عطش أمة
مسار إيران نحو فشل الدولة بدافع المياه، وخطة للتعافي
أبرز النقاط
- أزمة المياه في إيران كارثة مهندسة سياسياً تسببت فيها عقود من سوء الإدارة والفساد والأيديولوجيا، وتقع المسؤولية الأساسية فيها على عاتق النظام والحرس الثوري الإسلامي.
- تتوقع التقديرات المتوسطة للعقد المقبل حدوث 1,350,000 حالة وفاة زائدة وما يصل إلى 18 مليون لاجئ مياه داخلي، مع احتمال عبور 3.5 مليون شخص الحدود.
- يدعو التقرير إلى انتقال سياسي يعقبه تشكيل اتحاد دولي لتعافي المياه، على أن تتولى كل من إسرائيل وأستراليا وسنغافورة وهولندا والسعودية ومجلس التعاون الخليجي أدواراً محددة.

يقدّم هذا التقرير تحليلاً لأزمة المياه في إيران، ويخلص إلى أنها المحرّك المركزي لسلسلة متلاحقة من الانهيارات المنظومية التي تدفع البلاد نحو فشل الدولة. فالأزمة ليست كارثة طبيعية، بل كارثة مهندسة سياسياً، وهي نتيجة مباشرة لعقود من سوء الإدارة والفساد وأيديولوجيا معيبة. وتقع المسؤولية الأساسية على عاتق النظام الإيراني وجهازه الأمني-الاقتصادي، ولا سيما الحرس الثوري الإسلامي (IRGC). ويتجلى ذلك في إخفاق النظام العميق في التكيّف ضمن منطقة نجحت فيها دول قاحلة أخرى في تطبيق استراتيجيات مستدامة لإدارة المياه، وفي تدميره المنهجي لإرث وطني عمره 3,000 عام في صون الموارد المائية.
الحالة التأسيسية هي ما يمكن وصفه بـ"إفلاس مائي"، أي عجز بنيوي دائم يفوق فيه الطلب الوطني على المياه العرضَ المتجدد بفارق كبير. وقد أطلق ذلك تأثير الدومينو عبر مجمل البنى التحتية الحيوية. فالقطاع الزراعي، الذي يستهلك أكثر من 90 في المئة من مياه البلاد، ينهار، ما يفاقم انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع. وأدى إخفاق الترابط بين المياه والطاقة إلى شلّ الطاقة الكهرومائية، مفضياً إلى "دولة انقطاع التيار" التي تشلّ الاقتصاد. كما أدى التعدين غير المسؤول للمياه الجوفية إلى هبوط أرضي لا رجعة فيه، دمّر طبقات المياه الجوفية وحطّم البنية التحتية من الأسفل.
وقد أطلق هذا الإخفاق الأولي تأثير الدومينو عبر جميع البنى التحتية الحيوية:
- الانهيار الزراعي: تعرّض القطاع الزراعي، الذي يستهلك 92 في المئة من مياه البلاد وهي نسبة غير مستدامة، للتدمير، ما خلّف 1.3 مليون مزارع عاطلين عن العمل، ووضع ما يصل إلى 40 مليون شخص في دائرة خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عقد من الزمن.
- إخفاق شبكة الطاقة: أدت المستويات المنخفضة بشكل حرج في السدود إلى شلّ أكثر من 12,500 ميغاواط من القدرة الكهرومائية، ما خلق عجزاً وطنياً متوقعاً في الكهرباء قدره 25,000 ميغاواط وفرض انقطاعات مزمنة للتيار على نطاق البلاد.
- التدهور الحضري وتدهور النقل: المدن تغرق، إذ تفقد الأنابيب المتقادمة ما يصل إلى 30 في المئة من المياه المعالَجة، فيما تواجه بنى تحتية أساسية للنقل كالمطارات وسكك الحديد أضراراً يتعذّر إصلاحها بسبب الهبوط الأرضي.
وخلال صيف وخريف 2025، ظهرت أدلة تشير إلى إخفاق كارثي للشبكة الوطنية للكهرباء. وفيما تؤكد معلومات استخباراتية قاطعة الانهيار الهيدرولوجي لمنظومة خزانات طهران، ويؤكد اعتراف على المستوى الرئاسي بوجوب نقل العاصمة، يتضح أن الأزمة انتقلت من حالة مزمنة إلى طور حاد ونهائي. وقد انضغط الجدول الزمني لحدوث "اليوم صفر" في المدن الكبرى من سنوات إلى أشهر، وازداد احتمال انهيار النظام بالكامل وتفتّته.
ويُتوقع أن تكون الكلفة البشرية لهذا الانهيار هائلة. فالتقديرات المتوسطة للعقد المقبل تتنبأ بـ1.35 مليون وفاة زائدة بسبب الحرارة وسوء التغذية والأمراض، وبنزوح جماعي يصل إلى 18 مليون "لاجئ مياه" داخلي، مع تدفّق محتمل عبر الحدود يبلغ 3.5 مليون شخص من شأنه أن يزعزع استقرار المنطقة بعمق.
والنظام الحالي عاجز بنيوياً عن تنفيذ الإصلاحات الضرورية، لأن بقاءه متشابك مع النموذج الاقتصادي الفاسد الذي يجني الأرباح من الأزمة.
والمسار الوحيد القابل للتطبيق لتفادي هذه الكارثة الإنسانية الوشيكة هو انتقال سياسي جذري يتيح لحكومة جديدة وشفافة أن تشترك مع المجتمع الدولي. وجوهر الاستراتيجية التي يطرحها هذا التقرير هو التشكيل الفوري لـ"اتحاد دولي لتعافي المياه" (International Water Recovery Consortium)، وهي هيئة تنفيذية تضم أبرز خبراء العالم في استراتيجيات تعافي المياه. ويفصّل هذا المخطط استراتيجية مرحلية بأدوار محددة للشركاء الدوليين: إسرائيل للتكنولوجيا والحوكمة، وأستراليا للبيانات والتوزيع، وسنغافورة للمرونة الحضرية والتسعير، وهولندا لإدارة المياه المحلية، والسعودية ومجلس التعاون الخليجي (GCC) للتمويل.
تشريح أزمة من صنع الإنسان:
هندسة "الإفلاس المائي": إرث من سوء الإدارة
جوهر مأزق إيران هو حالة "إفلاس مائي" دائم، وهو مصطلح يدل على إعسار بنيوي يفوق فيه الطلب الوطني العرضَ الطبيعي المتجدد. وهذا ليس جفافاً دورياً يمكن تجاوزه، بل حالة نهائية هندستها عقود من الخيارات السياسية الكارثية. والبيانات الداعمة لهذا التشخيص لا لبس فيها. فقد هبط نصيب الفرد في إيران من موارد المياه العذبة المتجددة الداخلية من مستوى مستقر بلغ 5,845 متراً مكعباً (نحو 206,000 قدم مكعبة) سنوياً في عام 1961 إلى 1,484 فقط في عام 2019، ما دفع البلاد إلى ما دون عتبة الإجهاد المائي الدولية البالغة 1,700 وباتجاه خط الندرة المطلقة البالغ 1,000. وتسحب البلاد اليوم أكثر من 100 في المئة من مواردها المائية المتجددة سنوياً، أي أنها عملياً تستنزف إرثها المائي المحدود لتلبية الطلب الراهن.
