تصديع النظام الإيراني
من الضغط إلى الانتقال: استراتيجية متكاملة للتغيير السياسي في إيران
يُعدّ Seth D. Kaplan خبيراً بارزاً في شؤون الدول الهشّة والتحوّلات السياسية ومنع النزاعات. وهو محاضر برتبة أستاذ في كلية بول إتش. نيتزه للدراسات الدولية المتقدمة (SAIS) في جامعة جونز هوبكنز، ومستشار لمنظمات مثل البنك الدولي ووزارة الخارجية الأمريكية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، فضلاً عن حكومات دول نامية ومنظمات غير حكومية. ويطرح كتابه الأحدث، Fragile Neighborhoods (الأحياء الهشّة)، رؤية جديدة جريئة لمعالجة التدهور الاجتماعي في أمريكا، منطقة بريدية تلو الأخرى.

ملخص تنفيذي
لقد بدّلت الحملة العسكرية والاقتصادية ضد الجمهورية الإسلامية ميزان القوى الإقليمي على نحو جذري، لكنها لم تبدّل بعد الأسس السياسية للنظام الإيراني. فقد تراجعت القدرات العسكرية الإيرانية تراجعاً كبيراً، ومع ذلك يواصل فيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) الحفاظ على تماسك النظام السياسي، وقمع المعارضة الداخلية، وإظهار قدر كافٍ من القوة بما يضمن استمرارية النظام. وعليه، لم يعد التحدي الاستراتيجي المركزي يتمثل في كيفية إضعاف إيران عسكرياً، بل في كيفية تحويل التفوق العسكري والإكراه الاقتصادي إلى انتقال سياسي مستدام.
تجادل هذه الورقة بأن مركز الثقل الحاسم هو التحالف الحاكم المتمحور حول الحرس الثوري، لا ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية. فالأنظمة الاستبدادية نادراً ما تنهار لمجرد سخط السكان، لكنها تصبح عرضة للخطر حين تتآكل ثقة النخب، وتبرز مؤسسات سياسية بديلة، ويعجز النظام عن إقناع مؤيديه بأنه يمثّل المسار الأكثر أماناً نحو الاستقرار.
وبناء على ذلك، يتطلب الانتقال الناجح استراتيجية سياسية متكاملة تقوم على أربعة أهداف يعزز بعضها بعضاً: تعزيز معارضة موحدة قادرة على الحكم، وتفكيك التحالف الحاكم للنظام عبر انخراط متمايز مع النخب، والهيمنة على بيئة المعلومات، ومنافسة النظام اقتصادياً من خلال ضغط موجّه، ودعم المقاومة المدنية، وطرح رؤية مقنعة لازدهار ما بعد الانتقال. ويبقى الضغط العسكري والاقتصادي ضرورياً، ولكن بقدر ما يتيح فرصاً لتبلور هذه الديناميكيات السياسية.
ويجادل التقرير أيضاً بأن إقامة جيوب معارضة محمية داخل إيران قد تتيح حيزاً سياسياً آمناً تستطيع مؤسسات المعارضة انطلاقاً منه التنظيم والحكم وإظهار سلطة بديلة ذات صدقية. ومع مرور الوقت، ينبغي أن تتمدد هذه الجيوب إلى ما وراء مناطق الأقليات الطرفية لتصل إلى قلب إيران ذي الأغلبية الفارسية، بما يعزز منع السيطرة على الأرض، ويقوّض ثقة النخب، ويدعم الشرعية الوطنية.
وأخيراً، تقترح الورقة أدواراً تكاملية للولايات المتحدة وإسرائيل. فعلى الولايات المتحدة أن تقود الجهود السياسية والاقتصادية والإعلامية وجهود التخطيط للانتقال، فيما تواصل إسرائيل تقويض القدرات القسرية للنظام عبر عمليات عسكرية واستخباراتية متواصلة. وينبغي أن تظل كل مساعدة خارجية متكتمة وأن تدعم انتقالاً سياسياً بقيادة إيرانية لا لبس فيها. فالهدف ليس مجرد إضعاف الجمهورية الإسلامية، بل ضمان أن يكون هناك بديل ذو صدقية جاهزاً ليحل محلها حين تحين فرصة التغيير.
مقدمة: النظام أضعف، لكنه ليس هشاً بعد
دخل الشرق الأوسط حقبة استراتيجية جديدة. فمنذ فبراير 2026، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية مطولة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، حوّلت عقوداً من المواجهة بالوكالة إلى صراع مباشر بين الدول. وما بدأ بوصفه جهداً لتقويض برنامج إيران النووي وقدراتها العسكرية تطور إلى حرب إقليمية ممتدة عبر الخليج الفارسي والعراق وبلاد الشام والبحر الأحمر. وقد تكبدت إيران خسائر كبيرة: قُتل قادة عسكريون كبار، وتضررت عناصر من بنيتها التحتية النووية ومنظومتها الصاروخية، وتآكل جزء كبير من بنية الردع الإقليمية التي شُيّدت على مدى أربعة عقود بجهد كبير. ومع ذلك، فقد كشفت ثمانية أشهر من الحرب حقيقة غير مريحة: فعلى الرغم من الضغط العسكري المكثف، لا تزال الجمهورية الإسلامية في السلطة، وتواصل القتال، وتحتفظ بالقدرة على تهديد الاستقرار الإقليمي على نطاق لم يتوقعه إلا قلة.
ينبغي أن ترسم هذه المفارقة ملامح السياسة المستقبلية تجاه إيران. فالدرس الرئيس من الحرب ليس ببساطة أن إيران أصبحت أضعف مما كانت عليه، بل أن التقويض العسكري وحده ثبت عدم كفايته لإحداث تغيير سياسي. لقد أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على إلحاق أضرار جسيمة بقدرات إيران العسكرية، لكنهما لم تُظهرا بعد كيف يمكن ترجمة النجاح العسكري إلى انهيار النظام السياسي الذي أنتج تلك القدرات في المقام الأول.
بل إن كان للصراع أن يكشف سمة فارقة واحدة للجمهورية الإسلامية فهي المرونة المؤسسية. فقد تكيف النظام مع الانتكاسات العسكرية المتكررة عبر تشتيت الأصول، ولامركزة هياكل القيادة، والاعتماد على شبكات إنتاج احتياطية، ونقل الصراع إلى ميادين يحتفظ فيها بمزايا غير متناظرة مهمة. وبدلاً من القبول بالهزيمة الاستراتيجية، وظفت طهران ما تبقى لديها من نقاط قوة، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة والإكراه البحري والعمليات السيبرانية والشركاء الإقليميين الذين ما زالوا صامدين، لفرض كلفة مستمرة على خصومها. وبذلك ذكّرت صناع القرار بأن إيران، حتى وهي أضعف، تظل قادرة على تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية.
ولعل هذا التكيف لم يكن أوضح منه في الخليج الفارسي. فطوال الصراع، أظهرت إيران مراراً قدرتها على تهديد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وباستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى والقوات البحرية وهجمات الوكلاء والتكتيكات البحرية القسرية، استهدفت طهران مراراً دول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية، وحركة الشحن التجارية، والبنية التحتية الإقليمية للطاقة. ومع أن هذه العمليات لم تغلق مضيق هرمز إغلاقاً دائماً، فإنها عطلت الحركة التجارية مراراً، ورفعت أسعار الطاقة عالمياً، وفرضت نشر قوات بحرية كبرى، وذكّرت الحكومات الإقليمية بأن إيران لا تزال تملك القدرة على تعريض تجارة الخليج للخطر رغم شهور من العمليات العسكرية المكثفة. وتمثل هذه القدرة على فرض كلف استراتيجية مع امتصاص العقاب العسكري في الوقت نفسه أحد أهم دروس الصراع الراهن.
