغذي آلة الحرب الحوثية. ويجب أن تواجه السفن التي تخرق هذه المناطق اعتراضاً فورياً. وينبغي إيلاء اهتمام خاص لسفن حاويات الوقود. فالحوثيون يخزّنون الوقود لتشغيل الضربات ويبيعونه في السوق السوداء. وبضرب المخزونات، تستطيع الولايات المتحدة تحويل مورد حوثي رئيسي إلى عبء، بما يضعف القدرة العملياتية للجماعة بصورة كبيرة.
ومع أن هذه التدابير العسكرية يُتوقع أن تكون فعالة، فإن العمل العسكري وحده لا يمكن أن يفكك التمرد الحوثي. ثمة حاجة إلى هجوم سياسي واقتصادي موازٍ لعزل الحوثيين وحرمانهم من الموارد اللازمة لبقائهم. ويتعين على وزارة الخزانة، بالتنسيق مع الحلفاء الإقليميين، توسيع العقوبات لتستهدف شركات الشحن الإيرانية، وميسّري الخدمات اللوجستية، والوسطاء الماليين الذين يدعمون عمليات التهريب الحوثية. وتحقيقاً لذلك، ينبغي للاستخبارات الأمريكية إعطاء الأولوية لرسم خرائط الشبكات المالية غير المشروعة التي تعمل عبر عُمان ولبنان وشرق أفريقيا وتفكيكها.
وبالتوازي، يجب أن تستثمر واشنطن بكثافة في مرافئ بديلة مثل عدن والمكلا وبربرة لتحويل الشحن التجاري بعيداً عن الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين. فكل سفينة يُعاد توجيهها تحرم الحوثيين من إيرادات جمركية حيوية وتقوض مزاعمهم بالشرعية السياسية. ويعمل تحويل التجارة أداةً استراتيجية. وعلاوة على ذلك، فإن الاستثمار في هذه المرافئ البديلة يواجه طموحات مبادرة الحزام والطريق الصينية للهيمنة على اللوجستيات والبنى التحتية الإقليمية. ومن خلال عرقلة جهود الصين بصورة هجومية لإزاحة الولايات المتحدة بوصفها المهيمن العالمي، تعمل هذه الاستثمارات كقوة اقتصادية مضادة.
دبلوماسياً، يجب على الولايات المتحدة ممارسة الضغط على عُمان لإغلاق حدودها المسامية أمام تهريب الأسلحة الإيرانية. فرغم حياد عُمان تاريخياً، فإن تسهيلها السلبي للتهريب بات اليوم تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. ويمكن للحوافز الاقتصادية والتعاون الأمني تشجيع عُمان على الامتثال، لكن ينبغي أن تترتب عواقب واضحة على أي إخفاق في التحرك. وتظل الدبلوماسية الهادئة المسنودة بنفوذ اقتصادي ضرورية. وإذا استمرت عُمان في المقاومة، فعلى الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لفرض أهدافها الاستراتيجية بحزم.
وإدراكاً للشلل المزمن الذي تعانيه الأمم المتحدة، يتعين على الولايات المتحدة قيادة تحالف بحري مخصص، بالاستناد إلى أطر مثل عملية "حامي الازدهار" (Operation Prosperity Guardian)، لتأمين دعم دولي لحرية الملاحة في البحر الأحمر. فانتظار التوافق عبر مؤسسات دولية مترهلة محكوم عليه بالفشل. وينبغي أن يضم شركاء التحالف السعودية والإمارات ومصر وقوى بحرية أوروبية راغبة.