وهذا الإفلاس هو نتيجة إخفاقات سياساتية محددة ومتعمدة. وفي صميم ذلك
التزام النظام الأيديولوجي بـ"اقتصاد المقاومة" والاكتفاء الذاتي الزراعي. فهذه العقيدة، التي قُصد بها عزل البلاد عن الضغوط الخارجية، دفعت نحو استهلاك غير مستدام لأكثر من 90 في المئة من مياه البلاد من جانب قطاع زراعي يتّسم بعدم كفاءة ملحوظة، حيث يُفقد ما يصل إلى 70 في المئة من المياه في الري قبل أن يستفيد منها المحصول. وزادت هذه السياسة تعقيداً إجراءات شعبوية، مثل قرار الحكومة عام 2010 بتقنين نحو 30,000 بئر مياه جوفية كانت غير قانونية سابقاً، وهي خطوة سرّعت مباشرة استنزاف الطبقات المائية الجوفية.
والإطار المؤسسي لإدارة المياه مشلول. فثمة وزارات ومؤسسات متعددة، بينها وزارة الطاقة ووزارة الزراعة، تتداخل مسؤولياتها وتتعارض في كثير من الأحيان، من دون سلطة واحدة مخوَّلة قادرة على فرض استراتيجية وطنية متماسكة. ويقف هذا الإخفاق الحديث في تناقض صارخ مع الإرث التاريخي لإيران في الإدارة المتطورة للمياه.
فعلى مدى نحو 3,000 عام، ازدهرت الحضارة الفارسية في مناخ قاحل بفضل نظام القنوات (الكاريز) البارع، وهي قنوات مائية جوفية محفورة يدوياً تصل إلى منسوب المياه وتنقل المياه بالجاذبية عبر كيلومترات عديدة. وقد أتاحت هذه التقنية، المعترف بها من اليونسكو، إقامة مستوطنات دائمة وزراعة مزدهرة في قلب صحارى إيران، ما يدلّ على فهم عميق وتاريخي للاستخدام المستدام للمياه. ويشهد نظام القنوات على
حقيقة أن مناخ إيران كان قاحلاً على الدوام وأن أهلها طوّروا وسائل للعيش ضمن تلك الحدود البيئية. ولذلك فإن الأزمة الراهنة ليست إخفاقاً جغرافياً، بل إخفاق حوكمة.
والنظام الحديث لم يتخلَّ عن هذا الإرث فحسب، بل دمّره فعلياً. إذ يُقدَّر أن نصف قنوات إيران البالغ عددها 70,000 على الأقل قد دُمّرت في السنوات الخمسين الماضية، مع خفض الآبار الحديثة المميكنة لمنسوب المياه إلى ما دون قنواتها القديمة. ويرمز هذا التدمير لتراث وطني إلى قطيعة النظام الحادة مع تقليد الرعاية، واستبداله بنموذج قصير النظر ومدمّر لاستخراج الموارد.
وأي عوامل مناخية فاعلة هي "مُسرِّع أزمة" قوي، وليست السبب الجذري. فالبيانات المناخية التاريخية الطويلة الأمد تؤكد أن وسط إيران وجنوبها شهدا دائماً مناخاً قاحلاً بتطرفات كبيرة. وإذا صحّت التوقعات بارتفاع متوسط درجة الحرارة السنوية بين 2.6 و5.2 درجة واحتمال انخفاض متوسط هطول الأمطار بنسبة 35 في المئة، فإنها ستقلّص الجدول الزمني للانهيار التام. غير أن بعض المناطق الشمالية، كالمنطقة المحيطة برشت قرب بحر قزوين، شهدت اتجاهات مطرية مستقرة أو حتى إيجابية قليلاً في العقود الأخيرة، ما يبرز التعقيدات الإقليمية التي تعجز استراتيجية سوء الإدارة الوطنية عن معالجتها.
أما رواية النظام، التي تلقي اللوم باستمرار على تغير المناخ والعقوبات الدولية في النقص، فهي تحويل سياسي متعمد. إنها أداة اتصال استراتيجية مصممة لحجب المسؤولية الأساسية لسياساته هو ولمؤسساته الفاسدة التي جنت الأرباح من هذه الكارثة التي لم تكن ضرورية.
الاقتصاد السياسي للانهيار: "مافيا المياه" والحرس الثوري
في قلب سوء إدارة المياه في إيران تقبع شبكة نافذة ومرتبطة سياسياً أطلق عليها صحفيون وعلماء وناشطون اسم "مافيا المياه". وهذا التحالف المعتم من مسؤولين حكوميين ومهندسين استشاريين ومقاولين نافذين يزدهر على الترويج لمشاريع عملاقة مدمّرة بيئياً، ويعمل بأقل قدر من الرقابة للدفع نحو بناء السدود من دون ضوابط وعمليات نقل المياه المهدِرة بين الأحواض تحت ستار "التنمية".
والفاعل المركزي في هذه الشبكة هو الحرس الثوري الإسلامي (IRGC). فمن خلال تكتله الإنشائي الضخم، خاتم الأنبياء، أرسى الحرس الثوري شبه احتكار لقطاع البنية التحتية المائية في إيران، مؤمّناً عقوداً حكومية مربحة وغالباً من دون منافسة لإقامة السدود وأنفاق تحويل المياه. وتشكّل هذه المشاريع مصدر إيرادات حيوياً للحرس الثوري، وآلية للمحسوبية السياسية، وأداة للسيطرة الاجتماعية. ويخلق ذلك تضارب مصالح جوهرياً، إذ إن الجهة المسؤولة عن الأمن القومي تجني أرباحاً أيضاً من أنشطة تزيد هشاشة البلاد. ومن ثم فإن الأزمة ليست مجرد إخفاق سياساتي ينبغي تصحيحه، بل هي نموذج عمل ناجح ومربح للغاية لأقوى الأجنحة المتشددة في النظام.
ويمثّل سد غُتوَند على نهر كارون في محافظة خوزستان أشدّ إدانة لعمل هذه
المنظومة. فقد شيّدته شركات تابعة للحرس الثوري فوق تكوين الغاشساران الملحي مباشرة، وهو قبة ملحية ضخمة، على الرغم من تحذيرات صريحة من جيولوجيين بأن ذلك سيخلق كارثة ملوحة. وكانت النتيجة المتوقعة كارثة بيئية من صنع الإنسان. فقد تحول خزان السد إلى "مصنع أُجاج" دائم، يذيب القبة الملحية باستمرار ويرفع ملوحة نهر كارون بنسبة تقدَّر بـ35 في المئة. وتتدفق هذه المياه شديدة الملوحة إلى المصب، فتسمّم الأراضي الزراعية، وتدمّر ما يقدَّر بـ400,000 نخلة، وتجعل المياه غير صالحة للشرب أو الري لملايين الناس في أهم منظومة أنهار في إيران. أما المشروع الذي رُصدت له ميزانية أولية قدرها $1.5 billion، فقد تضخّم إلى $3.3 billion من دون أي مساءلة علنية، ما يوضح كيف تُمرَّر مشاريع غير سليمة علمياً وغامضة مالياً لمصلحة نخبة صغيرة.