يكمن التفسير في طبيعة الدولة الإيرانية نفسها. فليس فيلق الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) مجرد منظمة عسكرية أخرى تحمي حكومة تقليدية في سائر جوانبها، بل تطور ليصبح العمود الفقري المؤسسي للجمهورية الإسلامية، بوصفه مشروعاً سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً وأيديولوجياً يربط مؤسسات النظام القسرية وسلطات المحافظات والشبكات التجارية والمؤسسات الدينية والصناعات الاستراتيجية. وهو يموّل نفسه عبر ممتلكات تجارية واسعة، ويوجه القمع الداخلي عبر أجهزة أمنية متداخلة، ويُظهر القوة في الخارج عبر قوات الصواريخ والطائرات المسيّرة والأصول البحرية والشركاء الإقليميين. وما دامت هذه البنية المؤسسية متماسكة، يحتفظ النظام بقدرة استثنائية على امتصاص الصدمات الخارجية مع الحفاظ على السيطرة الداخلية.
وتفسر هذه المرونة أيضاً لماذا أخفقت موجات متعاقبة من الاضطرابات الداخلية في إحداث انتقال سياسي رغم المعارضة الشعبية الواسعة. فعلى مدى العقدين الماضيين، عبّر ملايين الإيرانيين مراراً عن رفضهم للجمهورية الإسلامية عبر احتجاجات على مستوى البلاد، وإضرابات عمالية، وحملات لحقوق المرأة، ونشاط طلابي، ومقاومة مدنية. ومع ذلك، اصطدمت كل حركة في نهاية المطاف بالاختلال البنيوي نفسه: جهاز أمني متماسك في مواجهة معارضة لا تزال مفككة سياسياً، ضعيفة التنظيم، وعاجزة عن تقديم بديل حاكم موحد. فالشرعية وحدها لا تُسقط نظاماً، التنظيم هو الذي يفعل.
وتؤكد الخبرة المقارنة هذا الاستنتاج. فالأنظمة الاستبدادية الراسخة نادراً ما تنهار لأن السكان باتوا ساخطين؛ إنها تنهار حين تبدأ ثقة النخب بالتصدع. إذ يعيد القادة السياسيون والمسؤولون الأمنيون والفاعلون الاقتصاديون والمديرون البيروقراطيون النظر في ولائهم عندما يخلصون إلى أن النظام لم يعد قادراً على حماية مصالحهم، وعندما ترتفع كلفة استمرار الولاء، وعندما تكشف معلومات موثوقة عن ميزان القوى السياسي الحقيقي، وعندما تبدو حكومة بديلة قابلة للحياة قادرة على حفظ النظام. وباختصار، يتوقف تفكك الاستبداد على عدم يقين النخب أكثر مما يتوقف على إقناع الجماهير.
وتحمل هذه الرؤية دلالات عميقة على الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية. فالتحدي لم يعد مجرد إضعاف الجمهورية الإسلامية، بل ترجمة الضغط العسكري والاقتصادي المستمر إلى ظروف تتيح انتقالاً سياسياً بقيادة إيرانية. ويمكن للفاعلين الخارجيين المساعدة في خلق تلك الظروف عبر زيادة عدم اليقين داخل النظام، مع العمل بهدوء على تعزيز القدرة التنظيمية والمناعة والصدقية لبديل محلي. ولأن شرعية أي حكومة مقبلة ستتوقف على استقلالها، ينبغي أن يبقى الدعم الخارجي متكتماً قدر الإمكان، بما يوسّع فرص التنظيم السياسي الإيراني من دون أن يتصدر المشهد علناً.
تجادل هذه الورقة بأن الانتقال السياسي يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على أربعة أهداف يعزز بعضها بعضاً: تعزيز معارضة موحدة، وتفكيك التحالف الحاكم للنظام، والهيمنة على بيئة المعلومات، ومنافسة النظام اقتصادياً مع تقديم رؤية واقعية للتعافي الوطني. كما تجادل بأن إنشاء جيوب معارضة محمية داخل إيران يمكن أن يوفر الأساس التنظيمي الذي تستطيع مؤسسات المعارضة انطلاقاً منه البقاء والتوسع والاستعداد للحكم. وليس دور الفاعلين الخارجيين توجيه هذه العملية، بل تهيئة الظروف التي يمكن أن تنجح في ظلها. وعليه، لم تعد المواجهة الحاسمة تدور حول ما إذا كان بالإمكان إضعاف الجمهورية الإسلامية عسكرياً، بل حول ما إذا كان بالإمكان إزاحة ما تبقى من أسسها السياسية بصورة منهجية لصالح بديل إيراني ذي صدقية.
الجزء الأول: الحرس الثوري بوصفه مركز الثقل
إن مركز الثقل الحاسم للجمهورية الإسلامية ليس ما تبقى من قدرتها العسكرية، بل تماسك المنظومة السياسية-الأمنية المتمحورة حول الحرس الثوري. فالحرس أكثر من منظمة عسكرية، إذ يربط مؤسسات النظام القسرية وأجهزة الاستخبارات والشبكات الاقتصادية وسلطات المحافظات والقيادة السياسية في تحالف حاكم يعزز بعضه بعضاً، وقد أثبت مراراً قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات الخارجية. وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي المركزي ليس مجرد كيفية تقويض قدرات إيران العسكرية، بل كيفية تصديع العلاقات المؤسسية التي تمكّن النظام من البقاء.
لقد حولت عملية الخلافة الجمهورية الإسلامية من دولة ثورية يقودها رجال الدين ويساندها الحرس الثوري إلى دولة أمنية يهيمن عليها الحرس الثوري وتستبقي الشرعية الدينية بوصفها إحدى أدوات الحكم. ومع أن المرشد الأعلى يبقى الأسمى دستورياً، فإن السلطة الفعلية انتقلت على نحو حاسم إلى المؤسسات التي تمارس القوة القسرية، وتسيطر على الموارد الاقتصادية، وتحافظ على انضباط النخبة. لذلك، لا يكمن مركز ثقل النظام في قائد فرد، بل في تماسك الحرس الثوري نفسه.
وتعتمد متانة هذا التحالف على توقعات مشتركة بشأن المستقبل أكثر مما تعتمد على وحدة أيديولوجية. فكثير من قادة الأعمال الإيرانيين ومسؤولي المحافظات والتكنوقراط والبيروقراطيين، بل وحتى أفراد من الأجهزة الأمنية، قد يتساءلون سراً عن مسار البلاد. غير أن السخط نادراً ما يفضي إلى انشقاق، لأن الأنظمة الاستبدادية تخلق معضلة عمل جماعي: إذ لن يخرج كثير من النخب عن الصف قبل أن يعتقدوا أن آخرين مستعدون لفعل الشيء نفسه. ولا تصبح الانتقالات السياسية ممكنة إلا عندما تنقلب تلك التوقعات، عندما يخلص نافذون من داخل النظام إلى أنه لم يعد قادراً على حماية مصالحهم وأن حكومة بديلة ذات صدقية توفر نقطة ارتكاز للانسحاب المنسق.
