MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

ماذا بعد وفاة نبيه بري؟

وفاة بري قد تعني نهاية حركة أمل، أو على الأقل نهاية حضورها في السياسة اللبنانية.

يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

Nabih Berri, speaker of the Lebanese Parliament and leader of the Amal movement, in a file photo.
نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني وزعيم حركة أمل، في صورة من الأرشيف. · © European Union, 1998–2026, via Wikimedia Commons

كثيرًا ما تخطئ السياسة الأميركية حين تفترض ديمومة الوضع القائم. فمحمود عباس، على سبيل المثال، رئيس السلطة الفلسطينية البالغ من العمر 90 عامًا، يقضي حاليًا السنة الحادية والعشرين من ولايته الرئاسية ذات الأعوام الأربعة، فيما تعاملت معه الإدارات الأميركية المتعاقبة بوصفه محاورًا، من دون اهتمام يُذكر بما سيأتي بعده. أما في لبنان، فالقيادة أكثر تشتتًا بحكم النظام الطائفي، إذ يكون الرئيس مسيحيًا مارونيًا، ورئيس الوزراء سنيًا، ورئيس مجلس النواب شيعيًا. وعلى مدى ما يقرب من 34 عامًا، ظل نبيه بري زعيم حركة أمل.

بالنسبة إلى السفراء الأميركيين ووزراء الخارجية، كان بري محاورًا مألوفًا، شيعيًا تستطيع الولايات المتحدة أن تتحدث إليه من دون أن تتحدث إلى حزب الله، المصنَّف جماعة إرهابية. ومع أن الرئيس دونالد ترامب قال في 3 حزيران/يونيو 2026 إنه تحدث إلى حزب الله "للمرة الأولى على الإطلاق"، يقول مسؤولون لبنانيون في مجالسهم الخاصة إنه تحدث في الواقع إلى حركة أمل، لكنه خلط بين الحركتين.

وهذا أمر مفهوم، إذ تعمل أمل وحزب الله جنبًا إلى جنب منذ انتهاء "حرب الإخوة" بينهما عام 1990. فبعد انتهاء الحرب الأهلية، اقتسمت أمل وحزب الله الأدوار: تولّت أمل تلميع التمثيل السياسي في البرلمان ومن خلال رئاسة المجلس، فيما احتفظ حزب الله بسلاحه. وفي عام 1992، فاز حزب الله بعدد قليل من المقاعد النيابية، لكن هذه الكتلة ظلت حتى وقت قريب تكتفي بالعمل عبر بري. واليوم يملك كل من حزب الله وأمل 13 مقعدًا من أصل 128 مقعدًا في البرلمان اللبناني، بينما يشغل المقعد الأخير جميل السيد، وهو مستقل احتُجز ذات يوم في قضية اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري من دون أن تُوجَّه إليه تهمة قط.

إن التكافؤ الذي يحظى به حزب الله في البرلمان يشير إلى استعداده لابتلاع دور أمل، ويثير تساؤلات حول التقسيم التقليدي الذي قامت عليه أهمية أمل. واليوم، ترتفع رايات أمل إلى جانب أعلام حزب الله في الضاحية، الضاحية الجنوبية لبيروت التي تشكّل المقر الحضري الرئيسي لحزب الله، وتؤيد أمل علنًا كل خطوة يقدم عليها حزب الله تقريبًا. وينطبق الأمر نفسه على النبطية في جنوب لبنان، معقل أمل التقليدي.

قد تكون وفاة بري المسمار الأخير في نعش حركة أمل، أو على الأقل في نعش حضورها في السياسة اللبنانية. فداخل أمل لا يوجد خلف واضح. لبري ثلاثة أبناء، اثنان من زوجته الأولى ليلى وواحد من زوجته الحالية رندى. وعند وفاته، ينبغي أن يتوقع اللبنانيون صراعًا بين عبد الله، الابن الأكبر الذي يرى أن وراثة عباءة أبيه حقٌّ مكتسب له بالولادة، وباسل، ابن رندى. أما رندى، التي تتولى اسميًا رئاسة جمعيات خيرية عدة لكن اللبنانيين يصفونها بأنها أكثر شخص فاسد في لبنان وحارسة ثروة عائلة بري، فستنحاز إلى ابنها من دمها ولحمها على حساب ابن زوجها.

