دمشق تُميّع المسألة الكردية في سوريا
الشرع يسعى إلى فرض سيطرة أوسع على التمثيل السياسي الكردي بهدف إضعاف الأكراد.
سيروان كاجو صحفي وباحث متخصص في السياسة الكردية والتشدد الإسلامي والشؤون السورية. ساهم بفصلين في كتابين عن سوريا والأكراد، صدرا عن Indiana University Press وCambridge University Press. ونُشرت كتاباته عن القضايا السورية والكردية في منتدى الشرق الأوسط، ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وغيرها من المؤسسات البحثية والمنشورات البارزة. وكاجو أيضًا مؤلف رواية Nothing But Soot (لا شيء سوى السخام)، التي تدور أحداثها في سوريا. وهو حاصل على درجة البكالوريوس في الحكم والسياسة الدولية من جامعة جورج ميسون.

منذ توقيع اتفاق برعاية أمريكية مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في يناير 2026، أحرز النظام السوري تقدمًا في ترسيخ سيطرته على المسألة الكردية في البلاد.
وإلى جانب أن الاتفاق يصبّ في مصلحة الحكومة السورية، فقد استغلت دمشق موقعها لإعادة صياغة السردية المحيطة بالمظالم الكردية المتراكمة منذ زمن. ويبدو أن الهدف هو تقويض الشرعية الشعبية للفاعلين السياسيين الأكراد، ولا سيما مع تراجع استقلالية القوات العسكرية الكردية واندماجها في هيكل «الجيش العربي السوري».
ويبدو أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع استعار صفحة من كتاب شريكه الإسلامي، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. إذ تبدو أنقرة وكأنها تشكّل مقاربة الشرع للمسألة الكردية في سوريا، وتضع أطر كيفية إدارتها.
يُعدّ أردوغان، في آن واحد، أفضل وأسوأ ما حدث للأكراد في تركيا. ففي عهده خففت تركيا قيودًا قديمة على اللغة والثقافة الكرديتين، بما شمل حتى إطلاق قناة تلفزيونية حكومية ناطقة بالكردية. غير أن أردوغان سرعان ما تراجع عن أي تسامح أولي تجاه الأكراد. فبعد انهيار محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، دمّرت عمليات عسكرية تقودها الدولة بلدات ومدنًا كردية. كما عزلت حكومة أردوغان رؤساء بلديات أكرادًا منتخبين ديمقراطيًا من عشرات البلديات في جنوب شرق البلاد ذي الغالبية الكردية، وسجنت آلاف السياسيين والصحفيين والفنانين الأكراد.
وتنطبق المفارقة نفسها على نظام الشرع. فمن جهة، اتخذ خطوات غير مسبوقة بشأن الأكراد، مثل إقرار عيد نوروز عطلة وطنية، والاعتراف بالكردية لغة وطنية، وإطلاق وعود شكلية بحقوق ثقافية أخرى. لكنه، في المقابل، لم يُبدِ ترددًا يُذكر في استخدام القوة، بما في ذلك قتل المئات من الأكراد لمعارضتهم سلطة دمشق.
وهذا التحول في السياسة، في سوريا وتركيا على حد سواء، من الإنكار المطلق لوجود الأكراد إلى اعتراف محدود، لا تحركه نوازع ديمقراطية. بل يعكس حقيقة أن المسألة الكردية في البلدين، وفي عموم الشرق الأوسط، لم تعد مسألة غامضة أو ممكنة التجاهل.
ولتقويض الحضور الإقليمي والعالمي للأكراد، ولا سيما في الغرب، سعى الشرع إلى فرض سيطرة أكبر على تمثيلهم السياسي. وقد تجلى ذلك في مقاربته للحركة السياسية الكردية. ففي أبريل 2025، عقدت الأحزاب الكردية في سوريا، من مختلف أطياف المشهد السياسي، مؤتمرًا للوحدة اتفقت فيه على تشكيل وفد يمثل المصالح الكردية في المفاوضات مع دمشق. ومنذ ذلك الحين، جعلت الحكومة السورية الانتقالية من تقويض تلك الوحدة الكردية الهشة أولوية لها؛ فتتعامل أحيانًا بانتقائية مع أحزاب بعينها مع تهميش أخرى، وتتجاوزها أحيانًا أخرى بالكامل عبر استمالة شخصيات رمزية. ويعكس هذا الأخير تكتيكًا قديمًا استخدمته أنظمة متعاقبة في دمشق.
وتسعى السلطات الإسلامية كذلك إلى تقسيم الأكراد جغرافيًا. ففي سوريا، يتركز السكان الأكراد في محافظة الحسكة وكوباني وعفرين، ثلاث مناطق فصلت بينها مناطق ذات غالبية عربية نتيجة هندسة ديموغرافية متعمدة على مدى عقود. وخلال الحرب الأهلية، تمكنت القوات الكردية من توحيد هذه المناطق الثلاث، إلى جانب مناطق أخرى، تحت إدارة ذاتية بقيادة كردية. وقد أعادت الغزوات التركية المتعاقبة للمناطق ذات القيادة الكردية تشكيل هذا الواقع، ويسعى النظام السوري الجديد الآن إلى التعامل مع كل واحدة من هذه المناطق الثلاث على حدة، بهدف تفريغ المسألة الكردية كمشروع قومي متكامل من مضمونها وحصرها في كونها قضية إدارية أو اجتماعية-اقتصادية.
وخلال الهجوم الذي قادته الحكومة على القوات والمدنيين الأكراد في يناير 2026، برزت موجة من التضامن الكردي في عموم الشرق الأوسط وفي المهجر دعمًا لأكراد سوريا. وقد عزز ذلك الدعم مكانتهم السياسية على الرغم من الانتكاسات الكبيرة، وهو تطور لم يغب عن دمشق. فقد أدرك نظام الشرع سريعًا أن المكاسب العسكرية على حساب «قوات سوريا الديمقراطية» لا تكفي لكبح التطلعات الكردية إلى الحكم الذاتي.
وتعكس مقاربة دمشق المتطورة للمسألة الكردية استراتيجية استيعاب محدود مقرونة بسيطرة قسرية. وفي حين قد تخفف التنازلات الرمزية الضغط الدولي وترسم صورة عن الشمولية، فإنها تقصّر عن تلبية المطالب الكردية الجوهرية بتمثيل سياسي ذي معنى وبحكم ذاتي. وبينما تتغير الديناميات الإقليمية وتحافظ الشبكات الكردية على صلابتها، فإن جهود الحكومة السورية لتفتيت المجتمع الكردي قد تحقق بعض المكاسب القصيرة الأمد، لكنها من غير المرجح أن تنتج استقرارًا دائمًا.