وليس هذا التحالف كتلة صماء. فمصالح كبار قادة الحرس الثوري تختلف جوهرياً عن مصالح التكنوقراط وإداريي المحافظات ومديري الشركات المملوكة للدولة والقضاة وقادة الأعمال وموظفي الخدمة المدنية المهنيين وضباط الجيش النظامي. وتواجه هذه الفئات حوافز مختلفة، وتمتلك مواطن ضعف مختلفة، وستستجيب على نحو متباين مع تصاعد عدم اليقين. لذلك، تتوقف استراتيجية الانتقال الفاعلة على التمييز بينها بدلاً من تطبيق ضغط موحد. وينبغي أن تظل المحاسبة مركزة على المسؤولين عن القمع والفساد، فيما تُخلق فرص واضحة للآخرين للانسحاب من دون خوف من انهيار مؤسسي أو انتقام عشوائي. ويضعف هذا التمييز حوافز المقاومة الجماعية، مع الحفاظ على القدرة المؤسسية اللازمة لحكم ما بعد الانتقال.
والخلاصة المركزية واضحة: الهدف ليس مجرد إضعاف القدرات العسكرية للحرس الثوري، بل تقويض التحالف السياسي الذي ينظمه الحرس ويحميه ويعتمد عليه في نهاية المطاف لبقاء النظام. لذلك ينبغي تقييم كل عنصر لاحق من عناصر الاستراتيجية وفق سؤال واحد: هل يزيد عدم اليقين داخل التحالف الحاكم للنظام، مع تعزيز الثقة ببديل إيراني ذي صدقية؟
الجزء الثاني: إطار للانتقال السياسي
إذا كانت مرونة الجمهورية الإسلامية تقوم على تماسك التحالف الحاكم المتمحور حول الحرس الثوري، فإن أي استراتيجية انتقال ناجحة يجب أن تبدّل المعادلة السياسية التي رجحت كفة النظام مراراً. فلا الضغط الاقتصادي ولا العمليات العسكرية ولا الاحتجاج الشعبي، كل على حدة، مرشح لإنتاج تغيير سياسي. بل إن الانتقال يتوقف على تعزيز المعارضة بالتوازي مع إضعاف قدرة النظام على الحكم بصورة منهجية. وهناك أربعة مسارات عمل متبادلة التعزيز لا غنى عنها: بناء قدرة المعارضة، وتصدّع تماسك النظام، والسيطرة على بيئة المعلومات، ومنافسة النظام اقتصادياً عبر ضغط موجّه، ودعم المقاومة المدنية، والإعداد الموثوق لتعافي ما بعد الانتقال. ومجتمعة، تزيد هذه الجهود احتمال أن تُفضي الصدمات السياسية المقبلة، سواء نتجت عن ضغط عسكري أو أزمة اقتصادية أو اضطراب داخلي، إلى انتقال سياسي بدلاً من دورة قمع جديدة.
المتطلب الأول هو بناء قدرة المعارضة. فأكبر نقاط ضعف معارضة إيران لم تكن يوماً التأييد الشعبي، بل التنظيم السياسي. فعلى الرغم من السخط الواسع، تظل حركات المعارضة مفككة على أسس أيديولوجية وإثنية وجغرافية وجيلية. ويتطلب الانتقال الناجح إطاراً سياسياً موحداً قادراً على تنسيق قواعد متباينة، مع الانخراط في آن واحد مع الفاعلين المحليين والمجتمع الدولي. وينبغي لهذا الإطار أن يوفر قيادة فعالة، وأن يصوغ برنامجاً سياسياً واسع الشمول، وأن يحافظ على اتصالات آمنة مع الشبكات الداخلية، وأن يطور القدرة التنظيمية اللازمة لتنسيق الاحتجاجات والإضرابات والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية والحكم في نهاية المطاف. والهدف ليس التجانس الأيديولوجي، بل التماسك المؤسسي: مركز معترف به قادر على تحويل السخط الشعبي إلى فعل سياسي مستدام، ثم إلى سلطة حاكمة شرعية.
والمسار الثاني هو تفكيك التحالف الحاكم للنظام. ولأن الأنظمة الاستبدادية تقوم على تعاون النخب، ينبغي لاستراتيجيات الانتقال أن تعيد تشكيل الحوافز التي تواجه من يساندون النظام القائم. وتظهر الأبحاث باستمرار أن الضغط غير المتمايز كثيراً ما يعزز تماسك النظام، بينما توسع المقاربات المتمايزة الانقسامات الداخلية. وينبغي لكبار المسؤولين عن القمع والفساد أن يتوقعوا المحاسبة، أما التكنوقراط وموظفو الخدمة المدنية وقادة الأعمال وإداريو المحافظات وعناصر الأمن من المستويات الأدنى، فينبغي أن يُعرض عليهم مستقبل موثوق داخل دولة قانون بعد الانتقال. ويقلل هذا التمييز الخوف من التغيير، ويزيد عدم اليقين داخل التحالف الحاكم، ويشجع على الانسحاب التدريجي من النظام. ونادراً ما تُشعل الانتقالات السياسية حالة انشقاق دراماتيكية واحدة؛ فهي تنشأ عبر التآكل التراكمي لثقة النخب عبر مؤسسات تفقد تدريجياً إرادة الدفاع عن الوضع القائم.
والمتطلب الثالث هو كسب بيئة المعلومات. فكل نظام استبدادي يعتمد على التحكم في التصورات بقدر اعتماده على التحكم في الأرض. وقد اعتمدت الجمهورية الإسلامية طويلاً على الرقابة والمراقبة وقطع الإنترنت والإعلام الخاضع للدولة لإخفاء الانقسامات الداخلية، وردع العمل الجماعي، وترسيخ الانطباع بأن المقاومة المنظمة ضرب من العبث. لذلك يتطلب الانتقال الناجح شبكات اتصالات قادرة على الصمود أمام تعطيل الحكومة، وتوثيقاً منهجياً لانتهاكات النظام، ورسائل استراتيجية متسقة تكشف الفساد وتُظهر في الوقت نفسه تنامي قوة المعارضة ووحدتها. وبالقدر نفسه من الأهمية، ينبغي لحملات المعلومات أن تشرح ليس فقط لماذا يجب أن ينتهي النظام الحالي، بل ماذا سيحل محله. فإظهار وجود بديل سياسي ذي صدقية، وأن التغيير يمكن أن يحدث من دون انهيار وطني، أمر جوهري لتعبئة المجتمع وطمأنة من داخل النظام ممن يفكرون في الانسحاب.
وأخيراً، يتطلب الانتقال السياسي منافسة اقتصادية. فالجمهورية الإسلامية تحافظ على الولاء ليس عبر الأيديولوجيا والإكراه فحسب، بل عبر المحسوبية أيضاً. لذلك ينبغي لأي حركة سياسية بديلة أن تنافس اقتصادياً كما تنافس سياسياً. ويبدأ ذلك بإجراءات عملية تتيح مقاومة مدنية مستدامة، بما في ذلك الدعم المالي للعمال المضربين والأسر الهشة. كما يتطلب الأمر تحسين تصميم العقوبات بما يعظم الضغط على المؤسسات المسؤولة عن القمع، ويقلل إلى الحد الأدنى المشقة غير الضرورية على الإيرانيين العاديين. وإلى جانب الضغط الفوري، ينبغي لقادة المعارضة تقديم خطط مفصلة للاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار واستعادة ثقة السوق واستمرارية الخدمات العامة الأساسية. وتكتسب الضمانات الواضحة بشأن حقوق الملكية القانونية، ومؤسسات الدولة العاملة، والاستثمار المستقبلي، أهمية خاصة لدى قادة الأعمال والتكنوقراط والمديرين الاقتصاديين الذين سيكون تعاونهم لا غنى عنه خلال أي انتقال. فمستقبل اقتصادي قابل للتصديق يقلل عدم اليقين، ويضعف الاعتماد على محسوبية النظام، ويعزز الثقة بأن التغيير السياسي سيؤدي إلى الاستقرار لا إلى الفوضى.
