هجوم كنيسة الكرك يختبر رد الأردن وإسرائيل معنيّة بالنتيجة
استقرار الأردن السيادي يبقى الحاجز الاستراتيجي الأخير الذي يمنع الفوضى المتطرفة من ابتلاع غور الأردن.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، فتح مهاجمون مسلحون النار خلال مراسم جنازة قرب كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود، الواقعة في محافظة الكرك جنوب الأردن، إلى الجنوب من عمّان. وأفادت مديرية الأمن العام الأردنية في البداية بسقوط ستة قتلى و28 مصابًا، قبل أن تعدّل الحصيلة الرسمية في إحاطة مسائية إلى سبعة قتلى و34 مصابًا. وأبلغ وزير الصحة الأردني، على نحو منفصل، وكالات أنباء دولية بأن 40 شخصًا أصيبوا، ما يوضح تضارب المعلومات الأولية المعتاد في حصائل الضحايا العاجلة الواردة من المناطق الريفية. وأشارت روايات شهود عيان ومقاطع مصوّرة متداولة إلى أن مسلحين أطلقوا النار باتجاه المعزّين المتجمعين خارج الكنيسة قبل أن يفرّوا من المكان.
سارع وزير الداخلية الأردني مازن الفراية إلى توصيف إطلاق النار القاتل بأنه هجوم إرهابي متطرف، فيما توعّد الملك عبد الله الثاني المسؤولين عنه بأقسى العقوبات. وقال ناطقون رسميون إنه من المبكر تحديد ما إذا كان المنفذون ينتمون إلى تنظيم مسلح معروف، ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها الفورية عن سفك الدماء.
بعد وقت قصير من الإحاطات الرسمية الأولى، أصدر المدعي العام لعمّان حسن العبداللات قرار حظر نشر قضائي شاملًا بشأن القضية. وحظر القرار الرسمي على وسائل الإعلام والمنشورات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي تداول معلومات تتعلق بإجراءات التحقيق أو الأدلة المجموعة أو القرار نفسه، مع استثناء القنوات الإعلامية الحكومية المحددة العاملة تحت إشراف وزاري وحدها. وأوضحت السلطات القضائية لاحقًا أن هذا التقييد القانوني يهدف إلى حماية نزاهة التحقيق من دون منع الإدانة العامة أو النقاش المدني الواسع للمأساة. ومع تصنيف المهاجمين بأنهم متطرفون عنيفون، يبقى إعدادهم اللوجستي وتطورهم العملياتي ودوافعهم الكامنة غير مؤكدة رسميًا من جانب المدعي العام.
وقعت مأساة حمود على خلفية احتكاك إقليمي حاد على ضفّتي نهر الأردن. ففي اليوم نفسه، أمرت سلطات الدفاع الإسرائيلية بفرض طوق أمني مشدد حول الخليل، وأوعزت إلى الوحدات المسلحة بالاستعداد لإغلاق شامل محتمل للضفة الغربية في أعقاب هجوم مسلح قرب الخليل أودى بحياة جنديين إسرائيليين. ومع أن الحادثتين الدمويتين وقعتا في الجمعة ذاتها، فلا يوجد دليل يثبت صلة عملياتية بينهما، وعلى المحللين تقييمهما بشكل منفصل ما لم تثبت نتائج جنائية موثوقة خلاف ذلك. غير أن تزامنهما يبرز واقعًا جيوسياسيًا لا مفر منه يواجه صناع القرار الإقليميين. فالأردن وإسرائيل كلاهما يدير تحديات أمنية داخلية متزامنة في حقبة من الصراع الأوسع. وعلى مدى ثلاثة عقود، اعتمدت البنية الأمنية المشتركة القائمة على طول غور الأردن على إدراك متبادل مفاده أنه لا يجوز السماح للعنف المحلي بأن يقوّض استقرار الحدود.
