هل يدفع عدم الاستقرار والحرب سكة حديد الخليج إلى الانطلاق؟
دول الخليج العربية تدرك الحاجة إلى مسار بديل حين يتعطّل الربط البحري أو الجوي.
راديكا لاكشمنينارايانان باحثة ومؤرخة عملت مع مؤسسات رائدة في الكويت والهند لأكثر من ثلاثة عقود. وهي مؤلفة كتاب Small States Security Dilemma—Kuwait after 1991 (معضلة أمن الدول الصغيرة - الكويت بعد عام 1991).

قبل أكثر من عقدين، طُرحت فكرة شبكة سكة حديد الخليج لتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الخليج العربية الست عبر التجارة والسياحة. وقد أبرز النزاع الإقليمي المستمر الحاجة الملحّة إلى شبكة كهذه لترسيخ مرونة الاتصال. فعندما يُغلق المجال الجوي، وتتعرّض الموانئ لهجمات، وتصبح المسارات البحرية هشّة، لا يعود في وسع الدول الست الاعتماد حصراً على الشحن البحري لنقل الأشخاص والغذاء والإمدادات الطبية والسلع الصناعية ومواد البناء وغيرها من السلع الأساسية.
ورغم أن النقل البري يوفّر بديلاً قائماً، فإن له حدوده. إذ يظل نقل البضائع بالشاحنات عبر الحدود رهيناً بالإجراءات الحدودية والتخليص الجمركي وسعة الطرق وتوافر السائقين، كما أن الشحن البري لمسافات طويلة أكثر عرضة للازدحام المروري والحوادث والحرارة الشديدة والاضطرابات عند المعابر الحدودية. وبإمكان شبكة سكك حديدية أن تكمّل النقل البري عبر توفير ممر بري أعلى سعةً وأكثر قابلية للتنبؤ لنقل البضائع والركاب على حد سواء.
في مطلع الألفية الثالثة، اقترح مجلس التعاون الخليجي شبكة سكك حديدية تغطي نحو 1,315 ميلاً، من الكويت مروراً بالسعودية والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى عُمان. ويستهدف المشروع بلوغ التشغيل الكامل بحلول ديسمبر/كانون الأول 2030. غير أنه، رغم إفادة الهيئة الخليجية للسكك الحديدية في مايو/أيار 2026 بأن المشروع بمجمله بلغ 50 في المئة من الإنجاز، فإن هذا الرقم لا يكشف الفوارق الوطنية في وتيرة تطوير المشروع.
أنجزت الإمارات العربية المتحدة شبكتها «الاتحاد للقطارات» البالغ طولها 560 ميلاً، التي تربط الإمارات السبع. وتعمل خدمات الشحن منذ عام 2023، فيما انطلقت خدمات نقل الركاب على المستوى الوطني في يونيو/حزيران 2026. وبذلك توفّر الإمارات أساساً تشغيلياً للشبكة الإقليمية. أما وصلة «حفيت للسكك الحديدية» البالغ طولها 150 ميلاً، التي تربط الشبكة الإماراتية بصحار في عُمان، فكانت تقترب من 40 في المئة من الإنجاز في أبريل/نيسان 2026. أما في الكويت، فلا يزال المشروع على الورق، ولم تبدأ أي أعمال إنشائية كبرى في الجزء الخاص بها البالغ 69 ميلاً. وفي مايو/أيار 2026، أقرّت الكويت ممراً بطول 52 ميلاً لخط سريع منفصل يربط الكويت بالسعودية.
تشغّل السعودية بالفعل واحداً من أكبر أنظمة السكك الحديدية في المنطقة. وقد طرحت للتو مناقصة مقطعها من سكة حديد مجلس التعاون الخليجي بطول 417 ميلاً، من الخفجي قرب الكويت إلى البطحاء على الحدود مع الإمارات. وبذلك تمتلك السعودية سعة سككية كبيرة، غير أن البنية التحتية المحددة اللازمة لاستكمال شبكة سكة حديد الخليج لا تزال في مرحلتي التصميم والتوريد. أما قطر فبنت نظام مترو متطوراً قبل فعاليات كأس العالم فيفا 2022، كما أن قطاعها الحديدي المحلي متقدم. ومع ذلك، تبقى وصلة قطر بسكة حديد الخليج غير مكتملة. كما خطّطت قطر لوصلات سككية إلى الحدود السعودية لنقل الركاب والبضائع معاً. وبوصفها دولة جزرية، تواجه البحرين التحدي المادي الأكثر تفرّداً، إذ عليها أولاً أن ترتبط بالبر الرئيسي عبر جسر الملك حمد المقترح، وهو ممر بري وسككي بطول 35 ميلاً يربط البحرين بالدمام في السعودية. وتعتمد شبكة البحرين السككية على تقدّم البنية التحتية في السعودية وعلى مشروع الجسر. وتُبرز هذه المستويات المتباينة من التقدّم صعوبة تطوير الوصلات العابرة للحدود.
اليوم، تدرك دول الخليج العربية الحاجة إلى مسار بديل حين يتعطّل الاتصال البحري أو الجوي. ويمكن لشبكة السكك الحديدية أن تقلّص الاعتماد على نقل البضائع بالشاحنات لمسافات طويلة وأن تعزّز الروابط بين الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية والمراكز الصناعية. وقد تشكّل هذه الشبكة بوليصة تأمين استراتيجية لهذه الدول، تحديداً في اللحظة التي تكون فيها أنظمة النقل القائمة مهدَّدة.
لم يعد التحدي الأساسي هو توافر التمويل أو الخبرة التقنية، بل التنسيق السياسي والمؤسسي المطلوب لدمج ستة أنظمة سككية وطنية. وهذه أيضاً هي نقطة الضعف المركزية في المشروع. فمن دون التزام سياسي متواصل، يمكن لاختلاف الأولويات الوطنية والمعايير والتمويل والإجراءات الحدودية أن يستمر في تأخير قيام شبكة خليجية متكاملة فعلياً. وإذا أمكن استكمال الوصلات المادية وجعلها قابلة للتشغيل البيني، فبوسع السكة الحديدية أن تمنح المنطقة طبقة من المرونة الاقتصادية والأمنية تقلّص الاعتماد على المسارات البحرية والجوية الهشّة في أوقات الأزمات، حتى وإن لم تُلغِ التهديد، إذ إن السكك الحديدية أهداف ثابتة يمكن أن تصيبها المسيّرات أو الصواريخ. ومع ذلك، فإن خطوط السكك الحديدية، متى مُدّت، تكون أسهل إصلاحاً من غيرها من البنى التحتية.
يمكن للقيمة الاستراتيجية لشبكة السكك الحديدية أن تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الخليج العربي. فإذا ظل مضيق هرمز وباب المندب معطَّلَين، فستواجه التجارة العالمية صدمة كبرى. وبإمكان شبكة سككية خليجية مكتملة، مرتبطة بموانئ على خليج عُمان ومنها إلى أوروبا وآسيا، أن توفّر ممرات بديلة. فالوصلات عبر السعودية إلى الأردن وتركيا والأسواق الأوروبية قد تربط آسيا بأوروبا، فيما يمكن لموانئ مثل الفجيرة وصحار أن تربط أسواق الخليج العربية ببحر العرب والمحيط الهندي من دون المرور بهرمز.
لا يمكن لشبكة سكك حديدية أن تحلّ محل مضيق هرمز أو أنابيب النفط والغاز أو الموانئ أو النقل الجوي، لكنها تستطيع توفير ممر لوجستي بري متكامل يربط الاقتصادات الستة جميعها بالاقتصاد العالمي الأوسع.