ولا يكفي أي من مسارات العمل الأربعة بمفرده. فتنظيم المعارضة من دون انسحاب النخب ليس مرجحاً أن يتغلب على الجهاز القسري للنظام. وعدم يقين النخب من دون بديل سياسي ذي صدقية أقرب إلى إنتاج الشلل منه إلى إنتاج الانتقال. وحملات المعلومات غير المسنودة بتنظيم تفتقر إلى الاستمرارية، في حين أن الضغط الاقتصادي من دون رؤية للتعافي يعزز الخوف لا الأمل. ولا يمكن أن يتحول ميزان القوى السياسي تدريجياً بعيداً عن التحالف الحاكم المتمحور حول الحرس الثوري إلا بدفع المسارات الأربعة جميعاً في آن واحد.
الجزء الثالث: شروط تصدّع النظام
نادراً ما تنشأ التحولات السياسية عن حدث واحد حاسم. فالأنظمة السلطوية تتفكك عادةً حين تتضافر ضغوط متعددة يعزّز بعضها بعضاً، فتبدّل تدريجياً الطريقة التي يقدّر بها الفاعلون السياسيون ميزان المخاطر. والانتكاسات العسكرية، والاضطراب الاقتصادي، والاحتجاج الشعبي، وإخفاقات المعلومات، والتشظّي المؤسسي، لا تكتسب أهميتها بوصفها أسباباً مستقلة للانهيار بقدر ما تكتسبها لأنها، مجتمعةً، تقنع أعداداً متزايدة من أهل النظام بأن النظام القائم لم يعد قادراً على ضمان الأمن أو الاستقرار أو البقاء الشخصي. لذلك تكون التحولات السياسية تراكمية لا تفجيرية.
وغالباً ما يوفّر الحراك الشعبي المظهر المرئي لهذه العملية، لكنه نادراً ما يكفي وحده. فالاحتجاجات المستمرة ترفع الكلفة السياسية للقمع، وتُظهر تراجع الشرعية، وتكشف اتساع السخط العام. غير أن قيمتها الاستراتيجية الأكبر تكمن في التأثير على حسابات النخب أكثر مما تكمن في إسقاط النظام مباشرة. وتوضح حركات الاحتجاج المتكررة في إيران منذ عام 2009 هذه الدينامية: فرغم المشاركة الواسعة، لم تُنتج أيٌّ منها القدرة التنظيمية أو انفكاك النخب اللازمين لإحداث انتقال سياسي.
ويحدث التحول الحاسم حين ينتشر عدم اليقين داخل الائتلاف الحاكم. فيبدأ القادة السياسيون والتكنوقراط ورجال الأعمال والمسؤولون في المحافظات وأفراد الجهاز الأمني بالتحوّط لمستقبل تتزايد ضبابيته. بعضهم يقلّص تعاونه بهدوء. وآخرون يرفضون اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر سياسياً. وغيرهم يقيمون علاقات سرّية مع مؤسسات المعارضة الناشئة. ونادراً ما تبدو هذه التصرفات لافتة منفردةً، لكنها مجتمعةً تُضعف قدرة النظام على الحكم، وتعزّز في الوقت نفسه الثقة بأن البدائل باتت قابلة للحياة. لذلك ينبغي فهم الانشقاقات لا بوصفها المرحلة الأخيرة من انهيار النظام، بل بوصفها أحد أسبابه الرئيسية.
وتعجّل الضغوط العسكرية والاقتصادية هذه العملية بإعادة تشكيل التوقعات، لا بتحديد النتائج مباشرة. فاستمرار الخسائر في ساحة المعركة، وتراجع السيطرة على الأرض، واضطراب الإمداد، وتعاظم القيود على شبكات المحسوبية، كلها تزيد الشكوك في قابلية النظام للبقاء على المدى البعيد. وكلما ارتفعت كلفة الحفاظ على النظام القائم، ازدادت جاذبية الانفكاك لدى فاعلين ظل ولاؤهم دائماً مرهوناً بالاستقرار أكثر من ارتهانه بالأيديولوجيا.
والمعلومات هي الآلية التي تكتسب من خلالها هذه الوقائع المتغيرة معناها السياسي. فمع ضعف الرقابة، وانكشاف الفساد، وظهور الانقسامات الداخلية للعيان، ومشاهدة المواطنين تنامي مشاركة الآخرين، تتراجع المخاطر المتصوَّرة للمقاومة. وبالقدر نفسه من الأهمية، يكتسب أهل النظام فهماً أدق لتراجع موقع الحكومة ولظهور بدائل ذات مصداقية. لذلك تسرّع المعلومات انتشار عدم اليقين في أرجاء الائتلاف الحاكم.
وأخيراً، تتطلب التحولات الناجحة وجود جهة تنتقل إليها ثقة النخبة. فمع تآكل الثقة بالحكومة القائمة، لا بد أن تنمو في الوقت نفسه الثقة بسلطة سياسية بديلة. ومؤسسات المعارضة القادرة على تنسيق العمل السياسي، والحفاظ على الاتصالات، والاستعداد للحكم، وصون الخدمات العامة الأساسية، تخفّف مخاوف عدم الاستقرار لدى المواطنين وأهل النظام على السواء. ومن دون بديل كهذا، فإن حتى الأزمات الحادة أرجح أن تعزّز القمع بدل أن تُنتج تغييراً سياسياً دائماً.
والمغزى المركزي هو أن تصدّع النظام عملية لا حدثاً. فالتغيير السياسي يقع حين ترفع ضغوط متعددة، يعزّز بعضها بعضاً، منسوب عدم اليقين داخل الائتلاف الحاكم باطّراد، وترفع في الوقت نفسه الثقة ببديل ذي مصداقية. وعليه، فالهدف ليس مجرد إضعاف الجمهورية الإسلامية، بل تغيير ميزان المخاطرة السياسية إلى أن يبدو الحفاظ على النظام القائم أشد خطراً من دعم من يحل محله.
الجزء الرابع: استراتيجية شاملة للانتقال السياسي
ذهبت الأقسام السابقة إلى أن بقاء الجمهورية الإسلامية لا يقوم على قدراتها العسكرية أو جهازها القمعي فحسب، بل على استمرار تماسك نظام سياسي محوره الحرس الثوري. ومن ثم فإن الانتقال السياسي يتطلب أكثر من إضعاف النظام؛ إذ يتطلب تقوية بديل ذي مصداقية مع إعادة تشكيل منهجية لحوافز من يسندون النظام القائم. وليس من المرجح أن تحقق أداة واحدة، الضغط العسكري، أو العقوبات، أو الاحتجاجات، أو الدبلوماسية، أو عمليات المعلومات، ذلك بمفردها. بل يتوقف النجاح على دمج الجهود السياسية والإعلامية والاقتصادية والمؤسسية والدبلوماسية في حملة متضافرة تنقل ميزان القوى تدريجياً بعيداً عن النظام وباتجاه بديل قابل للحياة.
