الإطار القانوني الناظم للقوات الباكستانية في السعودية
خلف الخطاب السياسي عن الأمن الجماعي تكمن مسألة قانونية وعملياتية معقدة تتعلق بعمليات الانتشار.

مع استمرار هجمات الحوثيين على السعودية، فعّلت الرياض اتفاقية مكة للدفاع المشترك. وتقوم مساهمة باكستان على عنصر حاسم، هو آلاف الجنود المتمركزين أصلًا على الأراضي السعودية.
وبعد تأكيد المدير العام للعلاقات العامة في جهاز الاستخبارات المشتركة الفريق أحمد شريف تشودري وجود انتشار باكستاني فعلي، اكتسب التحالف حضورًا ملموسًا على الأرض. غير أن خلف الخطاب السياسي عن الأمن الجماعي تكمن مسألة قانونية وعملياتية معقدة تحدد حدود انتشار القوات الأجنبية، وهي الوضع القانوني الناظم للقوات، والسيادة القضائية، والحدود العملياتية التي تعمل ضمنها القوات الباكستانية داخل الدولة المضيفة.
ويُعد اتفاق وضع القوات (Status of Forces Agreement، SOFA) أو ما يعادله من إطار قانوني ثنائي، حجر الزاوية في أي وجود عسكري أجنبي. وقد كشفت مقابلات خلفية مع كبار المسؤولين العسكريين الباكستانيين أنه، وفقًا للممارسة الدولية المعتادة وقواعد السيادة الإقليمية، يظل الأفراد الأجانب المتمركزون في دولة مضيفة خاضعين للولاية الإقليمية وللقوانين الجنائية للدولة المضيفة، ما لم تنص معاهدة صراحة على حصانة خارج الإقليم أو على اختصاص حصري بالمحاكمات العسكرية للدولة المُرسِلة.
ولا تزال أجزاء من اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجية الموقعة في سبتمبر/أيلول 2025 واتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس/آب 2026 المتعلقة بالولاية القضائية الجنائية سرية، لكن المخالفات الاعتيادية أو السلوك خارج أوقات الخدمة المرتكب على الأراضي السعودية يندرج، بالأساس، ضمن الولاية الإقليمية السعودية وأطرها القانونية القائمة على الشريعة.
وتفرض هذه الازدواجية في الولاية القضائية قيودًا عملياتية وإدارية فورية. فبينما تحتفظ السلطات السعودية بالولاية الإقليمية الأساسية على الجرائم المرتكبة على أراضيها، تمتلك القوات المسلحة الباكستانية آليات انضباط داخلية بموجب قانون الجيش الباكستاني لعام 1952. وقد تفضي المخالفات التي تنتهك القواعد العسكرية إلى إجراءات عسكرية موازية أو محاكمة عسكرية أو إعادة إدارية إلى الوطن، رهنًا بالتنسيق الدبلوماسي وبما ينتهي إليه النظام القضائي السعودي.
ولإدارة هذه المخاطر القانونية وتفادي الاحتكاك مع السلطات الدينية المحلية، تفرض أنظمة الدولة المضيفة والقيادات العسكرية الباكستانية قيودًا صارمة على الحركة خارج القواعد. ويعمل الأفراد المنتشرون في أدوار الإسناد والاستشارة والدفاع إلى حد كبير داخل منشآت عسكرية محددة، مع حصر الحركة خارج القاعدة في المهام المصرح بها أو التنقل الرسمي أو عمليات الإمداد والتموين المنضبطة.
ويستند الانضباط المؤسسي لعمليات الانتشار الباكستاني في السعودية إلى سابقة تمتد لأكثر من سبعة عقود. فقد بدأت العلاقات العسكرية الثنائية بمعاهدة الصداقة لعام 1951، وتوسعت خلال ستينيات القرن الماضي حين ساعد أفراد باكستانيون في تدريب القوات الجوية الملكية السعودية وصيانتها.
ووقع أول انتشار عملياتي كبير في أواخر عام 1979، حين ساعدت القوات الخاصة والأفراد العسكريون الباكستانيون السلطات السعودية خلال حصار المسجد الحرام في مكة. وعلى امتداد هذا الوجود الذي استمر عقودًا، حافظ الأفراد العسكريون الباكستانيون على سجل مهني بالغ الصرامة، إذ لم تتهم السلطات السعودية قط جنديًا باكستانيًا واحدًا منتشرًا في المملكة بارتكاب جريمة جنائية أو مخالفة قانونية محلية.
وعلاوة على ذلك، التزامًا بالقانون العسكري الصارم وقواعد التناوب، لم يتزوج أي عسكري باكستاني في مهمة رسمية من مواطنة سعودية. ويعكس هذا السجل بنية قيادة شديدة الانضباط صُممت خصيصًا لاحترام الأعراف الثقافية للدولة المضيفة ومنع الاحتكاك القانوني.
ويتناقض هذا الانضباط العسكري على نحو حاد مع التحديات القانونية التي تواجهها الجالية المدنية الباكستانية الأوسع في المملكة. ففي يناير/كانون الثاني 2025، أبلغت وزارة الخارجية الباكستانية الجمعية الوطنية بأن أكثر من 10,000 مواطن باكستاني محتجزون في السعودية بين الرياض وجدة لجرائم نظامية متنوعة، تتراوح بين مخالفات التأشيرات وأمن الحدود والاتجار بالمخدرات والجرائم الإلكترونية والاحتيال المالي.
ويبرز تعرض المغتربين العاديين للهشاشة القانونية أهمية بنى القيادة المؤسسية والقواعد العسكرية المغلقة والبروتوكولات التأديبية المتخصصة في صون وضع القوات المسلحة الأجنبية العاملة في الخارج ونزاهتها.
وتؤثر هذه القيود القانونية والسيادية في الواقع العملياتي للحلف الثلاثي. فوجود القوات الباكستانية لا يمنح تفويضًا تلقائيًا أو شيكًا على بياض لعمل هجومي، ولا سيما عبر الحدود الدولية إلى اليمن. فالقوات المتمركزة توفر ميزة في حماية القوات وتنسيق الدفاع الجوي وتأمين البنية التحتية الحيوية داخل السعودية.
غير أن الانتقال من الدفاع الإقليمي إلى القتال المباشر ضد قوات الحوثيين يتطلب تفويضات سياسية وأوامر عملياتية صريحة وقواعد اشتباك واضحة متفقًا عليها بين جميع شركاء التحالف.
وفضلًا عن ذلك، تفرض استراتيجية إسلام آباد الإقليمية الأوسع توازنًا دقيقًا. فقد سعت باكستان إلى الإبقاء على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع طهران، واضعة نفسها في موقع الوسيط في النزاعات الإقليمية. ولأن إيران تقدم دعمًا ماديًا وسياسيًا للحوثيين، فإن تورط القوات الباكستانية المباشر في اليمن سيقوض الموقف الدبلوماسي لإسلام آباد ويخاطر بتوريط باكستان في مواجهة إقليمية أوسع. ويتيح التمييز بين الإسناد داخل الأراضي السعودية والتدخل عبر الحدود لباكستان الوفاء بالتزاماتها الأمنية تجاه الرياض من دون التنازل عن سيطرتها العملياتية الوطنية أو التخلي عن موقفها الدبلوماسي.