منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

هل ما زالت السلطة الفلسطينية كياناً قانونياً؟

السلطة لم تعد تعمل ككيان حاكم، ولا تضبط الأمن في الأراضي، وتكافح من أجل تحصيل الإيرادات.

آرون جيه. شوستر مخرج سينمائي وكاتب حائز على جوائز، مقيم في كاليفورنيا. تركز أعماله على المسؤولية الأخلاقية وإسرائيل والتحديات الاستراتيجية التي تواجه المجتمعات الديمقراطية.

Mahmoud Abbas, president of the Palestinian Authority, in a file photo.
محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، في صورة من الأرشيف. · Shutterstock

يمثّل ظهور «مجلس السلام» (Board of Peace) تحوّلاً هادئاً في الافتراضات الدولية بشأن الحكم الفلسطيني. فعلى مدى ثلاثة عقود، تعامل الدبلوماسيون والمانحون مع السلطة الفلسطينية بوصفها حقيقة سياسية. أما اليوم، فلم يعد ذلك الافتراض قائماً. والسؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تحكم بفاعلية، بل ما إذا كانت لا تزال قائمة قانوناً بأي معنى ذي مغزى.

لم تنشأ السلطة الفلسطينية بصورة تلقائية. فقد جاءت إلى الوجود عبر اتفاقات صريحة فرضت التزامات متبادلة، وشكّلت الأساس القانوني للاعتراف والتمويل والتعاون الأمني والانخراط الدبلوماسي.

عند تأسيسها، قبلت السلطة الفلسطينية التزامات شملت نبذ العنف، ومنع الإرهاب، وتفكيك الجماعات المسلحة، وحل النزاعات عبر التفاوض لا عبر القوة. ولم تكن تلك أهدافاً تطلعية، بل الشروط التي برّرت الاعتراف الدولي وأبقت الدعم المالي قائماً. ومن دونها، لم تكن للسلطة الفلسطينية أي صفة قانونية مستقلة.

ومع مرور الوقت، تخلّت السلطة عن هذه الالتزامات. فتآكل التعاون الأمني مع إسرائيل. وعملت الفصائل المسلحة علناً. ومجّد الإعلام الرسمي والمناهج التعليمية العنف. وأضفت المدفوعات للمسلحين المسجونين ولعائلات منفّذي الهجمات طابعاً مؤسسياً على حوافز الإرهاب. ولم تكن هذه الأفعال انحرافات هامشية؛ بل مثّلت انتهاكات بنيوية لالتزامات السلطة عند نشأتها.

لم تقع هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في فراغ. فقد جاءت بعد سنوات من تآكل الحوكمة والمساءلة واحتكار القوة. ولم تمنع السلطة الفلسطينية الهجوم، ولم تُدنه بعبارات واضحة. بل عكس ردّها شللاً سياسياً وتهرّباً أخلاقياً. وقد حمل ذلك الإخفاق دلالة قانونية. فالسلطة التي لا تستطيع، أو لا تريد، التحرك ضد العنف الجماعي تُسقط عن نفسها الأسس التي اعتُرف بها بموجبها.

ولا تقتصر المشكلة على الأمن. فالسلطة الفلسطينية لم تعد تعمل ككيان حاكم. وهي لا تضبط الأمن في الأراضي على نحو يمكن التعويل عليه. وتكافح لتحصيل الإيرادات من دون تدخل خارجي. وتفتقر إلى الشرعية الانتخابية، بعد أن أرجأت الانتخابات إلى أجل غير مسمى. وتعمل قيادتها من دون آلية واضحة للخلافة، بما يزيد من تقويض الاستمرارية. وقد انكمشت الحوكمة إلى شبكات محسوبية تقوم على جمود المانحين لا على رضا الجمهور.

ما زالت الأطراف الدولية تتصرف وكأن في وسعها الإبقاء على هذا الترتيب إلى ما لا نهاية. وهذا الافتراض يبدو اليوم منفصلاً عن الواقع. وإنشاء «مجلس السلام» يشير إلى أن بعض الدول، على الأقل، تدرك الحاجة إلى تجاوز بنية لم تعد تفي بغرضها القانوني أو السياسي. وليس ذلك إهانة دبلوماسية؛ بل إقرار ضمني بأن السلطة الفلسطينية لم تعد تستوفي المعايير التي أُنشئت بموجبها.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية لأن القانونية ليست مسألة تقنية. فهي تحدد المسؤولية. فإذا لم تعد السلطة الفلسطينية تلتزم بتعهداتها التأسيسية، تصبح مواصلة التعامل معها بوصفها هيئة حاكمة شرعية ضرباً من التخييل القانوني. والدول المانحة لا تموّل مجرد عدم كفاءة؛ بل تتكفّل بكيان خرق شروط وجوده.

ويعزز السياق الإقليمي هذا الاستنتاج. فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصلّب الرأي العام الإسرائيلي والإجماع البرلماني ضد إطار حل الدولتين القائم على عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة أو توسعها في أماكن أخرى. ولا يمثل هذا التحول تطرفاً أيديولوجياً؛ بل يعكس خبرة متراكمة. فعندما تنتهك سلطة ما التزاماتها الأمنية مراراً، تتآكل الشرعية على جانبي طاولة التفاوض.

والتقييم بسيط: سلطة أُنشئت باتفاق لا تبقى إلا ما دامت تلتزم ذلك الاتفاق. والسلطة الفلسطينية لم تعد تفعل. ولم ينشأ «مجلس السلام» لأن عملية السلام بحاجة إلى إعادة تسمية، بل لأنه ظهر بعد أن انهار الإطار القانوني القائم تحت وطأة تناقضاته.

ويقدّم التاريخ أمثلة كثيرة على كيانات سياسية عمرت بعد زوال أسسها القانونية. فهي تستمر بحكم العادة، أو الخوف من البدائل، أو الزخم المؤسسي، إلى أن تفرض بنية جديدة الاعتراف بالواقع. والسؤال الآن ليس ما إذا كان بالإمكان إصلاح السلطة الفلسطينية، بل ما إذا كانت قد تجاوزت بالفعل النقطة التي لم يعد الإصلاح عندها يعالج المشكلة الأساسية؟

وإذا كانت الشرعية مستمدة من الالتزام، وقد جرى التخلي عن الالتزام، فقد يكون نص الرثاء قد كُتب سلفاً. وقد لا يحل «مجلس السلام» محل السلطة الفلسطينية بين ليلة وضحاها، لكنه يشير إلى أن النظام الدولي يستعد لمشهد ما بعد السلطة. والتظاهر بغير ذلك يؤخر الوضوح على حساب المصداقية.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: Is the Palestinian Authority Still a Legal Entity?