وتخلق هذه الديناميكية حلقة تغذية راجعة منحرفة. فالحرس الثوري وشبكته يستفيدان من خلق الأزمة عبر مشاريع كارثية، ثم يضعان نفسيهما بوصفهما المورّد الوحيد لـ"الحل"، وهو عادة مخططات أكثر فخامة وكلفة وتدميراً للبيئة، مثل تحلية المياه الواسعة النطاق ومزيد من عمليات نقل المياه. وهذا يضمن تدفقاً دائماً لأموال الدولة إلى خزائن مافيا المياه، فيرسّخ سلطتها بينما يسرّع الانهيار البيئي للبلاد. وقد بلغ نموذج العمل هذا خلاصته المنطقية في October 2025، حين أعلن President Pezeshkian أن العاصمة must be relocated من Tehran. وهذا الاقتراح لمشروع عملاق يمتد لعقود بكلفة $77-100 billion ليس حلاً جاداً لحالة طوارئ آنية، بل هو التجلّي الأقصى للمنطق الفاسد لمافيا المياه. إذ تُهندَس أزمة بالغة العمق إلى حد يجعل "الحل" الوحيد هو أكبر مشروع إنشائي وأكثره ربحية في تاريخ البلاد، وهو مشروع تتمتع شركة Khatam al-Anbiya التابعة للحرس الثوري بموقع فريد لتنفيذه.
تأثير الدومينو: سلسلة من الإخفاقات البنيوية
إفلاس إيران المائي هو المحرّك الأول في تفاعل تسلسلي مدمّر، كارثة هيدرولوجية تدمّر آثارها أسس البنية التحتية الحيوية للبلاد. فقد خلق الإخفاق في إدارة المياه سلسلة من الأزمات الثانوية والثالثية التي تشلّ شبكة الكهرباء، وتفكك شبكات النقل، وتعطّل الخدمات الحضرية، وتخنق الاقتصاد. ويضخّم كل إخفاق الإخفاقات الأخرى، ما يخلق دوامة هبوطية ذاتية التعزيز تدفع الدولة الإيرانية نحو انهيار وظيفي.
الانهيار الزراعي وبداية انعدام الأمن الغذائي
القطاع الزراعي هو الضحية الأولى والأهم للإفلاس المائي في إيران. فاستخدامه غير الكفؤ للمياه هو السبب الرئيس للأزمة وسبب زواله هو نفسه في آن معاً. فاستهلاك أكثر من 90 في المئة من المياه المتاحة في البلاد بكفاءة متدنية إلى حد أن 30-37 في المئة فقط من مياه الري تصل فعلاً إلى المحاصيل، يعني أن هذا النهج مصمم للفشل في أرض قاحلة.
وقد باتت عواقب هذا النموذج المعيب نهائية الآن. فالدراسات الاقتصادية القياسية تتوقع علاقة مباشرة بين الندرة والإنتاج: فمقابل كل زيادة بنسبة 1 في المئة في ندرة المياه، يُتوقع انخفاض مقابل بنسبة 0.404 في المئة
في الناتج الزراعي. وتُقاس الكلفة البشرية بسبل العيش المفقودة والجوع. فالقطاع ينزف الوظائف بمعدل متسارع. ففي الفترة بين 2015 و2022 وحدها، فقد ما يُقدَّر بـ1.3 million شخص، أي ربع المزارعين الإيرانيين كافة، وظائفهم كنتيجة مباشرة لتصاعد ندرة المياه.
وهذا التراجع في الإنتاج المحلي، مقترناً بتضخم جامح، ترك الملايين جوعى. فأكثر من 29 في المئة من الأسر الريفية كانت مصنّفة أصلاً بوصفها عرضة لانعدام الأمن الغذائي، ويقدّم برنامج الأغذية العالمي (WFP) مساعدات منقذة للحياة في البلاد. ويشير هذا المسار نحو حالة طوارئ صحية عامة كاملة، مع انتشار سوء التغذية الحاد على نطاق واسع واحتمال مرتفع لظروف مجاعة موضعية، لا سيما في محافظات منكوبة بالجفاف مثل South Khorasan وSistan and Baluchestan. وقد قدّمت أحداث summer 2025 تأكيداً صارخاً لهذه السلسلة. فإخفاق شبكة الطاقة، وهو نفسه نتاج أزمة المياه، ارتدّ على القطاع الزراعي. فقد أبلغ مزارعون في أنحاء البلاد عن انقطاعات في التيار عن آبار الري تصل إلى five hours يومياً. وفي Kerman province، أفاد مسؤولون بأن انقطاعات التيار ألحقت الضرر بـ60 في المئة من بساتين المنطقة وأسهمت في انخفاض إنتاج التمور بمقدار 21,000-ton، ما يبيّن في الزمن الحقيقي كيف تطلق أزمة المياه أزمة طاقة تفاقم بدورها طوارئ الأمن الغذائي.
"دولة انقطاع التيار": إخفاق الترابط بين المياه والطاقة
السلسلة الكبرى الثانية للانهيار هي إخفاق شبكة الطاقة الوطنية، المرتبط ارتباطاً لا ينفصم بأزمة المياه. فإمدادات الكهرباء في إيران تعتمد على قدرتها الكهرومائية المركبة البالغة نحو 12,500 megawatts (MW). ومع بلوغ خزانات السدود مستويات منخفضة تاريخياً، إذ احتفظت السدود الخمسة التي تغذي Tehran بـ15 في المئة فقط من سعتها، فيما بلغ سد Lar Dam الحيوي 1 في المئة في مطلع 2025، شُلّت قدرة البلاد على توليد الطاقة الكهرومائية.
وقد خلق هذا الوضع حلقة مفرغة، أو "دوامة موت". فنقص المياه يشلّ توليد الطاقة الكهرومائية،
وانقطاعات التيار الناجمة عن ذلك تعطّل المضخات الكهربائية التي توصل مياه البلديات وتشغّل محطات معالجة الصرف الصحي، ما يفاقم مباشرة أزمة المياه والصرف الصحي. وقد تحوّل هذا النموذج النظري إلى واقع متحقق بالكامل خلال "صيف الانهيار" في 2025. فقد أصبحت انقطاعات التيار الواسعة والمجدولة، التي تستمر غالباً بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، سمة من سمات الحياة في المدن الكبرى. وتضخم العجز الوطني في الكهرباء إلى 25,000 MW وفق التوقعات.
واشتد الضغط على الشبكة إلى حد اضطرت معه السلطات إلى الأمر بإغلاق الدوائر الحكومية والمصارف على مستوى البلاد لخفض الطلب. وفي اعتراف مذهل، أكد وزير الطاقة Abbas Ali-Abadi أن أكثر من 15,000 MW من قدرة محطات الطاقة الحرارية في البلاد "مستهلَكة" وفقدت عمرها الإنتاجي بسبب عقود من الإهمال.
والنتيجة بالنسبة إلى السكان الإيرانيين هي بروز "دولة انقطاع التيار". فهذه الانقطاعات تشلّ ما تبقى من القطاعين الصناعي والتجاري، وتعطّل البنية التحتية العامة الأساسية، وتخلق مزيجاً قاتلاً
مع الحرارة الشديدة. فالعجز عن تشغيل مكيفات الهواء أو المراوح خلال موجات الحر يسلب السكان خط دفاعهم الأخير أمام درجات حرارة مهدّدة للحياة.