الأولوية الأولى هي بناء بديل سياسي ذي مصداقية قادر على الحكم أثناء الانتقال وبعده. فأكبر نقاط ضعف المعارضة الإيرانية لم تكن غياب التأييد الشعبي، بل غياب أداة سياسية موحدة قادرة على تنسيق قواعد متنوعة. وينبغي لهيئة كهذه أن توحّد الفاعلين في الداخل والمهجر حول برنامج سياسي جامع، وأن تستعد للحكم الانتقالي، وأن تضع خرائط طريق سياسية واقتصادية، وأن تتواصل مع التنظيمات العمالية والجماعات النسوية والطلاب والأقليات العرقية والتكنوقراط وقادة الأعمال ورجال الدين ذوي النزعة الإصلاحية. وينبغي أن تركّز على إرساء اتفاق عريض حول مبادئ الانتقال الديمقراطي، والحكم الدستوري، ووحدة الأراضي، والنقل السلمي للسلطة السياسية، أكثر من تركيزها على حسم كل خلاف أيديولوجي. وقبل كل شيء، عليها أن تبرهن على وجود بديل منظّم وكفؤ للنظام الحالي. والمبادرات القائمة، ومنها مؤتمر إيران الحر (Iran Freedom Congress) وجهود شخصيات معروفة على المستوى الوطني مثل رضا بهلوي، تُظهر، في آن واحد، التقدم المحرز والحاجة المستمرة إلى إطار مؤسسي موحّد قادر على تنسيق المعارضة الديمقراطية الأوسع.
ولا بد أن يقترن التنظيم السياسي باستراتيجية معلومات فعّالة. فقدرة النظام على قمع المعارضة تعتمد اعتماداً كبيراً على التحكم في المعلومات، وتفتيت شبكات المعارضة، وإقناع المواطنين وأهل النظام بأن المقاومة عبث. ولذلك ينبغي لجهد اتصالي شامل أن يعزّز الاتصالات الآمنة، ويتجاوز الرقابة، ويوثّق انتهاكات حقوق الإنسان، ويكشف الفساد، ويضخّم الأصوات ذات المصداقية داخل إيران. وبالقدر نفسه من الأهمية، عليه أن ينقل باستمرار رؤية إيجابية لمستقبل البلاد. فالبرهنة على أن التغيير السياسي ممكن ومتوافق مع الاستقرار أمر جوهري لتعبئة المجتمع، وفي الوقت نفسه لطمأنة أهل النظام إلى أن الانتقال لا يستلزم الفوضى أو الانتقام.
وينبغي للاستراتيجية الاقتصادية، بالمثل، أن تركّز على تشكيل الحوافز السياسية لا على مجرد فرض التكاليف. فالمساعدة المالية للعمال المضربين والمجتمعات الهشّة يمكن أن تُديم المقاومة المدنية في أوقات المواجهة، في حين ينبغي للعقوبات أن تستهدف على نحو متزايد المؤسسات والأفراد المسؤولين مباشرة عن القمع والفساد، بدل زيادة المعاناة على نطاق واسع لدى الشعب الإيراني. وفي الوقت نفسه، ينبغي لقادة المعارضة والشركاء الدوليين إعداد خطط ذات مصداقية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وإعادة الإعمار، واستعادة الاستثمار، وحماية حقوق الملكية المشروعة، واستمرار المعاشات التقاعدية والخدمات الأساسية، وإعادة الاندماج في الأسواق الدولية. ومنح الثقة بأن الحياة الاقتصادية يمكن أن تتحسن بعد الانتقال يقلّل الاعتماد على محسوبية النظام، ويشجّع قادة الأعمال والتكنوقراط وفاعلي القطاع الخاص على النظر إلى التغيير السياسي بوصفه فرصة لا تهديداً.
ولعل أهم مسارات العمل هو إعادة تشكيل حوافز النخبة. فلأن الأنظمة السلطوية تعتمد على تعاون النخبة، ينبغي لاستراتيجيات الانتقال أن تميّز بعناية بين فئات مختلفة من أهل النظام. فكبار المسؤولين عن القمع الشديد والفساد عليهم أن يتوقعوا المساءلة في ظل سيادة القانون. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يتلقى موظفو الخدمة المدنية في المستويات الأدنى، والتكنوقراط، والمديرون الاقتصاديون، ومسؤولو المحافظات، وكثير من العاملين في الأجهزة الأمنية، ضمانات واضحة بأن لهم مستقبلاً في إيران ما بعد الانتقال، شريطة ألا يكونوا متورطين في انتهاكات جسيمة. والمساءلة الفردية، والاستمرارية المؤسسية، والحماية المهنية، وأطر الانتقال المحددة بوضوح، كلها تخفّف المخاوف المرتبطة بالتغيير السياسي وتشجّع على الانفكاك التدريجي عن النظام القائم. وهذا التمييز يُضعف تماسك النظام، ويحفظ قدرة الدولة، ويزيد احتمال وقوع الانشقاقات قبل أن يبدأ النظام في الانهيار لا بعده.
ويمثّل التعاطي مع القطاع الأمني مساراً مكمّلاً. فالتجربة التاريخية توحي بأن الأنظمة السلطوية تصبح هشّة بوجه خاص حين ترفض أجزاء من الجهاز الأمني أوامر قمع السكان أو تختار الحياد في أوقات الأزمات السياسية. ولذلك ينبغي لاستراتيجيات الانتقال أن تميّز بين العناصر الملتزمة أيديولوجياً المسؤولة عن القمع، وبين الجمهور الأوسع من الأفراد العسكريين النظاميين، وضباط الأمن من الرتب الأدنى، والمجنّدين الذين قد يكون ولاؤهم الأساسي للوطن لا للنظام. وحملات المعلومات الموجَّهة بعناية، والضمانات ذات المصداقية بشأن المعاملة القانونية واستمرار الخدمة المهنية حيثما كان ذلك ملائماً، والمناشدات المتسقة بالواجب الدستوري، كلها يمكن أن تزيد احتمال أن تنشق عناصر من القطاع الأمني أو تقف جانباً أثناء الانتقال. وحتى الحياد المحدود داخل مؤسسات أمنية رئيسية يمكن أن يقلّص إلى حد كبير قدرة النظام على مواصلة القمع، مع الحفاظ على الاستمرارية المؤسسية اللازمة لاستقرار ما بعد الانتقال.
ويتطلب دعم هذه الجهود السياسية تعزيز المقاومة المدنية والمناعة السيبرانية. فالبنية التحتية المستقلة للاتصالات، والأدوات الرقمية الآمنة، وشبكات التوثيق الصامدة، والقدرة التنظيمية اللامركزية، تمكّن الناشطين من التنسيق رغم الرقابة والمراقبة. وفي الوقت نفسه، ينبغي دعم التنظيمات العمالية والنقابات المهنية والجامعات والشبكات الاقتصادية وسائر مكونات المجتمع المدني بما يحسّن قدرتها على التنظيم، وإدامة العمل الجماعي، والحفاظ على التواصل في أوقات الاضطراب. فهذه الشبكات توفر الأساس التنظيمي الذي تقوم عليه التحولات الناجحة في نهاية المطاف.