وليس نجلا بري بالضرورة المتنافسين الوحيدين. فثمة شائعات بأن جميل السيد يسعى إلى المنصب، وإن كانت صراحته الفظة قد تجعل كسب تأييد أعضاء أمل أنفسهم أمرًا عسيرًا. كما أن الرجل الثاني لدى بري، علي حسن خليل، وزير المالية بين عامي 2014 و2020، قد يطمح هو الآخر إلى المنصب. والمشكلة، من وجهة نظر واشنطن على الأقل، أن الحكومة الأميركية تعتبره فاسدًا إلى حد بعيد، حتى بالمقاييس اللبنانية. ففي 8 أيلول/سبتمبر 2020، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على خليل بتهمة الفساد والتواطؤ في تحويل أموال إلى حزب الله، بما يسلّط مزيدًا من الضوء على العلاقة التكافلية بين المجموعتين.

يبقى إذن وزير المالية الحالي ياسين جابر، النائب السابق عن النبطية في البرلمان. وجابر يبدو شخصية محترمة في بذلته الرسمية، وسيكون أقرب إلى التكنوقراط، لكنه يفتقر إلى الكاريزما وإلى القسوة اللتين تمتع بهما بري بوصفه رئيسًا لأمل ورئيسًا لمجلس النواب.

إن احتمال أن يخلف جابر أو غيره بري من دون أن يتمكن من ملء الفراغ الذي يتركه، يطرح تساؤلات أمام أمل، وأمام السياسة الأميركية تجاه لبنان، اليوم وفي مرحلة ما بعد بري.

لتقاسم الأدوار بين أمل وحزب الله سابقة في التقسيم بين الكتائب والقوات اللبنانية. فالكتائبيون، الذين يمثلهم اليوم حزب الكتائب، كانوا طويلًا الحزب السياسي الممثل للمسيحيين الموارنة، فيما كانت القوات اللبنانية ميليشياهم التي تفرض بالقوة ما عجزت الكتائب عن تحقيقه عبر الانتخابات. ومع أن ذلك التقسيم كان مهمًا، وأن القوات اللبنانية نزعت سلاحها عام 1991، فإن هذا الانقسام الثنائي لم يكن قابلًا للاستمرار قط. ففي البرلمان الأخير، حازت القوات اللبنانية 18 مقعدًا مقابل أربعة مقاعد للكتائب. وأيًا تكن القوة التي امتلكتها الكتائب في سبعينيات القرن الماضي ومطلع ثمانينياته، فقد ولّت منذ زمن بعيد؛ وهي اليوم أقرب إلى معروضات متحف وجلسة قهوة منها إلى حركة قادرة على التأثير. وبعد وفاة بري، سيحدث الأمر نفسه على الأرجح مع أمل. ستذبل، وسيتقدم حزب الله لينتزع كل ما يستحق من جثتها.

إن إصرار وزارة الخارجية الأميركية دائمًا على الوهم القائل إن بري يختلف اختلافًا ذا معنى عن حزب الله كان خيانة للبنان وللولايات المتحدة معًا. فخيانة لبنان تمثلت في حمايته. وحتى اللبنانيون الأشد عداءً لحزب الله يدينون رندى بري وتقاعس الدول المانحة عن التحرك. إنها تستحق أن تدرجها وزارة الخزانة الأميركية على قوائم العقوبات بقدر ما يستحق خليل، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة أحجمت عن ذلك خشية استعداء بري.

وفي الوقت نفسه، فإن التمسك بالوهم القائل إن بري كان شيئًا أكثر من مستشار حزب الله ووسيطه عنى أن الحظر الذي فرضته واشنطن على الجماعة الإرهابية المصنَّفة كان منقوصًا. فالشيعة قاعدة أهم من أن تُختزل ببساطة في حزب الله. ومع ذلك، فإن تجاهل صراع الخلافة داخل أمل قد يفتح الباب أمام حزب الله لابتلاع المؤسسة رسميًا. وفي وقت تمضي فيه الحكومة اللبنانية وإسرائيل نحو السلام أكثر من أي وقت مضى خلال أكثر من أربعة عقود، سيكون من سوء الممارسة الدبلوماسية أن يفضي تمسك وزارة الخارجية بوضع قائم غير قابل للاستمرار إلى استيلاء حزب الله على واحد من أهم ثلاثة مناصب في لبنان.

وبما أن ما تبقى من عمر بري يُقاس على الأرجح بأصابع يد واحدة، إن لم يكن بإصبع واحدة، فإن وقت البدء بالتخطيط هو الآن.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: What Happens When Lebanon’s Nabih Berri Dies?

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)