واقتصادياً، قدّرت غرفة التجارة الإيرانية أن الخسائر اليومية الناجمة عن الانقطاعات بلغت نحو 18 trillion tomans، فيما واجهت صناعات رئيسية كالحديد والصلب والإسمنت تخفيضات إنتاجية تصل إلى 50 في المئة. وأُحيل أكثر من 80,000 عامل صناعي إلى إجازة من دون أجر خلال الصيف، ما حقن مزيداً من التقلب في نسيج اجتماعي هش أصلاً.
الأمة الغارقة: تدمير لا رجعة فيه للأسس الوطنية
تحت الأزمة المرئية للسدود الفارغة والمدن المعتمة تكمن كارثة أكثر ديمومة: تدمير العمود الفقري المادي لإيران. فقد أفضت عقود من الاستخراج المفرط المتواصل إلى استنزاف ما وصفه هيدرولوجيون بـ"احتياطيات مياه جوفية تكفي 1,000 عام في ثلاثة عقود فقط". وهذا ليس مجرد سحب على المكشوف، بل هو تدمير دائم لقدرة التخزين المائي التأسيسية للبلاد.
أفضى هذا الضخ غير المستدام إلى هبوط أرضي هائل وواسع النطاق. فمع استنزاف المكامن الجوفية، تنضغط البنى الجيولوجية التحتية وتهبط الأرض فوقها بمعدلات تُعد من الأعلى في العالم. وتتأثر بذلك مساحة تتجاوز 90,000 كيلومتر مربع (نحو 35,000 ميل مربع). وفي بعض السهول الزراعية، ينهار سطح الأرض بأكثر من 35 سنتيمتراً (نحو 14 بوصة) سنوياً.
وهذه العملية المتمثلة في انضغاط المكامن الجوفية غير قابلة للعكس في جوهرها. فالأرض، متى انهارت، لا يمكن «إعادة نفخها» لتخزين المياه من جديد. ويعني ذلك أنه حتى لو شهدت إيران عقوداً من أمطار تفوق المعدل، فإن قدرتها على تخزين تلك المياه تحت الأرض قد تراجعت بصورة دائمة. فالنظام لم يبدّد مدخراته المائية فحسب، بل دمّر خزنة المصرف ذاتها. وقد جاء التصديق العلني على هذا التقييم القاتم من الرئيس بزشكيان في 2 أكتوبر/تشرين الأول
2025، حين قال: «في بعض المناطق، تهبط الأرض بما يصل إلى 30 سنتيمتراً [11.8 بوصة] سنوياً. هذه كارثة، وتدل على أن المياه تحت أقدامنا تنفد».
ويُلحق هذا الهبوط الأرضي أضراراً لا يمكن إصلاحها بالشرايين المادية للاقتصاد الإيراني. فمراكز النقل الرئيسية تهبط، ومنها مطار الإمام الخميني الدولي بمعدل 5 سنتيمترات (نحو بوصتين) سنوياً. وداخل طهران، هناك 14 محطة مترو معرضة للخطر، وتحتاج شبكة السكك الحديدية الوطنية إلى إصلاحات دائمة لمواجهة آثار تحرّك الأرض. وفي المدن، يؤدي هذا الهبوط التفاضلي إلى التواء الأنابيب الجوفية المتقادمة وكسرها، ما يسرّع تدهور شبكات المياه البلدية التي تفقد أصلاً ما يُقدّر بـ30 في المئة من مياهها المعالَجة بسبب التسرب.
وإلى جانب الانهيار الملموس للبنية التحتية، تُلحق أزمة المياه جرحاً أعمق، هو التدمير المادي لتراث إيران الثقافي والتاريخي. فهبوط الأرض يتسبب بأضرار إنشائية لا رجعة فيها في بعض أثمن المواقع القديمة لدى البشرية. ففي السهل الذي يقوم فيه أطلال برسبوليس، تهبط الأرض بما يصل إلى 20 إلى 30 سنتيمتراً (نحو 8 إلى 11 بوصة) سنوياً، ممزقةً المنشآت الملحقة بشقوق جيولوجية عميقة. كما تهبط مدينة أصفهان التاريخية بوتيرة سريعة، ما يعرّض مساجدها وقصورها وجسورها الشهيرة للخطر. ويرى كثير من الإيرانيين في عجز النظام عن حماية هذه الرموز القوية للحضارة الفارسية إخفاقاً عميقاً في الاضطلاع بمسؤولية الرعاية، وهو ما يغذّي سردية مفادها أنه ليس عاجزاً فحسب، بل مدمّر أيضاً لإرث الأمة الحقيقي.
الجدول 1: سلسلة الفشل البنيوي المتتالية المدفوعة بالمياه
الكلفة البشرية للانهيار
تترجم الإخفاقات البنيوية المفصّلة في التحليل السابق إلى كلفة بشرية ملموسة ومدمّرة. ويقيس هذا القسم كمياً الحصيلة البشرية للأزمة، متتبعاً أعداد المعرّضين لخطر المجاعة والموت والنزوح بوصفها نتيجة مباشرة للانهيار المتتالي.
طوارئ صحة عامة متعددة المسارات
إن التقاء نظام مائي مفلس مع إمدادات غذائية منهارة وشبكة كهرباء متداعية يعجّل بكارثة صحة عامة متعددة المسارات. وستُقاس الكلفة البشرية بارتفاع حاد في الوفيات الزائدة الناجمة عن الحرارة، وعودة ظهور الأوبئة الفتاكة، والآثار البعيدة المدى لسوء التغذية الواسع الانتشار.
تتحول الحرارة بسرعة إلى واحد من أشد التهديدات المباشرة والفتاكة للسكان الإيرانيين. وقد أثبتت الدراسات الوبائية
بالفعل وجود صلة واضحة بين موجات الحر وارتفاع الوفيات. فقد وجد تحليل تجميعي شامل خاص بإيران أن موجات الحر ترفع الخطر النسبي للوفاة من جميع الأسباب بنسبة 23 في المئة مقارنة بالفترات الخالية من موجات الحر. وهذا الخطر يتصاعد بصورة حادة. إذ يكشف تقرير «لانسيت كاونتداون» (Lancet Countdown) لعام 2024 عن زيادة بنسبة 168 في المئة في عدد أيام موجات الحر التي تعرضت لها الفئات السكانية الهشّة خلال العقد الماضي. وعند اقتران ذلك بعجز شبكة الكهرباء عن دعم التبريد الأساسي، تتهيأ الظروف لارتفاع هائل في الوفيات الزائدة الناجمة عن ضربات الشمس والجفاف والفشل القلبي الوعائي.
