ليبيا تقرّ اتفاق تركيا البحري وإسرائيل أمام تحدٍّ متوسطي جديد
أهمية الاتفاق لإسرائيل تكمن في أن النزاع البحري يمسّ علاقاتها مع اليونان وقبرص ومصر.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

لسنوات، رفض برلمان شرق ليبيا إقرار مذكرة التفاهم البحرية التي وقّعتها تركيا مع طرابلس عام 2019. وفي 20 أكتوبر/تشرين الأول، أقرّ الاتفاق بالإجماع وألغى قراراته الصادرة عام 2020 ضد الاتفاق وضد العلاقات السياسية مع أنقرة.
ولم يظل هذا التحوّل محصوراً داخل ليبيا. ففي غضون يومين، كان وزيرا خارجية اليونان ومصر يناقشان علناً توسيع اتفاقهما لعام 2020 بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة شرقاً باتجاه قبرص، رابطين المحادثات صراحةً بالتصويت الليبي. وفي طبرق، صار موقف كان يُتعامل معه يوماً بوصفه خطاً أحمر قابلاً للتفاوض.
إن تصويتاً في طبرق لا يُغلق ممراً ملاحياً إسرائيلياً ولا يمنح تركيا سيطرة لا منازع لها على قاع البحر. ما يتبدّل هو الإطار السياسي. فبوسع أنقرة أن تشير إلى دعم من شرق ليبيا إلى جانب السلطات في الغرب التي وقّعت مذكرة التفاهم الأصلية.
وهذا يهمّ إسرائيل لأن النزاع البحري يمسّ علاقاتها مع اليونان وقبرص ومصر، فضلاً عن مشاريع الطاقة المستقبلية والبنية التحتية تحت البحر التي تنقل البيانات والطاقة عبر المنطقة. فالتحوّل السياسي قادر على تعقيد التخطيط قبل وقت طويل من دخول أي سفينة إلى مياه متنازع عليها.
وجاء التصويت عقب تغيير على رأس المجلس. ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول، انتخب النواب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً للمجلس، خلفاً لعقيلة صالح بعد نحو 12 عاماً في المنصب. وفي اليوم السابق، كان 98 نائباً قد أقرّوا قواعد تحصر ولاية الرئيس ونوّابه في 12 شهراً.
وكان صالح يواجه انتقادات من زملائه. وقد ترأس العبيدي لجنة الصداقة البرلمانية الليبية-التركية في مجلس النواب، وهي تفصيلة جديرة بالتسجيل، وإن كانت لا تثبت أنه هندس التصويت البحري. فتغيير القيادة بدّل المشهد السياسي، لكنه لا يفسّر وحده قرار كل نائب.
وكانت ثمة مؤشرات أخرى على أن العداء القديم آخذ في الانحسار. ففي يوليو/تموز، أعلنت القيادة العامة للجيش الوطني الليبي ومقرّه الشرق عن عقد مع الشركة التركية "أك تكنيك" (Akteknik) لإنشاء منظومة متكاملة لإدارة الحدود البرية ومراقبتها.
وغطّت المرحلة الأولى 275 كيلومتراً، وقُدِّم المشروع بوصفه جزءاً من برنامج "رؤية 2030" الخاص بالقوة، تحت إشراف نائب القائد صدام حفتر. لقد كان عقد مراقبة حدود برية، لا إذناً بالتنقيب البحري ولا دليلاً على أن تركيا تبني قواعد عسكرية في شرق ليبيا. ومع ذلك، فقد أظهر خصماً سابقاً وهو يتحوّل إلى شريك تجاري.
أما علاقة الطاقة فقد بدأت قبل ذلك. ففي 25 يونيو/حزيران 2025، وقّعت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة مع شركة البترول التركية (TPAO) لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في أربع مناطق بحرية. وأشار الإعلان أيضاً إلى مباحثات حول مسح زلزالي ثنائي الأبعاد يغطي 10,000 كيلومتر.