ويتطلب الانتقال الناجح أيضاً تنسيقاً دولياً وثيقاً. وينبغي للحكومات الديمقراطية أن توائم بين سياسة العقوبات، والخطاب الدبلوماسي، والمساعدة الإنسانية، ودعم المقاومة المدنية، والتخطيط للانتقال، مع تفادي المقاربات التي تعزز روايات النظام عن السيطرة الأجنبية. وينبغي أن يعطي الدعم الأولوية لتقوية المؤسسات السياسية بقيادة إيرانية، والإعلام المستقل، والمجتمع المدني، وجهود التوثيق، واستراتيجية اقتصادية متكاملة تجمع بين الضغط الموجَّه على النظام والدعم العملي لصمود المعارضة والتخطيط الموثوق لتعافي ما بعد الانتقال. ويمتلك الشركاء الإقليميون وأوروبا والولايات المتحدة، كلٌّ منهم، قدرات متمايزة، لكن جهودهم تكون أشد فعالية حين تُنسَّق حول الهدف المشترك المتمثل في تمكين انتقال بقيادة إيرانية بدل محاولة توجيهه من الخارج.
وأخيراً، فإن التخطيط لليوم التالي لا يقل أهمية عن التخطيط للانتقال ذاته. فمن أكبر المخاطر التي تلي انهيار السلطوية الانهيارُ المؤسسي. ولذلك ينبغي التعامل مع الحفاظ على سير عمل الوزارات والمحاكم والمرافق العامة والإدارة المحلية والخدمات الحكومية الأساسية بوصفه أولوية استراتيجية. وينبغي للعدالة الانتقالية أن توازن بين المساءلة والاستقرار عبر مقاربة متدرجة تحاكم المسؤولين عن أفدح الانتهاكات مع حماية موظفي الخدمة المدنية والمهنيين العاديين الذين يمكنهم الإسهام في إعادة بناء الدولة. وإصلاح القطاع الأمني، وآليات الانتقال التفاوضي حيثما كان ذلك ملائماً، ومسارات تقصّي الحقيقة، والاستمرارية المؤسسية، كلها معاً تخفّف مخاوف الفوضى وتزيد الثقة بأن التغيير السياسي سيقوّي الدولة الإيرانية لا يفكّكها.
وتشكّل هذه المسارات مجتمعةً استراتيجية واحدة متكاملة لا مجموعة مبادرات مستقلة. فالتنظيم السياسي، وعمليات المعلومات، والمنافسة الاقتصادية، والتعاطي مع النخب، والمقاومة المدنية، والتنسيق الدولي، والتخطيط لما بعد الانتقال، يعزّز بعضها بعضاً عبر رفع منسوب عدم اليقين داخل النظام وخفض عدم اليقين بشأن المستقبل الذي يليه في آن واحد. والهدف ليس مجرد تعجيل نهاية الجمهورية الإسلامية، بل ضمان أنه حين تتهيأ شروط الانتقال السياسي، يكون بديل ذو مصداقية جاهزاً لأن يحل محلها بدولة إيرانية مستقرة ومعترف بها دولياً.
الجزء الخامس: إقامة جيوب معارضة محمية
توحي التجربة التاريخية بأن الأنظمة السلطوية المعمّرة تصبح أكثر هشاشة بكثير حين تكتسب المعارضة المنظمة القدرة على إقامة جيوب محمية داخل البلاد وإدامتها. فهذه الجيوب تحرم النظام من سيطرة غير منازَعة على أجزاء من الأرض الوطنية، وتوفّر في الوقت ذاته مساحة آمنة تستطيع فيها تنظيمات المعارضة أن تنسّق، وتقدّم المساعدة الإنسانية، وتطوّر مؤسسات حكومة بديلة. وتقدّم سوريا مثالاً حديثاً. فالأراضي الخاضعة للمعارضة في إدلب، المحمية جزئياً بردع عسكري خارجي والمدعومة بإسناد لوجستي عبر الحدود، حافظت على مؤسسات المعارضة السياسية والإدارية بعد زمن طويل من القضاء عليها في بقية أنحاء البلاد، ما مكّنها من المشاركة في الانتقال السياسي اللاحق في سوريا.
وتستمد الجيوب المحمية قيمتها الاستراتيجية من المؤسسات السياسية التي تتيحها أكثر مما تستمدها من الأرض التي تضمّها. فالمساحة الآمنة تتيح لتنظيمات المعارضة تنسيق القيادة، والحفاظ على الاتصالات، وإدارة المساعدة الإنسانية، وحل النزاعات المحلية، والبرهنة على القدرة على الحكم. وفي إيران، الأرجح أن تظهر مثل هذه الجيوب أولاً في المناطق الحدودية، بما فيها أجزاء من كردستان وبلوشستان، حيث قد توفّر الجغرافيا والشبكات السياسية القائمة فرصاً أكبر للتنظيم المستدام. غير أن الجيوب المحصورة في مناطق الأقليات وحدها من غير المرجح أن تحقق الشرعية الوطنية اللازمة للانتقال السياسي، وقد تعزز روايات النظام عن النزعة الانفصالية. ولذلك ينبغي أن يكون الغرض منها أن تشكّل الأساس لحركة وطنية أوسع توسّع نفوذها السياسي تدريجياً نحو القلب الإيراني ذي الأغلبية الفارسية.
وإدامة هذه الجيوب تتطلب دعماً لوجستياً ومؤسسياً صامداً. فالوصول عبر الحدود، والاتصالات الآمنة، والمساعدة الإنسانية، والموارد المالية، والرعاية الطبية، والإعلام المستقل، والخبرة القانونية، والقدرة الإدارية، كلها تمكّن مؤسسات المعارضة من الصمود في مواجهة ممتدة مع الحفاظ على الاستمرارية التنظيمية والاستعداد للحكم الوطني في نهاية المطاف. ومع تراجع قدرة النظام على إبراز القوة، فإن توسيع المساحة السياسية المحمية نحو المراكز السكانية الرئيسية في إيران سيزيد من تقويض تصوّرات ديمومة النظام ويرفع الثقة بسلطة سياسية بديلة آخذة في التشكّل.
وتتجاوز الدلالة الاستراتيجية للجيوب المحمية، في نهاية المطاف، الأرض ذاتها. فما إن يعجز النظام عن ممارسة سلطة غير منازَعة على أجزاء من البلاد، حتى تبدأ تصوّرات ديمومته بالتآكل لدى البيروقراطيين وقادة الأعمال ومسؤولي المحافظات وأفراد الأجهزة الأمنية. ولذلك فإن الحرمان من السيطرة على الأرض يعمل في المقام الأول بوصفه آلية سياسية ونفسية تُضعف ثقة النخبة، وتسرّع الانشقاقات، وترفع منسوب عدم اليقين في أرجاء الائتلاف الحاكم. والجيوب المحمية ذات قيمة فقط بقدر ما تقوّي معارضة وطنية موحدة قادرة على حفظ القيادة، وتنسيق العمل السياسي، والبرهنة على أن حكومة بديلة ذات مصداقية مستعدة لحكم إيران مستقرة وموحدة الأراضي.