أما المسار الثاني لهذه الكارثة فسيكون عودة الأمراض الوبائية. فمع انهيار شبكات المياه البلدية، يُضطر السكان إلى الاعتماد على مصادر غير آمنة، ما يخلق ظروفاً مثالية لمسببات الأمراض المنقولة بالمياه. ولإيران تاريخ موثّق من أوبئة الكوليرا الكبرى المرتبطة بسوء الصرف الصحي، لا سيما في محافظات هشّة مثل سيستان وبلوشستان وخوزستان. ويشير تقرير «لانسيت كاونتداون» إلى زيادة بنسبة 22.7 في المئة في عدد السكان الذين يعيشون قرب مياه ساحلية تتوافر فيها ظروف ملائمة لانتقال ضمّة الكوليرا (Vibrio cholerae). والتوقع صارخ: احتمال كبير لتفشّيات واسعة من الكوليرا والتيفوئيد والزحار خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهذه الحصيلة البشرية تُلحقها الدولة مباشرة أيضاً. فحين تدفع المشقة التي لا تُحتمل المواطنين إلى الشوارع، تُقابَل «احتجاجات البقاء» التي يخوضونها بالقوة المميتة. ففي «انتفاضة العطاشى» في خوزستان في يوليو/تموز 2021، استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية لسحق المظاهرات، فقتلت ما لا يقل عن 11 شخصاً. وتكرر هذا النمط خلال صيف 2025، حين اندلعت احتجاجات في مدن عدة ردد فيها المواطنون: «ماء، كهرباء، حياة، حقوقنا المطلقة». وردّت الدولة بالقمع، فأطلقت الغاز المسيل للدموع ووجّهت تهماً تتعلق بالأمن القومي إلى ناشطين. وهذه الوفيات والاعتقالات كلفة بشرية مباشرة وقابلة للقياس لأزمة تسبب بها النظام نفسه. وبالنظر إلى المستقبل، فإن الحصيلة التراكمية مذهلة. إذ يقدّر تنبؤ لعشر سنوات سيناريو متوسطاً يبلغ 1,350,000 حالة وفاة زائدة تراكمية تُعزى مباشرة إلى الأزمات المتتالية. ويشمل ذلك ما يُقدّر بـ600,000 وفاة بأمراض مرتبطة بالحرارة، و500,000 بسبب سوء التغذية والمجاعة، و250,000 بالأمراض المنقولة بالمياه.
الهجرة الكبرى: النزوح الجماعي وزعزعة استقرار المنطقة
سيكون الأثر التراكمي لانهيار النظم الزراعية والطاقية والصحية العامة هو جعل مساحات واسعة من إيران غير صالحة للسكن، ما يطلق حركة بشرية بحجم لم تشهده البلاد في تاريخها الحديث. وهذه الهجرة جارية بالفعل. فقد أقرّت الحكومة الإيرانية نفسها بأن نحو 800,000 إيراني نزحوا داخلياً بسبب قضايا مرتبطة بالمناخ، بما فيها الجفاف والتصحّر. وليست هذه حالة طوارئ مؤقتة، بل هجرة دائمة تخلق جمهوراً هائلاً من «لاجئي المياه» الداخليين.
والحجم المحتمل للنزوح المستقبلي مذهل. فقد توقّع تقرير يونيو/حزيران 2025 سيناريو متوسطاً قوامه
12 مليون إيراني نازحين داخلياً بحلول عام 2035. غير أن أحداث صيف وخريف 2025 تستلزم مراجعة تصاعدية حادة لتقييم هذا التهديد. ففي يوليو/تموز 2025، حذّر الرئيس بزشكيان نفسه من أن أزمة المياه قد تجبر ما يصل إلى 15 مليون ساكن على الفرار من طهران وحدها. ومع أن ذلك ربما قُصد به المبالغة في حينه، فإن تصريحه اللاحق في أكتوبر/تشرين الأول بوجوب نقل العاصمة يضفي على هذا التحذير القاتم ثقلاً جديداً ومرعباً. فاحتمال أن تصبح مدينة عملاقة يقطنها أكثر من 10 ملايين نسمة غير صالحة للسكن عملياً يُدخل محرّكاً للنزوح بحجم غير مسبوق.
ومع استنفاد آليات التكيّف الداخلية وتآكل سيطرة الدولة، سيُضطر عدد كبير من الناس إلى عبور الحدود الدولية. وقد توقّع السيناريو المتوسط الأصلي تدفقاً عابراً للحدود قوامه 3.5 مليون لاجئ بحلول 2035. ومن شأن سيناريو فشل الدولة المتمحور حول انهيار طهران أن يرفع هذا الرقم بدرجة كبيرة، مولّداً أزمة لاجئين تقزّم حالات الطوارئ الإقليمية السابقة، بما فيها الحرب الأهلية السورية. واستقرار جيران إيران مهدَّد مباشرة وفورياً. فالعراق يصارع أصلاً أزمة مياه حادة خاصة به، وتركيا تدير واحداً من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم. ولا يوجد دليل على أن أي حكومة إقليمية أو هيئة دولية قد بدأت تخطيطاً للطوارئ لحدث إنساني وأمني بهذا الحجم.
الجدول 2: الكلفة البشرية المقدَّرة كمياً للانهيار (توقعات 2025-2035)
نقطة الانكسار السياسي: جدول زمني متسارع نحو فشل الدولة
إن التقاء الإخفاقات البنيوية مع المعاناة البشرية الجماعية يولّد ضغطاً لا يُحتمل على النظام السياسي الإيراني. فأزمة المياه التأسيسية تتطور إلى أزمة في شرعية الدولة، تقوّض سلطة النظام وتستنهض أعمق خطوط الصدع الإثنية والاجتماعية في البلاد. وتُظهر أحداث منتصف وأواخر 2025 انضغاطاً دراماتيكياً في الجدول الزمني للفشل البنيوي، ينقل الأمة من أزمة مزمنة إلى مرحلة نهائية.
جدول زمني متسارع نحو «اليوم صفر»
يحكم مسارَ الانهيار المدفوع بالمياه في إيران عتباتٌ فيزيائية وحلقات تغذية راجعة تدفع البلاد نحو مراحل متمايزة من الفشل البنيوي وفق جدول زمني يمكن تبيّنه. فعدم قابلية «موت الطبقة الحاملة للمياه» للانعكاس عبر هبوط الأرض يحبس الأمة في حالة شحّ مائي دائم بصرف النظر عن التغيرات السياسية أو أنماط هطول الأمطار مستقبلاً.
وقد تسارعت الأزمة من مسار مزمن يمتد عقداً إلى طوارئ حادة موسمية. فطوال الصيف، بدأت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية تطلق تحذيرات قاتمة من أن طهران قد تبلغ «اليوم صفر»، النقطة التي لا تعود فيها شبكة المياه البلدية قادرة على توفير المياه عبر الأنابيب، في غضون أسابيع. وفي أواخر يوليو/تموز، حذّر الرئيس بزشكيان نفسه علناً من أن خزانات طهران قد تجف تماماً بحلول سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول إذا لم يُضبط الاستهلاك.