تُحسم الانتصارات الاستراتيجية في ساحة المعركة وفي فضاء المعلومات على حد سواء. ومن ثم، ينبغي نزع الشرعية عن الحوثيين إقليمياً ودولياً. ويتعين على حملة معلوماتية متواصلة وهجومية أن تكشف فظائعهم، بما في ذلك تجنيد الأطفال، والاستهداف المتعمد للشحن المدني، وتحويل المساعدات الإنسانية. وعلى وسائل الإعلام الغربية والعربية والعالمية أن تضخّم هذه الرسالة بلا هوادة. وينبغي لصانعي السياسات ربط الحوثيين مباشرة باستراتيجية طهران الأوسع لزعزعة الاستقرار الإقليمي وبالطموحات البحرية الصينية. كما يجب تصوير الحوثيين قوةً وكيلة تهدد ليس اليمن وحده، بل الاقتصاد العالمي بأسره. وتوثّق تقارير عديدة سوء السلوك الصيني، بما في ذلك إنشاء خطوط إمداد غير مشروعة تزود الحوثيين بالأسلحة وبأنظمة توجيه متقدمة للصواريخ والمسيّرات. وتزعم تقارير إضافية أن شركة صينية لصور الأقمار الصناعية قدمت استخبارات جغرافية مكانية لتمكين استهداف سفن حربية أمريكية وسفن دولية.
في بيئة المعلومات هذه، يمكن لتأطير استراتيجي أوسع أن يحشد معارضة غربية أوسع وأن يدفع القطاع الخاص إلى المطالبة بإجراء حاسم. وعلى القطاع الخاص الانخراط بصورة استباقية، ولا سيما في قطاعي الشحن والتأمين. وينبغي أن تطور مجموعات عمل منظمة تدابير دفاعية بقيادة القطاع، وحملات مناصرة، وآليات لتبادل المعلومات الاستخبارية. وعلى أصحاب المصلحة التجاريين إدراك أن الأمن البحري ضرورة مشتركة.
ينبغي أن تمتد الدبلوماسية العامة إلى ما وراء الجمهور الغربي. وعلى الشراكات مع حلفاء الخليج مزامنة الرسائل عبر وسائل الإعلام الإقليمية، للتصدي للدعاية الحوثية وتعزيز شرعية الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لاستعادة الاستقرار والازدهار. وتظل هزيمة الحوثيين عسكرياً ضرورية لكنها غير كافية: فالاستقرار الدائم يقتضي تمكين الفاعلين اليمنيين الشرعيين لمنع عودتهم. ويتعين على الولايات المتحدة توسيع دعمها بصورة كبيرة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وللقوى المناهضة للحوثيين التي خضعت للتدقيق، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي والميليشيات القبلية الرئيسية. وينبغي أن يشمل هذا الدعم أسلحة متقدمة، وتبادلاً للمعلومات الاستخبارية، ودعماً لوجستياً، على أن يُشترط بالتزامات بالوحدة الوطنية وبالانسجام مع المصالح الغربية.
يتعين على واشنطن تبنّي نموذج حكم لامركزي لليمن لتجنب الأخطاء التي أطاحت جهود الحوكمة السابقة. فتقسيم اليمن سيغذي على الأرجح صراعاً لا نهاية له، في حين تتيح اللامركزية مساراً نحو الشمول والاستقرار والحكم الذاتي الفعّال دون تفتيت الدولة. ويبرز العراق وأفغانستان مخاطر المركزية المفرطة. ففي هاتين الدولتين الهشتين، واجهت الحكومات شديدة المركزية في بغداد وكابل صعوبة في التعامل مع ديناميات قبلية وطائفية وإقليمية معقدة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تفجر عدم الاستقرار والتمرد. وعلى النقيض، تمكّن النماذج السياسية اللامركزية السلطات المحلية، وتعزز الشعور بالملكية المشتركة للحكم، وتقلّص حوافز التمرد. وفي اليمن، ستتيح اللامركزية لجماعات عرقية ومناطق متباينة ممارسة الحكم الذاتي مع الحفاظ على هوية وطنية موحدة. وسيمنع هذا النهج الحوثيين من استغلال المظالم أو تجريد جماعات من حقوقها بطرق قد تشعل تمردات مستقبلية.