ولم تُجِز المذكرة الحفر في كل بلوك متنازع عليه. لكنها منحت الطرفين سبباً لمواصلة العمل معاً، وأشارت إلى مزيد من التعاون التجاري. فبالنسبة إلى قادة الشرق الباحثين عن استثمارات وأوراق ضغط في المحادثات حول مستقبل ليبيا، قد تدرّ معارضة كل مبادرة تركية أقل مما يتيحه التفاوض على ما يمكن لأنقرة أن تقدّمه.
لطالما كان لتركيا نفوذ في غرب ليبيا، وهي تنسج اليوم صلات في الشرق. وتواصل واشنطن الضغط على مراكز القوى الليبية المتنافسة باتجاه تسوية سياسية ومؤسسية. ولدى قادة الشرق أسباب لتوسيع خياراتهم بدل الاعتماد حصراً على القاهرة أو موسكو أو أبوظبي.
ولم تُعتمد صفقة بعينها سبباً للتصويت. لكن هذه التطورات تساعد على تفسير لماذا لم يعُد الاصطفاف القديم المناهض لتركيا مضمون الاستمرار حين بدأت الحوافز الاقتصادية والسياسية تتغيّر.
وأفادت تقارير في سبتمبر/أيلول بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ربما التقى صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب القائد، في الإمارات العربية المتحدة. واستندت التقارير جزئياً إلى بيانات تتبّع الرحلات التي أظهرت وصول طائرة مرتبطة بصدام حفتر إلى أبوظبي خلال زيارة نتنياهو.
ولم تؤكد أي من الحكومتين حصول لقاء. وحتى لو جرى اتصال، فلا يوجد دليل علني على أن حفتر وعد باحتواء تركيا أو أن إسرائيل انتزعت التزاماً استراتيجياً. التقرير جدير بالذكر، لكنه لا يحتمل بناء الحجة عليه ولا يحوّل التصويت البرلماني إلى خيانة مثبتة.
والنزاع البحري نفسه ليس جديداً. فقد وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، التي كان مقرّها آنذاك طرابلس، مذكرة التفاهم في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. وهي تحدد مطالبهما في مناطق الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط.
وتحتج اليونان بأن الخط يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، بما فيها كريت وجزر الدوديكانيز. كما اعترضت مصر وقبرص وإسرائيل والاتحاد الأوروبي على الاتفاق أو على تبعاته. أما تركيا وليبيا فتدافعان عنه باعتباره متسقاً مع القانون الدولي ومع مصالحهما الوطنية.
ولا تحسم مصادقة برلمان الشرق تلك المواقف المتعارضة. كما أن التسجيل لدى الأمم المتحدة لا يجعل كل مطالبة مُلزِمة لدول ثالثة.
والتمييز بين المصادقة والإذن مسألة ذات أهمية. فمذكرة التفاهم البحرية لعام 2019 واتفاق الدراسات لعام 2025 بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البترول التركية صكّان منفصلان. وأي عمليات استكشاف تظل مرهونة بالتراخيص، وبموقع النشاط المقترح، وبالقيود القانونية والسياسية السارية.
ومن الخطأ القول إن التصويت منح سفن الحفر التركية ضوءاً أخضر من شطري ليبيا كليهما. فالأثر المباشر سياسي، إذ أسقط شرق ليبيا اعتراضاً مؤسسياً مهماً على تعاون بحري أوثق مع أنقرة.
وعلى إسرائيل الآن أن تعمل مع أثينا ونيقوسيا والقاهرة على تقييم قانوني مشترك يرسم خريطة المناطق المتنازع عليها، ويوثّق حقوق الأطراف الثالثة، ويضع موقفاً موحداً أمام الأمم المتحدة والعواصم الأوروبية.