وجاء التأكيد القاطع لهذه المرحلة النهائية في صورة معلومات استخبارية صلبة. فقد كشف تقرير «تحديث إيران» الصادر في 30 سبتمبر/أيلول 2025 عن معهد دراسة الحرب (ISW) أن احتياطيات المياه في سد كرج، أحد السدود الخمسة الحيوية التي تزوّد طهران، هوت من 111 مليون متر مكعب (mcm) (نحو 4 مليارات قدم مكعبة) في سبتمبر/أيلول 2024 إلى 28 مليون متر مكعب (نحو 989 مليون قدم مكعبة) في سبتمبر/أيلول 2025. ويمثل ذلك خسارة مذهلة بنسبة 75 في المئة في عام واحد. والسد، الممتلئ الآن بنسبة 15 في المئة فقط، عاجز عن توليد الكهرباء لطهران، وهو ما يؤكد الصلة المباشرة بين أزمة المياه وانقطاعات الكهرباء في العاصمة. وهذه البيانات، مقترنة ببيانات رسمية تفيد بأن إجمالي احتياطيات المياه السطحية في طهران انخفض 227 مليون متر مكعب (نحو 8 مليارات قدم مكعبة) على أساس سنوي، ترسم صورة لا سبيل إلى إنكارها لفشل شامل وبنيوي لكامل البنية التحتية للمياه السطحية في العاصمة.
لقد تحوّل «عقد اليوم صفر» إلى «موسم اليوم صفر». وإعلان الرئيس اللاحق في 2 أكتوبر/تشرين الأول أن نقل العاصمة «ليس خياراً؛ إنه فرض» هو إقرار فعلي بأن «اليوم صفر» بالنسبة إلى طهران أمر حتمي. ومرحلة «الطوارئ الفورية» (2025-2026) الموصوفة في تقرير يونيو/حزيران ليست حدثاً مستقبلياً ينبغي رصده، إنها الواقع الراهن المتحقق بالكامل على الأرض.
الجدول 3: جداول زمنية منقّحة للفشل البنيوي (تقييم أكتوبر/تشرين الأول 2025)
اللعبة الأخيرة: إعادة تقييم سيناريوهات مستقبل إيران
يستلزم الجدول الزمني المتسارع والرد السياسي للنظام إعادة ترجيح رسمية لاحتمالات السيناريوهات الختامية الثلاثة التي حدّدها تقرير يونيو/حزيران 2025.
السيناريو الأول: انهيار النظام والتفتت (ارتفع الاحتمال إلى مرتفع). هذه هي الآن النتيجة الأرجح. فإقرار الرئيس علناً بأن الدولة لم تعد قادرة على ضمان قابلية عاصمتها للحياة ضربة عميقة، وعلى الأرجح لا رجعة فيها، لهيبة النظام وادعائه الكفاءة. وهي إشارة إلى عموم السكان بأن الدولة أخفقت في أبسط وظائفها. وهذا، مقترناً بتصاعد «احتجاجات البقاء» والضغط الهائل على جهاز أمني بات عليه قمع شعب عطشان ويائس، يزيد بدرجة كبيرة فرص حدوث انهيار بنيوي. فأمرٌ بإطلاق النار على عائلات تطالب بالماء قد يفجّر بسهولة أزمة ضمير وتصدّعاً في ولاء قوات الأمن، بما يفضي إلى انهيار سريع للسيطرة المركزية وتفتت البلاد على امتداد خطوط صدعها المائية-الإثنية.
السيناريو الثاني: التدبّر القسري (تراجعت قابليته للاستمرار إلى منخفضة-متوسطة). مع أن قدرة الحرس الثوري الإسلامي على العنف تبقى هائلة، فإن الوقائع المادية لأزمة المياه تجعل هذا السيناريو أقل استدامة بكثير مما كان عليه قبل أربعة أشهر. فـ«الدولة الجوفاء» لا يمكنها العمل إلى ما لا نهاية إذا كانت عاصمتها بلا ماء. فالنظام يستطيع إطلاق النار على المحتجين، لكنه لا يستطيع إطلاق الماء في الأنابيب. وعدم استدامة طهران لوجستياً ومادياً بصورة مطلقة يجعل سيناريو «التدبّر» الطويل الأمد المتمحور حول العاصمة الحالية مستبعداً أكثر فأكثر. وإعلان الرئيس نقل العاصمة هو بحد ذاته اعتراف ضمني بأن خيار «التدبّر» بالنسبة إلى طهران قد أخفق أصلاً.
السيناريو الثالث: الإصلاح والاستقرار المستبعدان (احتمال يقترب من الصفر). لقد أغلق رد النظام على الأزمة هذا الاحتمال نهائياً. فـ«الحل» المقترح، مشروع نقل عاصمة خيالي وفاسد بمليارات الدولارات سيُثري الحرس الثوري الإسلامي، هو النقيض التام للإصلاحات المؤلمة القائمة على العلم واللازمة لبقاء الأمة (مثل تفكيك الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري، وإنهاء الدعم المدمِّر، وتمكين سلطة مياه مستقلة). وتؤكد هذه الخطوة أن النظام عاجز بنيوياً عن إصلاح حقيقي، وأنه سيمعن بدلاً من ذلك في نموذجه الفاشل القائم على الإثراء الذاتي حتى نقطة الانهيار التام. فالمقترح ليس سياسة لحل مشكلة، بل لعبة سياسية ختامية تكشف المنطق الداخلي للنظام، إنه يفضّل أن يرى البلاد تنهار بينما يجني نواته المتشددة أرباحاً من العملية على أن ينفّذ الإصلاحات الضرورية لبقاء الأمة.
مخطط للنهضة الوطنية
يرسي التحليل السابق تشخيصاً نهائياً لأزمة المياه في إيران وللإفلاس السياسي للنظام القائم. وينتقل هذا القسم الختامي من التشخيص إلى الوصفة العلاجية، فيعرض مخططاً مفصلاً وقابلاً للتنفيذ للنهضة الوطنية. وليست هذه خطة للحكومة الحالية، التي تشكل حاجزاً بنيوياً أمام البقاء، بل خارطة طريق لحكومة إيرانية مستقبلية، لاحقة للانتقال، مستعدة لاتخاذ الخيارات الصعبة الضرورية لسحب الأمة من حافة الهاوية.
الاتحاد الدولي لتعافي المياه: تصميم من أجل البقاء
يتوقف نجاح خطة التعافي هذه كلياً على انتقال سياسي يأتي بحكومة إيرانية جديدة تتحدد بالشفافية والمساءلة والانفتاح الاستراتيجي على الشراكة الدولية. ومحور الاستراتيجية هو التشكيل الفوري للاتحاد الدولي لتعافي المياه. ولن يكون هذا مؤتمر مانحين تقليدياً، بل تحالفاً تشغيلياً لدول ذات خبرة مثبتة وعالمية المستوى في كل جانب من جوانب إدارة المياه، يعمل خبراؤها يداً بيد مع مؤسسات إيرانية جديدة لتصميم التعافي وتنفيذه بصورة مشتركة. وقد اختير كل شريك لدور محدد ومتكامل:
- التكنولوجيا والحوكمة، إسرائيل: ستقود إسرائيل النشر السريع للتكنولوجيا المتطورة، مشرفة على تخطيط محطات تحلية مياه البحر بالتناضح العكسي (SWRO) واسعة النطاق، وعلى برنامج وطني لإعادة تدوير مياه الصرف يستهدف إعادة استخدام 90 في المئة منها للزراعة. والأهم أن خبراء من سلطة المياه الإسرائيلية (IWA) سيضعون المخطط لـ"سلطة مياه إيرانية" جديدة وموحّدة ومستقلة سياسياً، توحّد جميع صلاحيات التخطيط والتنظيم والتسعير تحت سقف واحد.