الجزء السادس: تنفيذ الاستراتيجية: خيارات السياسة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل
تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات متكاملة لدفع الانتقال السياسي في إيران. فالولايات المتحدة هي الأقدر على تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية المحيطة بانتقال مقبل، في حين توفّر إسرائيل الضغط العسكري والاستخباري المستمر اللازم لإضعاف الجهاز القمعي للنظام. ويتوقف النجاح على دمج هذه القدرات المتكاملة في استراتيجية منسقة تقوّي معارضة بقيادة إيرانية مع التآكل المطّرد لتماسك الائتلاف الحاكم في الجمهورية الإسلامية.
وينبغي لمبدأ محوري أن يحكم كل عنصر من عناصر هذه الاستراتيجية: يجب أن يظل الانتقال السياسي في إيران بقيادة إيرانية بما لا يقبل اللبس. فالدعم الخارجي يكون أشد فعالية حين يقوّي التنظيم السياسي المحلي من دون أن يصبح واجهته العلنية. والرعاية الأمريكية أو الإسرائيلية الظاهرة لأنشطة المعارضة ستعزز روايات النظام الراسخة عن التلاعب الأجنبي، وتقوّض الشرعية الداخلية لقادة المعارضة، وتعقّد جهود توسيع التأييد في صفوف الشعب الإيراني، وتثبّط الانشقاقات المحتملة في صفوف النخبة. ولذلك ينبغي، حيثما أمكن، تقديم المساعدة بتكتّم، عبر قنوات غير مباشرة وقابلة للنفي تعظّم القدرات العملياتية للمعارضة وتقلّل، في الوقت نفسه، ظهور التورط الخارجي. والهدف ليس خلق حركة مدعومة من الخارج، بل تمكين معارضة إيرانية مستقلة من التنظيم والتواصل والحكم في نهاية المطاف استناداً إلى شرعيتها الذاتية.
الولايات المتحدة
ينبغي للولايات المتحدة أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن بناء الشروط السياسية اللازمة للانتقال. وينبغي أن تكون الأولوية الأولى تيسير بروز معارضة موحدة وتمثيلية قادرة على الحكم أثناء التغيير السياسي وبعده. وينبغي للسياسة الأمريكية أن تشجّع التنسيق بين الناشطين في الداخل، ومنظمات المهجر، والتكنوقراط، والمجموعات العمالية، والمنظمات النسوية، والأقليات العرقية، وقادة الأعمال، مع تفادي محاولات إملاء النتائج السياسية أو اختيار قادة بعينهم. وحيثما تسنح الفرص، ينبغي أيضاً أن يعزز الدعم المتكتّم القدرة التنظيمية للمساحات السياسية المحمية وشبكات المعارضة الداخلية القادرة على إدامة الحكم في ظل استمرار ضغط النظام. والهدف هو تقوية المؤسسات بقيادة إيرانية لا خلق تبعية لرعاة خارجيين.
ينبغي أن تتحوّل السياسة الاقتصادية من الاكتفاء بتعظيم الضغط إلى منافسة اقتصادية طويلة الأمد مع النظام. وينبغي أن تتركّز العقوبات المستهدفة على المؤسسات والشركات والأفراد المسؤولين عن القمع والفساد وتمويل الحرس الثوري، مع تقليص المعاناة غير الضرورية للإيرانيين العاديين إلى أدنى حدّ. وفي الوقت ذاته، ينبغي للشركاء الدوليين دعم المقاومة المدنية عبر توسيع المساعدة العملية للعمال والفئات الهشّة والمجتمع المدني المستقل، مع تقديم رؤية ذات مصداقية للتعافي في مرحلة ما بعد الانتقال، تشمل رفع العقوبات وإعادة الإعمار وتجديد الاستثمار واستعادة الحياة الاقتصادية الطبيعية. وهذه التدابير مجتمعة تقلّل الاعتماد على شبكات المحسوبية التابعة للنظام، وتعزّز في الوقت نفسه الثقة بأن التغيير السياسي سيُنتج ازدهارًا أكبر لا عدم استقرار.
ينبغي أن يصبح مجال المعلومات محورًا رئيسيًا للجهد لا نشاطًا مساندًا. فعلى الولايات المتحدة توسيع دعمها لوسائل الإعلام المستقلة الناطقة بالفارسية، ومنصات الاتصال الآمن، وتقنيات مكافحة الرقابة، وقدرات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية حيثما أمكن، والتوثيق المنهجي لفساد النظام وانتهاكاته لحقوق الإنسان. وينبغي أن يركّز التواصل الاستراتيجي لا على إخفاقات الجمهورية الإسلامية فحسب، بل أيضًا على وجود بديل ذي مصداقية قادر على صون الوحدة الوطنية والحفاظ على مؤسسات الدولة واستعادة الفرص الاقتصادية. فإثبات أن الانتقال ممكن وقابل للإدارة أمر جوهري لحشد التأييد الشعبي وتشجيع النخب على فكّ ارتباطها بالنظام.
وينبغي أن تعزّز القدرات السيبرانية هذه الجهود المعلوماتية عبر تحسين مناعة اتصالات المعارضة وتقليص قدرة النظام على قمع المعلومات المستقلة. وينبغي أن تتركّز المساعدة على الاتصالات الآمنة، والتدريب على الأمن الرقمي، وحماية شبكات المجتمع المدني، والقدرة على الصمود في وجه الرقابة والتشويش السيبراني. وهذه القدرات ترفع المتانة التنظيمية التي تعتمد عليها عمليات الانتقال السياسي الناجحة، وتقوّي في الوقت نفسه صمود المساحات السياسية المحمية وشبكات المعارضة الداخلية.
ينبغي للسياسة الأمريكية أيضًا أن تتوجّه مباشرة إلى الائتلاف الحاكم للنظام. فعلى استراتيجيات الانتقال أن تميّز بين كبار المسؤولين المسؤولين عن القمع وبين الشريحة الأوسع من التكنوقراط وموظفي الخدمة المدنية وإداريي المحافظات وقادة الأعمال وأفراد الأجهزة الأمنية، الذين كثيرًا ما يكون استمرار تعاونهم مدفوعًا بعدم اليقين أكثر منه بالأيديولوجيا. ويمكن لضمانات واضحة بشأن استمرارية المؤسسات والمساءلة القانونية والفرص المهنية المستقبلية أن تشجّع على فكّ ارتباط تدريجي وتقلّل حوافز المقاومة الجماعية. وفي الوقت نفسه، ينبغي لواشنطن وحلفائها أن يعدّوا بهدوء خططًا للطوارئ تشمل المساعدة الإنسانية، وإصلاح القطاع الأمني، والحفاظ على الوزارات الحكومية، واستمرارية الخدمات العامة الأساسية، والتعافي الاقتصادي السريع، بما في ذلك مسارات رفع العقوبات وتجديد الاستثمار وإعادة الاندماج في الأسواق العالمية. ومثل هذا الإعداد يقلّل حالة عدم اليقين لدى المطّلعين داخل النظام، ويُظهر أن مستقبلًا مستقرًا ومزدهرًا قائم خارج إطار الجمهورية الإسلامية.
إسرائيل
سيظل الإسهام الرئيسي لإسرائيل متمثلًا في ضغط عسكري واستخباراتي متواصل على المؤسسات التي تصون القوة القسرية للجمهورية الإسلامية. فاستمرار العمليات ضد قيادة الحرس الثوري، والقوات الصاروخية، والبنية التحتية للطائرات المسيّرة، ومنظومات القيادة والسيطرة، ومنشآت الإنتاج العسكري، يرفع الكلفة البعيدة المدى لبقاء النظام ويقلّص قدرة طهران على استعراض القوة داخليًا وفي أنحاء المنطقة. ولذلك ينبغي ألّا تُقيَّم العمليات العسكرية بالأضرار التكتيكية وحدها، بل بإسهامها التراكمي في إضعاف تماسك الائتلاف الحاكم للنظام وثقته بنفسه.