ولن يتفق الشركاء الثلاثة على كل شيء، لكن بوسعهم أن يجعلوا تقديم خط متنازع عليه بوصفه تسوية غير منازَع فيها أمراً أصعب. وينبغي للقدس أيضاً أن تدفع نحو تبادل أفضل للمعلومات البحرية، ولا سيما بشأن سفن المسح الزلزالي، وأنشطة الاستكشاف، والمنشآت البحرية، والكابلات تحت البحر.
والمهمة الأولى هي تبادل المعلومات في وقتها والاتفاق على كيفية الرد على الحوادث، لا الإعلان عن حلف عسكري لم يحدد أعضاؤه بعد غرضه.
وينبغي لإسرائيل أن تعمل مع الشركاء الأوروبيين للضغط من أجل إجراءات شفافة للتراخيص والاستكشاف تتسق مع القانون الدولي. فذلك يساعد على التمييز بين تأييد برلماني وبين رخصة عمل أو حدود بحرية نهائية.
وعليها كذلك أن تعرض حجة دقيقة على واشنطن. فللولايات المتحدة مصلحة في ليبيا مستقرة، وطرق تجارية موثوقة، وتفادي مواجهة جديدة بين الشركاء الإقليميين.
وينبغي لإسرائيل أن تحدد المطالبات التي تهدد حقوقاً متفقاً عليها، وأن تشرح كيف يمكن لعمليات الاستكشاف المقترحة أن تؤثر في البنية التحتية أو القرارات التجارية، وأن تضغط من أجل تسوية تدوم أطول من الإعلان الدبلوماسي التالي. فالضمانات الشخصية من شخصية ليبية واحدة لا تغني عن التزامات تصمد أمام تغيّر القيادة.
وعلى القدس أن تحذر من معاملة شرق ليبيا بوصفه فاعلاً واحداً تتحكم فيه عائلة واحدة. فداخل المجلس كتل متنافسة، وقد جاء التغيير على رأسه عقب شكاوى بشأن طريقة اتخاذ القرارات.
ودور العبيدي في لجنة الصداقة البرلمانية مع تركيا ذو صلة، لكنه ليس دليلاً على أن انتخابه صُمِّم لتأمين المصادقة على المذكرة. وينطبق التحفظ نفسه على الادعاءات المتعلقة بعقود البنية التحتية أو خطط الخلافة. فالتوقيت قد يثير الأسئلة، لكنه لا يجيب عنها وحده.
ولا يزال للدبلوماسية الهادئة موضع. فالقنوات الخلفية مفيدة حين تغيب العلاقات الرسمية أو حين يحمل الاتصال العلني كلفة سياسية. والخطأ هو الخلط بين الوصول والنفوذ، أو افتراض أن معارضة فاعل ما لتركيا اليوم تضمن اصطفافه مع إسرائيل غداً.
والتصويت الليبي تذكير بأن الحكومات والفصائل السياسية تسعى وراء مصالحها الخاصة، وأن تلك المصالح تتغيّر. وعلى إسرائيل أن تُبقي القنوات مفتوحة في شرق ليبيا وغربها معاً، على أن تحكم على كل محاوِر بما يفعله لا بولاء مفترض.
لقد جعل التصويت نزاع شرق المتوسط أكثر إلحاحاً. لكنه لم يحسم القانون، ولم يأذن بحفر فوري، ولم يكشف مؤامرة سرية مناهضة لإسرائيل.
وينبغي لإسرائيل أن تجهّز ملفها القانوني، وأن تتبادل المعلومات البحرية مع شركائها، وأن تنسّق دبلوماسيتها قبل أن يتحول نزاع على ترخيص أو مشروع استكشاف إلى أزمة. والاختبار المقبل هو ما ستفعله المؤسسات الليبية وتركيا بهذا الانفراج السياسي. وعلى إسرائيل أن تراقب تلك الأفعال عن كثب، وأن تحرص على أن تستند سياستها إلى الأدلة، لا إلى من وافق يوماً على اللقاء خلف أبواب مغلقة.
نُشر أصلاً في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)