MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

لماذا تحجم إسرائيل عن التدخل لنصرة أكراد سوريا؟

علاقات إسرائيل بالولايات المتحدة وتركيا وسوريا وإيران وروسيا تحكم القرار، إلى جانب خشية إلحاق الضرر بالأكراد أنفسهم.

The Israel Defense Forces is known for operational readiness and effectiveness in combat.
جيش الدفاع الإسرائيلي معروف بجاهزيته العملياتية وفاعليته في القتال. · Shutterstock

لا يزال كثير من الأكراد يشعرون بالمرارة لأن إسرائيل، رغم سنوات من الخطاب، لم تفعل إلا القليل لمساعدتهم فيما تهاجمهم القوات السورية. وما يراه الأكراد تخلياً، وربما حتى بمستوى ما حدث حين أوقفت الولايات المتحدة وإسرائيل دعمهما على خلفية انهيار الثورة الكردية عام 1975، تراه القدس في الحالتين ضبطاً استراتيجياً للنفس على خلفية الموازنة بين مصالح متعددة وعناصر متحركة، وخياراً يمثل أهون الشرور، إذ يخشى صانعو القرار أن تفوق كلفة التدخل العلني مكاسبه وأن يفاقم نتائج سيئة أصلاً بالنسبة إلى الأكراد أنفسهم.

تظل الجبهة الإيرانية والجهد الرامي إلى تفكيك القدرة العسكرية لحزب الله على رأس أولويات إسرائيل. ويقتضي هذان الهدفان تركيزاً عسكرياً متواصلاً وتنسيقاً مع واشنطن. وفتح جبهة ظاهرة في شمال شرق سوريا من شأنه أن يشتت ذلك التركيز ويخلق التزامات جديدة. ويبدو أن توقيت الهجوم السوري المدعوم من تركيا على القوات الكردية جاء مضبوطاً على هذا الواقع. فدمشق تدرك أن إسرائيل منشغلة وأن قدرتها على التصعيد في ساحات أخرى محدودة.

تحتل تركيا موقعاً محورياً في هذه المعادلة. فأنقرة ستقرأ أي دعم إسرائيلي علني للقوات الكردية بوصفه اصطفافاً مباشراً مع جماعات تعدّها تركيا معادية. وهذا من شأنه أن يطلق مواجهة في لحظة لا تستطيع إسرائيل تحملها. ولا تقتصر المخاطرة على العلاقات الثنائية، إذ إن نفوذ تركيا في ترتيبات غزة، والمنتديات الإقليمية، وقنوات الاتصال بواشنطن سيحوّل أي خطوة في سوريا إلى كلفة في غزة وما بعدها.

وتعزز الإشارات الأمريكية الأخيرة هذا القيد. فالإعلان عن إشراك تركيا في هياكل حوكمة غزة يشير إلى نية واشنطن إدماج أنقرة في إدارة مرحلة ما بعد الصراع. ويعمل هذا التوقيت عمل التحذير. فالبيت الأبيض سيرجّح أن يحمّل إسرائيل مسؤولية أي صدام علني مع تركيا الآن.

ويزيد الاعتماد على الرئيس Donald Trump من حدة ضبط النفس. فإسرائيل تحتاج إلى دعم الولايات المتحدة على الجبهة الإيرانية لإنفاذ العقوبات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وخيارات الضربات المحتملة. وأي خلاف علني يعرّض ذلك الدعم للخطر ينطوي على تبعات لا تستطيع إسرائيل قبولها. وتضيف غزة طبقة أخرى، إذ تحتاج إسرائيل إلى غطاء وتنسيق أمريكيين لإدارة شروط وقف إطلاق النار، والإشراف على إعادة الإعمار، وضمان القبول الإقليمي. وفي ظل هذه الظروف، لن تختبر القدس حدود تسامح واشنطن بتحدي تركيا في سوريا.

وهناك أيضاً القناة السورية. فقد تكون إسرائيل ودمشق تستكشفان تفاهمات بشأن الترتيبات الأمنية. والمصالح الإسرائيلية الجوهرية مطروحة على الطاولة: حرية الحركة ضد الأصول الإيرانية عبر المجال الجوي السوري، ومنع نقل الأسلحة من إيران إلى حزب الله عبر سوريا، والاستقرار في جنوب سوريا، وحماية المجتمعات الدرزية قرب الجولان. وفي مثل هذه المحادثات، تكمن ورقة إسرائيل في ضبط النفس والاعتراف الضمني. وقد يكون التراجع، بل حتى التخلي عن الأكراد، على خلفية حملة دمشق ضد قوات سوريا الديمقراطية، هو الثمن المدفوع.

ثم هناك روسيا. فموسكو تسعى إلى استعادة نفوذها في سوريا. وتريد إسرائيل آلية لتفادي الاحتكاك مع روسيا حفاظاً على حرية العمل ضد الأهداف الإيرانية. وتشير الاتصالات الأخيرة بين القادة الإسرائيليين والروس، بما في ذلك عروض موسكو للوساطة مع طهران، إلى وجود قنوات خلفية نشطة. وتكتسب المنافسة في مجال الطاقة أهمية أيضاً، إذ إن مسعى إسرائيل لتوسيع صادرات الغاز إلى أوروبا، بالتنسيق مع اليونان وقبرص، يمس المصالح الروسية. وتحتفظ روسيا بأدوات للضغط على إسرائيل بصورة غير مباشرة، من بينها عبر سوريا والبحر الأحمر. ويمكن لتفاهمات هادئة مع موسكو أن تثمر مكاسب على جبهات أعلى أولوية، وفي الوقت نفسه أن تثني عن خطوات ظاهرة تزعزع مصالح روسيا في سوريا.

كما أن التدخل العلني ينطوي على خطر الإضرار بالأكراد. فالخصوم سيستخدمون الدعم الإسرائيلي الظاهر لوصم القوات الكردية بأنها وكلاء لجهات أجنبية، بما يستدعي قمعاً أشد ويوسّع دائرة الاستهداف لتشمل المجتمعات الكردية خارج سوريا، وصولاً إلى إيران والعراق. وتُظهر تجارب الماضي أن الانكشاف يرفع الكلفة التي يدفعها الشركاء المحليون. ويمكن للتكتم أن يخفض تلك الكلفة.

ولا يعني أي من ذلك لامبالاة إسرائيلية، بل تفضيلاً لقنوات أكثر هدوءاً أو أكثر خفاءً. وتهدف هذه المقاربات إلى الحفاظ على الحيز الكردي من دون إطلاق تصعيد لا تستطيع إسرائيل تحمّله، ويترك الأكراد في وضع أسوأ.

أما الإيحاء بأي قياس على انهيار التمرد الكردي في العراق عام 1975 فسيكون افتراءً. فما جرى في سوريا ليس متعمداً، ولا هو نتيجة لسخرية على طريقة وزير الخارجية Henry Kissinger، بل هو التجلي المأساوي لقلّة الخيارات على خلفية جوار لا تنقصه الخصومات الوجودية.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: Why Isn’t Israel Intervening to Help Syria’s Kurds?

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)