كما يخلق الضغط العسكري المتواصل فرصًا لنشوء جيوب سياسية محمية، عبر التقليص التدريجي لقدرة النظام على بسط القوة القسرية في المناطق المتنازع عليها. ولذلك ينبغي ألّا تُقيَّم العمليات الإسرائيلية بآثارها العسكرية المباشرة فحسب، بل أيضًا بمدى توسيعها للفرص السياسية المتاحة أمام معارضة إيرانية منظّمة.
وستظل العمليات الاستخباراتية على القدر ذاته من الأهمية. فاستمرار جمع المعلومات عن الحرس الثوري والقيادة السياسية والمؤسسات الأمنية والشبكات الاقتصادية وديناميات النخبة الداخلية يمكن أن يحسّن فهم الانقسامات الناشئة داخل النظام، ويدعم جهود تحديد فرص التواصل السياسي وانشقاقات النخب. كما يمكنه تحسين فهم الظروف المحلية التي قد تتيح نشوء جيوب سياسية محمية أو توسّعها، بما يمكّن صنّاع القرار من مواءمة الجهود السياسية والعسكرية والإنسانية والدبلوماسية بصورة أفضل مع الوقائع المتغيرة على الأرض. ويعزّز التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة والشركاء الإقليميين أيضًا الفهم المشترك اللازم للتخطيط المنسّق للانتقال.
وينبغي لإسرائيل أن تواصل في الوقت نفسه تعطيل البنية الإقليمية لوكلاء إيران. فحزب الله والميليشيات العراقية والحوثيون وسائر شركاء إيران يوفّرون عمقًا استراتيجيًا يتيح للنظام تصدير الصراع إلى الخارج والحفاظ على شرعيته الداخلية رغم ضعفه الداخلي. وتقلّل عمليات مكافحة الوكلاء المتواصلة نفوذ طهران الإقليمي، وتقيّد قدرتها على الردّ، وترفع أكثر كلفة الإبقاء على النظام القائم.
ويمكن لإسرائيل أيضًا أن تسهم بصورة غير مباشرة في الانتقال السياسي عبر دعم الاتصالات الآمنة وشبكات المعلومات القادرة على الصمود، بما يتيح لمنظمات المعارضة والجيوب السياسية المحمية التنسيق رغم الرقابة الحكومية والمراقبة. وينبغي أن تكمّل هذه الجهود المبادرات الأمريكية الأوسع، مع بقائها مركّزة على تحسين المتانة التنظيمية لا على توجيه النشاط السياسي.
وأخيرًا، لا تستطيع الولايات المتحدة ولا إسرائيل تحقيق هذه الأهداف منفردة. فإقامة ائتلاف إقليمي يضم الولايات المتحدة ودول الخليج وسائر الحكومات المهدَّدة تظل ضرورة. وينبغي أن يتجاوز غرضه الاحتواء العسكري إلى تنسيق المساعدة الإنسانية، ودعم جيوب المعارضة المحمية حيثما نشأت، والتخطيط لشؤون اللاجئين، والأمن البحري، والاحتمالات النووية الطارئة، والاستقرار الاقتصادي، وإعادة الإعمار بعد الانتقال.
خاتمة
الجمهورية الإسلامية اليوم أضعف مما كانت عليه في أي وقت من تاريخها الحديث، لكن الضعف وحده لا يُنتج انتقالًا سياسيًا. فالأنظمة السلطوية لا تبقى لأنها منيعة، بل لأنها تتكيّف. ولذلك فإن الدرس المركزي للأحداث الأخيرة هو أن النجاح العسكري والضغط الاقتصادي والسخط الشعبي ستظل جميعها ناقصة استراتيجيًا ما لم تُترجم إلى تغيير سياسي.
ويقتضي ذلك نقل محور الاستراتيجية من إنهاك النظام إلى بناء خليفته. فالمعارضة الموحّدة، وتنامي حالة عدم اليقين لدى النخب، وشبكات المعلومات القادرة على الصمود، والمساحة السياسية المحمية، والمنافسة الاقتصادية التي تجمع بين الضغط المستهدف ورؤية ذات مصداقية للتعافي الوطني، واستمرارية المؤسسات، ليست مبادرات منفصلة؛ بل هي مجتمعة تهيئ الظروف التي يتفكّك فيها الائتلاف الحاكم المتمحور حول الحرس الثوري. ولذلك فإن المعركة الحاسمة سياسية لا عسكرية.
يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل المساعدة في تهيئة هذه الظروف، لكنهما لا تستطيعان تصنيع الشرعية ولا تحديد مستقبل إيران. فالانتقال السياسي يجب أن يظل بقيادة إيرانية. وينبغي للأطراف الخارجية أن تسعى إلى توسيع الفرص السياسية، وخفض كلفة الانتقال، وتقوية المؤسسات المحلية، مع تجنّب الأفعال التي تعزّز روايات النظام عن السيطرة الأجنبية. وينبغي ألّا يُقاس نجاحها بحجم الضرر الملحق بالجمهورية الإسلامية فحسب، بل ببروز بديل ذي مصداقية قادر على حكم إيران مستقرة وموحّدة.
إن الفرص الاستراتيجية بهذا الحجم نادرة. فإن لم يقترن الضغط العسكري المتواصل بتنظيم سياسي متماسك، فقد يتكيّف النظام مرة أخرى ويوطّد ما تبقّى من مواطن قوته ويبقى. أما إذا تكامل الضغط العسكري مع استراتيجية شاملة للانتقال السياسي، فقد يمثّل الصراع الراهن أعظم فرصة منذ عقود لاستبدال الجمهورية الإسلامية بدولة إيرانية مستقرة وديمقراطية ومندمجة دوليًا.
عن الكاتب
سيث د. كابلان (Seth D. Kaplan) خبير في شؤون الدول الهشّة والانتقالات السياسية. يدرّس في كلية بول هـ. نيتسه للدراسات الدولية المتقدمة (SAIS) بجامعة جونز هوبكنز، وهو مستشار أول لدى معهد الانتقالات المتكاملة (IFIT)، ويعمل مستشارًا للبنك الدولي ووزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وضع «إطار تحليل الانتقالات السياسية» (2020) الخاص بوزارة الخارجية الأمريكية، وشارك في تأليف تقرير الأمم المتحدة والبنك الدولي «مسارات نحو السلام: مقاربات شاملة لمنع النزاعات العنيفة». ومن كتبه: «إصلاح الدول الهشّة»، و«مخذول»، و«حقوق الإنسان في المجتمعات الكثيفة والرقيقة»، و«الأحياء الهشّة».
عن منتدى الشرق الأوسط
منتدى الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث غير ربحي، يعزّز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ويحمي الحضارة الغربية من الإسلاموية. ويقوم بذلك من خلال منشوراته وأبحاثه ومبادراته في مجال السياسات وبرامجه للتثقيف العام.
منتدى الشرق الأوسط، 1650 Market Street, Suite 3600, Philadelphia, PA 19103. www.meforum.org
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)