يقتضي تقييم الأثر المؤسسي للهجوم مراجعة التاريخ العملياتي الفريد لمحافظة الكرك. فالكرك، الواقعة على الهضبة الوعرة شرق البحر الميت، شكّلت منذ وقت طويل ركيزة ديموغرافية حاسمة لهوية الضفة الشرقية الأردنية، حيث تعايشت عائلات مسيحية عريقة على مدى أجيال مع عشائر مسلمة تقليدية يرسّخ ولاؤها الملكية الهاشمية. إلا أن المنطقة تحتفظ أيضًا بذكرى مقلقة تعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2016، حين تُوّجت مواجهات مسلحة بين عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية وقوات الأمن باشتباك عنيف في قلعة الكرك. وأودت تلك المواجهة بأربعة عشر شخصًا، بينهم أربعة مهاجمين وسبعة من رجال الأمن وثلاثة مدنيين. ومع أن تلك الأزمة السابقة أثبتت أن الخلايا المسلحة قادرة على استغلال الجغرافيا الطرفية لتنفيذ عمليات، فإن دماء يوم الجمعة يجب أن تُقيَّم حصرًا على أساس وقائع قابلة للتحقق لا على افتراض استمرارية أيديولوجية. فالسابقة التاريخية تستدعي يقظة مهنية من دون أن تملي استنتاجات مبكرة عن المنفذين.
لفهم البيئة الأيديولوجية المحيطة بالأمن الإقليمي، لا بد من دراسة الطبيعة التدميرية للإسلاموية السياسية. فالإسلاموية ليست تعبيرًا عن إيمان أو تديّن شخصي؛ إنها أيديولوجيا سياسية حديثة شمولية مصممة لإخضاع الحكم المدني والمؤسسات القانونية السيادية للعقيدة الكهنوتية. وسواء عبّرت عن نفسها عبر التغلغل الاجتماعي التدريجي الذي تمارسه جماعة الإخوان المسلمين أو عبر العنف المسلح الذي تتبناه الجماعات السلفية الجهادية، فإن الإسلاموية السياسية ترفض جوهريًا المفهوم الحديث للمواطنة المتساوية داخل دولة قومية تعددية. وبتأكيدها أن الشرعية السياسية تقوم على التفوق اللاهوتي لا على القانون الدستوري، تحوّل العقائد الإسلاموية الخلافات المدنية إلى صراعات وجودية بين مؤمنين ومرتدين. وهذا التعصب العقائدي يهدد مباشرة التعايش المجتمعي في أنحاء الشرق الأوسط. فحين تخترق السرديات الإسلاموية الخطاب العام، تُختزل الأقليات الدينية الأصلية إلى تسامح هشّ، مجرّدة من المساواة المدنية الكاملة. ويتوقف الأمن بعيد المدى للدول العربية ذات السيادة على الرفض الحازم لفرضية أن الإسلاموية السياسية يمكن أن تتعايش مع الاستقرار الدستوري.
يبرز هذا السياق الأيديولوجي سبب كون اختيار الهدف في حمود يستدعي تقييمًا دقيقًا. فقد أدانت بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس الاعتداء ووصفته بأنه عمل دنيء وجبان ودموي، بما يعكس قلقًا عميقًا في أوساط الجماعات المسيحية الأصلية في أنحاء بلاد الشام. وإذا أثبتت التحقيقات الرسمية الجارية أن الضحايا استُهدفوا تحديدًا على أساس ديني، فستكون التداعيات الداخلية في الأردن كبيرة. فالعقد الاجتماعي للمملكة يستند بقوة إلى الوئام بين الأديان، حيث يتمتع المواطنون المسيحيون بحماية دستورية صريحة تحت الرعاية الهاشمية. والهجوم الهادف إلى ترهيب أقلية دينية يضرب صميم هذا الترتيب. وفي المقابل، إذا خلص المحققون إلى أن التجمع اختير انتهازيًا لأن جنازة في الهواء الطلق وفّرت حشدًا سهل المنال وغير محمي، فستكون التبعات السياسية أسهل احتواءً بكثير. وبالنسبة إلى إسرائيل، يحدد هذا الاختبار الأول ما إذا كانت السلطات الأردنية تواجه فعلًا إجراميًا معزولًا أم محاولة أيديولوجية محسوبة لتصديع التعددية الداخلية للمملكة.
