قرارات التمويل المؤقتة تقوّض الاستراتيجية الأميركية
غياب الموازنات النظامية يحدّ من قدرة وزارة الدفاع الأميركية على التخطيط والتسليح وتوزيع قواتها بفعالية.

يعلن كل رئيس أميركي جديد استراتيجيته تجاه الشرق الأوسط ومناطق أخرى، لكن أياً منها لن ينجح إذا اضطر البنتاغون إلى الاعتماد على قرارات التمويل المؤقتة بدلاً من الموازنات. فقرارات التمويل المؤقتة تدابير إسعافية تُبقي التمويل عند مستويات العام السابق لتفادي النقاش المطوّل في الكونغرس المصاحب لإقرار الموازنات طويلة الأجل. والخلل عابر للحزبين ويمتد عبر إدارات متعاقبة؛ إذ لم يقرّ الكونغرس الأميركي موازنة رسمية في موعدها منذ عام 1996.
أصبح الاعتماد على قرارات التمويل المؤقتة هو القاعدة في السنوات الأخيرة. فهذه التدابير الإسعافية تحول دون إغلاق الحكومة، لكنها تُربك بشدة قدرة وزارة الدفاع على التخطيط والشراء والتموضع بفاعلية. وهي، عملياً، تمنع التحديث أو إدخال تغييرات على الاستراتيجية، لأن ذلك يتطلب غالباً استثماراً أولياً يتجاوز موازنة التشغيل المعتادة. وفي زمن يحقق فيه خصوم أميركا تقدماً سريعاً في مجالات مثل الأسلحة فرط الصوتية والقدرات السيبرانية والأنظمة غير المأهولة، فإن هذا الجمود المالي ينطوي على مخاطر جسيمة.
تُظهر الأحداث الأخيرة، سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، والصراع المفتوح بين إسرائيل وإيران، والهجمات المباشرة على القوات الأميركية، أن الشرق الأوسط لا يزال مسرحاً بالغ الأهمية. فالتهديدات المنبعثة من المنطقة تتحدى المصالح الأميركية. وعلاوة على ذلك، فإن التنافس المستمر على النفوذ بين روسيا والصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط يبرز الحاجة إلى استراتيجية متماسكة وطويلة الأجل. وهذا لا يمكن تحقيقه بموازنة هزيلة تُرقّع على دفعات من أسابيع أو أشهر.
ولكي تنجح استراتيجية إدارة ترامب في الشرق الأوسط، ينبغي أن تبدأ بموازنة شاملة تعطي الأولوية لثلاثة مجالات: جهوزية القوات، والتحديث، وبناء التحالفات. فكل ركيزة من هذه الركائز تتطلب تمويلاً متوقعاً وكافياً، وهي شروط لا تستطيع قرارات التمويل المؤقتة توفيرها.
الجهوزية هي أساس الفاعلية العسكرية. فالقوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط يجب أن تكون مجهزة للردع، وإذا لزم الأمر، لهزيمة الخصوم في بيئة متقلبة. غير أن قرارات التمويل المؤقتة تقوّض الجهوزية عبر تأخير أعمال الصيانة، وتقليص دورات التدريب، وتقييد الحصول على الذخائر. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تعمل الوحدات المكلفة بعمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية أو بمهام الردع ضد إيران بمعدات وسلاسل إمداد لوجستية أنهكتها سنوات من الاستثمار المؤجل. ومن شأن موازنة طويلة الأجل أن تسمح بتخصيص الموارد في الوقت المناسب لضمان ألا تكون القوات المنتشرة حاضرة فحسب، بل متموضعة أيضاً على نحو يؤهلها للنجاح.
التحديث ضروري للحفاظ على التفوق التنافسي. وقد شددت إدارة ترامب على أهمية الاستثمار في التكنولوجيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي ومنظومات الدفاع الصاروخي والطائرات المقاتلة من الجيل الخامس. وهذه القدرات حاسمة لمواجهة التهديدات غير المتكافئة التي يشكلها الخصوم في الشرق الأوسط. لكن في ظل قرار تمويل مؤقت، تُجمَّد البرامج الجديدة. وهذا يعرّض للخطر مبادرات مثل تطوير منظومات دفاع جوي متقدمة لحماية حلفاء مثل السعودية وإسرائيل من الهجمات الصاروخية الإيرانية. وبإقرار موازنة طويلة الأجل، يستطيع الكونغرس تمكين الإدارة من تسريع هذه البرامج وضمان بقاء القوات الأميركية متفوقة تكنولوجياً.
وأخيراً، فإن بناء التحالفات، وهو ما ينبغي أن يكون حجر الزاوية في سياسة إدارة ترامب الخارجية في المنطقة، يتطلب دعماً مالياً مستداماً. لقد فتحت اتفاقيات إبراهيم قنوات جديدة للتعاون، لكن هذه الشراكات تحتاج إلى أن تُسنَد بالتزامات ملموسة. وسواء كان ذلك عبر تدريبات عسكرية مشتركة أو مبيعات أسلحة أو حوافز اقتصادية، فإن تعزيز الثقة وقابلية التشغيل البيني بين الحلفاء يستلزم تمويلاً متوقعاً. كما أن مواجهة النفوذ الإيراني في أماكن مثل اليمن والعراق ولبنان تتطلب نهجاً منسقاً يدمج الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. أما قرارات التمويل المؤقتة، بتخصيصاتها المجتزأة، فإنها تقوّض النهج الشامل اللازم لتثبيت هذه التحالفات.
قد يحتج المنتقدون بأن البيئة السياسية في واشنطن، التي يطبعها الانسداد الحزبي والمقامرة المالية على حافة الهاوية، تجعل إعداد موازنات طويلة الأجل أمراً غير واقعي. لكن هذه العقلية الانهزامية لا تفعل سوى تكريس حلقة الخلل. على إدارة ترامب أن تستفيد من الأغلبية الجمهورية المقبلة في الكونغرس للدفع نحو اتفاق موازنة يمنح الأولوية للأمن القومي. وسينضم كثير من الديمقراطيين إلى ذلك، لأن الأمن القومي أقل استقطاباً بكثير من كثير من القضايا الاجتماعية أو أولويات ترامب الكبرى. ستكون هناك خيارات صعبة ومقايضات، لكن ثمن التقاعس أعلى بكثير. فكل دولار يُهدر بسبب انعدام الكفاءة هو دولار كان يمكن استخدامه لردع الخصوم، أو دعم الحلفاء، أو حماية أرواح أميركية.
إن موازنة طويلة الأجل من شأنها أن ترسل إشارة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فهي تُظهر للحلفاء التزاماً بأهداف أمنية مشتركة. وتؤكد للخصوم عزم أميركا وجهوزيتها. وفي الشرق الأوسط، حيث يصنع الإدراك الواقع، تكون مثل هذه الإشارات بالغة القيمة.