- البيانات والتخصيص، أستراليا: ستطبّق أستراليا المبادئ الجوهرية لخطتها الناجحة لحوض موراي-دارلينغ. وسيشمل ذلك إنشاء سجل وطني لاستحقاقات المياه، ووضع حدود تحويل مستدامة (SDLs)، وهي سقوف قابلة للإنفاذ قانوناً لاستخراج المياه في كل حوض من أحواض إيران، على أن تستند إلى عدّادات حديثة وشفافية عامة.
- المرونة الحضرية والتسعير، سنغافورة: سيصمّم خبراء من مجلس المرافق العامة السنغافوري (PUB) وينفذون استراتيجية "Four National Taps" للمدن الكبرى، بحيث تدمج جميع مصادر المياه ضمن نظام واحد أمثل. وستتمثل مساهمتهم الأكثر حساسية في تصميم هيكل تعرفة مائية وطني جديد يزيل أشكال الدعم المدمّرة ويتجه نحو استرداد الكلفة بالكامل، مع إدراج أسعار "lifeline" لحماية الفقراء.
- الحوكمة المحلية، هولندا: سيقدّم اختصاصيون هولنديون النموذج لإنشاء شبكة من مجالس المياه الإقليمية على مستوى الأحواض لأصحاب المصلحة، على غرار نظامهم العريق "waterschappen". وسيحلّ ذلك محل نظام إيران الفوقي المعتم بنموذج ديمقراطي ينتخب فيه أصحاب المصلحة المحليون ممثلين لإدارة مواردهم المائية بأنفسهم.
- التمويل والمشاريع الرأسمالية، السعودية وشركاء مجلس التعاون الخليجي: ستوفر السعودية وشركاؤها في الخليج رأس المال الارتكازي لإنعاش البنية التحتية بمليارات الدولارات، ولا سيما ممرات التحلية والطاقة الشمسية الضخمة. ولن يُقدَّم ذلك بوصفه معونة، بل استثماراً استراتيجياً حاسماً في استقرار المنطقة، مع هيكلته باستخدام نماذج متطورة للشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) والمشاريع المشتركة (JV).
الجدول 4: الاتحاد الدولي لتعافي المياه، التفويضات والمساهمات
مصائر متباينة: لماذا تكيّفت دول أخرى في المنطقة
تؤكد مقارنة تحليلية مع الكيفية التي نجحت بها دول قاحلة أخرى في المنطقة في إدارة شحّ المياه، أن أزمة إيران سياسية بالدرجة الأولى لا بيئية. وتُظهر النتائج المتباينة بين إيران وجيرانها أن العامل الحاسم للأمن المائي في الشرق الأوسط هو الحوكمة والإرادة السياسية.
دراسة حالة إسرائيل: في مواجهة شحّ طبيعي حاد في المياه، أعادت إسرائيل تشكيل اقتصادها المائي عبر مزيج من الإصلاح المؤسسي والابتكار التكنولوجي والاستثمار الضخم. واليوم، حققت أمنها المائي. وكان مفتاح نجاحها قانون المياه لعام 1959، الذي أمّم جميع الموارد المائية وأنشأ سلطة مياه إسرائيلية واحدة ذات طابع تكنوقراطي لإدارتها (Israel Water Authority، IWA)، بما يعزل صنع القرار عن الضغوط السياسية قصيرة الأمد. وقد أتاحت هذه الحوكمة المركزية استراتيجية وطنية متماسكة تقوم على ركيزتين: استحداث مصادر مياه جديدة وإدارة الطلب. وتحلّي إسرائيل اليوم أكثر من 80 في المئة من مياهها الحضرية المنزلية من البحر الأبيض المتوسط عبر بعض من أكفأ محطات التناضح العكسي في العالم. وهي الرائدة عالمياً في إعادة تدوير مياه الصرف، إذ تعالج نحو 90 في المئة من مياهها العادمة وفق معايير عالية وتعيد استخدامها في الزراعة. وقد أتاحت لها هذه الاستراتيجية، مقترنة بشبكة وطنية لنقل المياه وتسعير واقعي للمياه، تأمين مستقبلها المائي.
دراسة حالة السعودية: بوصفها واحدة من أكثر دول العالم جفافاً، شرعت السعودية في استراتيجية طموحة كثيفة رأس المال ضمن "رؤية 2030" لتأمين إمداداتها المائية. فالمملكة هي أكبر منتج لمياه التحلية في العالم، بإنتاج يومي يتجاوز 11.1 مليون متر مكعب (نحو 391 مليون قدم مكعبة)، وتخطط لتلبية 90 في المئة من طلبها الحضري على المياه عبر التحلية بحلول عام 2030. وتوفر استراتيجيتها الوطنية للمياه 2030 إطاراً شاملاً يضم 10 برامج استراتيجية تركز على الإدارة المتكاملة للموارد، وإدارة الطلب، ومشاركة القطاع الخاص. وإدراكاً منها لعدم استدامة استهلاكها المائي الزراعي (الذي يستأثر بنحو 84 في المئة من استخدام المياه العذبة)، تستثمر المملكة بكثافة في إعادة استخدام مياه الصرف. وهي تستعد لإطلاق 96 مشروعاً باستثمار قدره 4 مليارات دولار لتعزيز بنية إعادة الاستخدام، بهدف إعادة استخدام 70 في المئة من المياه المعالجة بحلول عام 2030. وتتضمن الاستراتيجية التحول إلى تقنيات الري الحديثة، وخفض الفاقد في الشبكات، وإنشاء شركات حكومية جديدة لإدارة منظومة نقل المياه وتوزيعها بكاملها بكفاءة.
يبرز نجاح هاتين الدولتين، اللتين تواجهان ظروفاً طبيعية مماثلة لظروف إيران أو أشد قسوة، التباين الصارخ في الحوكمة. فبينما تبنّت إسرائيل والسعودية إدارة تكنوقراطية مركزية وتكنولوجيا متقدمة واستثماراً استراتيجياً، اتسم النهج الإيراني بسلطة مجزأة ومسيّسة ("مافيا المياه")، والاعتماد على مشاريع عملاقة مدمّرة ومتقادمة، ونقص مزمن في الاستثمار، ودعم شعبوي يشجّع على الهدر. واختلاف النتائج ليس ثمرة المناخ أو الجيولوجيا، بل ثمرة خيار سياسي.
استراتيجية تعافٍ على مراحل
ستُنفَّذ خطة التعافي عبر ثلاث مراحل متمايزة لكنها متداخلة، تنتقل من تثبيت الاستقرار الطارئ إلى إصلاح بنيوي عميق، ثم إلى تحديث واسع النطاق للبنية التحتية.
المرحلة الأولى (المئة يوم الأولى): الفرز الطارئ والتعبئة. ستكون المئة يوم الأولى لأي حكومة جديدة حاسمة. ويجب أن ينصب التركيز على تثبيت الاستقرار فوراً وتعبئة الائتلاف. ويشمل ذلك توجيه دعوات رسمية إلى الشركاء، وإيفاد فرق تقييم سريع إلى الأحواض الأشد خطورة، وتأسيس "صندوق التعافي المائي الإيراني" بدعم من دول مجلس التعاون الخليجي والمؤسسات المالية الدولية، وإقرار "قانون التعافي المائي" الطارئ لإرساء الأساس القانوني لسلطة المياه الإيرانية الجديدة وللتفويض التشغيلي للائتلاف.