ينبغي أن تمنح جهود إعادة الإعمار الأولوية لتنفيذ مشاريع مرئية عالية الأثر في الأراضي المحرَّرة. فإعادة تأهيل البنى التحتية للمرافئ ومرافق الجمارك والعيادات وشبكات النقل سريعاً ستخلق بدائل اقتصادية ملموسة لحكم الحوثيين. ويتعين إخضاع المساعدات الدولية لرقابة صارمة لمنع تحويلها والفساد. وقد يثير منتقدون مخاوف بشأن التصعيد وتوسع المهمة والارتداد الإقليمي؛ ومع أن هذه المخاطر حقيقية، فإنها تبقى قابلة للإدارة. إذ يمكن ضبط التصعيد عبر ضربات معايرة، وقواعد اشتباك واضحة، وتواصل دبلوماسي ثابت مع الشركاء الإقليميين. ويجب أن تبقى معايير المهمة مركزة بإحكام على الأمن البحري وعمليات مكافحة الحوثيين، مع تجنب التورط في السياسة الداخلية اليمنية. كما أن تأمين ممرات إنسانية إلى المرافئ المحرَّرة يمكن أن يخفف خطر أزمة إنسانية عبر إتاحة إيصال المساعدات مع حرمان الحوثيين من النفوذ. وسيقلّص التنسيق المستمر مع حلفاء الخليج ومصر وسائر أصحاب المصلحة الارتداد الإقليمي ويضمن ملكية مشتركة للحملة الرامية إلى هزيمة الجماعة.
وثمة طريقة أخرى لإدارة مخاطر التصعيد تتمثل في اعتماد نهج متشدد في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران. يجب على الولايات المتحدة أن تصرّ على أن توقف إيران كل دعم مادي للحوثيين بوصفه شرطاً غير قابل للتفاوض. وعلى طهران أن تدرك أن استمرار دعم الحوثيين سيُطلق حملة أمريكية أوسع تستهدف البنى التحتية الإيرانية. وربط مطالب الأمن البحري بالدبلوماسية النووية سيوظف قوة واشنطن ويرفع كلفة تعنّت إيران. وفي ضوء الضربات الأمريكية الأخيرة على Fordow ومواقع نووية أخرى، يكتسب هذا التهديد مصداقية أكبر.
وإلى جانب تدابير التخفيف هذه، من الضروري أن تدرك الولايات المتحدة أن التقاعس ينطوي على مخاطر أكبر بكثير. فالحوثيون ليسوا مجرد فصيل يمني، بل سلاح استراتيجي تستخدمه طهران ضد الاقتصاد العالمي، وبيدق في لعبة الصين الطويلة للهيمنة على طرق التجارة الدولية. والتعامل معهم بوصفهم أقل من ذلك يرقى إلى سوء ممارسة استراتيجية.
حملة فاترة تكاد تضمن دورة من ردع مؤقت يعقبها نزاع متجدد. والنتيجة المرجحة: دولة يمنية منهارة، وإيران أكثر جرأة، وارتفاع حاد في تكاليف الشحن العالمية، وتآكل النفوذ الأمريكي في مسرح استراتيجي حيوي. والأسوأ أن خصوماً مثل الصين سيفسرون غياب العزم والكفاءة الأمريكيين دعوة مفتوحة لتصعيد العدوان عالمياً.
في ضوء هذه الحقائق الاستراتيجية، يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن هزيمة الحوثيين ليست مجرد أمر مرغوب فيه، بل ضرورة حتمية. فالبحر الأحمر بالغ الأهمية بما لا يسمح بإهماله، والتهديد الإيراني فاضح بما لا يسمح بتجاهله، وطموحات الصين خطرة بما لا يبرر قبول أي شيء أقل من نصر حاسم. ولا يمكن سوى حملة شاملة ومتكاملة ومتواصلة، ترتكز على التفوق العسكري والضغط السياسي والعزل الاقتصادي وحرب المعلومات والتمكين المحلي، أن توفر أمناً دائماً.
يتطلب هذا النجاح عزماً وأفقاً طويل المدى. فلا يمكن ترك البحر الأحمر للمصادفة، بل يجب تأمينه بتصميم واعٍ. وعلى الولايات المتحدة أن تتحرك بحزم ومثابرة وبروح تعاونية لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية الأوسع.
النصر خيار. وعلى الولايات المتحدة أن تختاره الآن.