يتكشّف هذا التحدي الأمني وسط تيارات سياسية متقاطعة معقدة داخل المملكة الأردنية الهاشمية. فقد عمّقت الحرب المطوّلة في غزة الغضب الشعبي في أنحاء الأردن، وغذّت تظاهرات متواصلة في الشوارع تطالب بالإنهاء الرسمي لمعاهدة السلام الموقعة عام 1994 مع إسرائيل. وتتطلب إدارة هذا السخط الواسع مع الحفاظ على الالتزامات التعاهدية الدولية حوكمة منضبطة من الإدارة الملكية. وفي أبريل/نيسان 2025، حظرت الحكومة الأردنية رسميًا جماعة الإخوان المسلمين ومنعت التنظيم من العمل داخل المملكة. واستمر جناحها البرلماني التاريخي، حزب جبهة العمل الإسلامي، في العمل ككيان سياسي مرخّص، وحقق مكاسب انتخابية كبيرة في الانتخابات البرلمانية في سبتمبر/أيلول 2024. وفي أبريل/نيسان 2026، أعلن الحزب أنه يعتمد اسم حزب الأمة لمعالجة مخاوف تتعلق بالامتثال التنظيمي أثارتها الهيئة المستقلة للانتخاب بشأن نظامه الداخلي. ولا يمكن مساواة المعارضة السياسية الشديدة للمعاهدات الخارجية بالتورط العملياتي في الإرهاب.
يقيّم الاختباران الثاني والثالث العمق التنظيمي والمخاطر العابرة للحدود. فإذا خلص المحققون إلى أن مطلقي النار تصرفوا كأفراد تطرّفوا ذاتيًا مستخدمين أسلحة حُصّلت محليًا، تبقى الحادثة مسألة شرطية محصورة. غير أن اكتشاف خلايا سرية منظمة أو عتاد عسكري المستوى سيشير إلى حضور متطرف أعمق. وقد ركّزت إسرائيل كثيرًا على ممرات العبور غير المشروعة عبر الأردن، معززةً جدارًا شرقيًا مخططًا بطول 500 كيلومتر. لكن التهريب الموثّق لا يثبت وجود صلة بالكرك. فالمصلحة الاستراتيجية الحقيقية للقدس تكمن في المناعة المؤسسية للأردن. فمعاهدة 1994 ترسّخ حاجزًا شرقيًا مستقرًا ومراقَبًا باحتراف يتيح لإسرائيل توجيه موارد الدفاع نحو جبهات قتال نشطة في أماكن أخرى. ويقتضي الحفاظ على هذا الحاجز تجنّب الإثارة والتهويل في انتظار نتائج جنائية مُتحقَّق منها.
يجب أن يجمع الموقف الإسرائيلي بين تنسيق أمني هادئ ودعم ثابت لقدرة الدولة الأردنية. فمواجهة التيارات الأيديولوجية للإسلاموية السياسية مع احترام الحدود القانونية القائمة تضمن ألا يصدّع العنف المحلي السلام الذي لا غنى عنه والذي يحمي البلدين على طول حدودهما المشتركة الحيوية.
إن سفك الدماء في الكرك جرس إنذار لا تخطئه مؤسسات الأمن القومي في أنحاء الشرق الأوسط. وبينما تدير إسرائيل تهديدات على جبهات قتال نشطة متعددة، فإن الحفاظ على حدود شرقية محصّنة وذات مناعة يتطلب أكثر بكثير من حواجز أمنية مادية ومنظومات مراقبة. إنه يتطلب هزيمة فكرية وعملياتية حاسمة للإسلاموية السياسية قبل أن تتجذّر الشبكات المتطرفة أعمق. ويبقى الاستقرار السيادي للأردن الحاجز الاستراتيجي الأخير الذي يمنع الفوضى المتطرفة من ابتلاع غور الأردن. وإذا تعامل قادة المنطقة مع هذا الهجوم على الكنيسة بوصفه حدثًا معزولًا، فإنهم يخاطرون بالسماح للأيديولوجيا الإسلاموية الراديكالية بتقويض أسس السلام الإقليمي. فعبر مواجهة شبكات التجنيد المتطرفة، ورفض المهادنة الأيديولوجية، وتعميق التنسيق الاستخباري الهادئ لمكافحة الإرهاب، تستطيع القدس وعمّان حماية حدودهما المشتركة بشكل حاسم وتأمين التعايش الإقليمي بعيد المدى في وجه التهديدات الأيديولوجية الناشئة.
نُشر أصلًا في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)