المرحلة الثانية (الأعوام 1-3): إصلاحات بنيوية مصممة بالشراكة. بعد تثبيت الطوارئ المباشرة، تركز هذه المرحلة على تنفيذ الإصلاحات العميقة اللازمة للاستدامة على المدى الطويل. وستُنشأ سلطة المياه الإيرانية الجديدة رسمياً مع خبراء إسرائيليين في أدوار استشارية. وستُنتخب أولى مجالس المياه الإقليمية لأصحاب المصلحة بإشراف هولندي. وسيُعمَّم النظام الوطني للمحاسبة المائية، بقيادة خبراء أستراليين، مع عدّادات حديثة وحدود استخراج ملزمة قانوناً. وستُطبَّق تدريجياً تعرِفات جديدة للمياه الحضرية، مصممة بمشاركة خبراء سنغافوريين. وأخيراً، ستبدأ إعادة هيكلة القطاع الزراعي بحوافز لتغيير أنماط المحاصيل، وبأولى مناقصات إعادة شراء حقوق المياه.
المرحلة الثالثة (الأعوام 3-7 وما بعدها): تحديث البنية التحتية بقيادة الشراكة. تمثل هذه المرحلة إعادة البناء المادي واسع النطاق للبنية التحتية المائية في إيران. وستبدأ عمليات الشراء والإنشاء للموجة الأولى من محطات التحلية الكبيرة وحقول الطاقة الشمسية المرتبطة بها، على أن تُدار عبر مناقصات دولية شفافة بإشراف مشترك. وسيُطلق برنامج ضخم مدعوم من الدولة لنشر تكنولوجيا الري بالتنقيط المتقدمة في المزارع على امتداد البلاد، مع تدريب يقدمه مهندسون زراعيون إسرائيليون. وستُشيَّد شبكة من محطات إعادة تدوير مياه الصرف الحديثة قرب جميع المدن الكبرى لبلوغ الهدف الوطني بإعادة استخدام 90 في المئة لأغراض الزراعة، بما يحرر كميات هائلة من المياه العذبة للاستخدام الصالح للشرب.
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية
الخلاصة: فشل دولة يتكشّف
تقود الأدلة المعروضة في هذا التقرير إلى استنتاج لا مفر منه: إن إيران تسير على مسار متسارع نحو فشل الدولة، مدفوعة بأزمة مياه من صنعها. فانهيار المنظومات الهيدرولوجية للبلاد لم يعد تهديداً بعيداً، بل صار عملية جارية قابلة للرصد. والأساس المادي للدولة، أي قدرتها على توفير المياه والكهرباء لعاصمتها، آخذ في الانهيار. أما الشرعية السياسية للدولة فقد تحطمت باعتراف الرئيس نفسه بهذا الإخفاق. والنظام الحالي، المشلول بحكم حمضه النووي السياسي والرهين لمصالح تربح من التدمير، عاجز بنيوياً عن تفادي هذه النتيجة. و"حلّه" المقترح، نقل العاصمة بصورة خيالية، ليس سوى تمويه لن يؤدي إلا إلى تسريع الأزمة عبر تحويل موارد غير موجودة أصلاً إلى الجهات نفسها التي ربحت من الكارثة الأصلية.
أمام إيران مستقبلان. الأول، وهو الأرجح في ظل النظام الحالي، مستقبل انهيار انعزالي: خزانات تفرغ، وانقطاعات متناوبة للكهرباء، وخراب زراعي، ونزوح جماعي، تتوجها كارثة إنسانية وأمنية ستزعزع استقرار المنطقة بأسرها. أما المستقبل الثاني فهو نهضة وطنية عبر شراكة عالمية. وهو مستقبل لا يمكن تحقيقه إلا بعد انتقال سياسي جذري، تقوده حكومة جديدة تختار الشفافية والتعاون بدل الأيديولوجيا والعزلة.
التوصية الأساسية: ضرورة التخطيط الاستباقي للطوارئ
إن انتظار انتقال سياسي في إيران للبدء بالتخطيط لاستجابة هو وصفة للفشل. فنافذة الفرصة لانتقال ناجح ومستقر ستكون ضيقة وفوضوية. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك الآن لضمان جهوزية خطة تعافٍ ذات مصداقية وشاملة وممولة بالكامل، قابلة للتنفيذ الفوري في "Day One". فقد تقلّص الجدول الزمني لوقوع حدث كبير لزعزعة الاستقرار من سنوات إلى أشهر.
لذلك، فإن التوصية السياسية الأساسية في هذا التقرير هي أن تبادر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع، بالتنسيق مع الدول الشريكة المقترحة، إلى التشكيل الفوري والاستباقي لـ"فريق عمل الظل للتعافي المائي الإيراني". وينبغي تكييف نموذج التخطيط الاستباقي متعدد الجنسيات للطوارئ، على غرار إنشاء مجموعة السبع "فريق عمل أسطول الظل" (Shadow Fleet Task Force) لمواجهة الشحن غير القانوني، لمعالجة الانهيار الإيراني الوشيك.
ويجب توسيع تفويض فريق عمل الظل هذا فوراً ليتلاءم مع الجدول الزمني المتسارع. فعليه أن ينقل تركيزه من التخطيط للتعافي الطويل الأمد إلى إدارة الأزمة القريبة الأمد والاستجابة للطوارئ. وستكون مهامه كالتالي:
- تسريع التخطيط الفني للاستجابة الطارئة: على شركاء الائتلاف (إسرائيل، أستراليا، سنغافورة، هولندا، دول مجلس التعاون الخليجي) تجاوز صياغة مخططات التعافي طويلة الأمد. فالأولوية الفورية هي تطوير حقائب تشغيلية لـ"Day One" لتنقية المياه في حالات الطوارئ، وأنظمة صرف صحي متنقلة، وتدخلات في مجال الصحة العامة مصممة للنشر في بيئة حضرية منهارة مثل طهران.
- إنشاء خلية لإدارة الأزمة الإنسانية/أزمة النزوح: يجب توسيع فريق العمل ليشمل ممثلين كباراً من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، وسائر الوكالات الإنسانية الرئيسية. وسيكون تفويض هذه الخلية نمذجة سيناريوهات النزوح استناداً إلى انهيار طهران وغيرها من المدن الكبرى، وتحديد الممرات اللوجستية، وبدء عملية التموضع المسبق للموارد تحسباً لتدفق جماعي محتمل للاجئين إلى تركيا والعراق والقوقاز.
- وضع خطط طوارئ لفوضى نقل العاصمة: على فريق العمل إجراء تحليل محدد للتداعيات الأمنية واللوجستية لأي محاولة فوضوية، تقودها الدولة (أو تنهار معها)، لنقل وظائف حكومية رئيسية وسكان خارج طهران. وينبغي أن يُنمذج هذا التحليل احتمال أن تُفضي هذه العملية إلى انهيار اجتماعي واسع، وعنف بين المكوّنات، وانهيار كامل لسلطة الدولة.
- إشراك أصحاب المصلحة الإقليميين في مسألة التداعيات العابرة للحدود: يجب أن تبدأ فوراً مشاورات متكتمة ورفيعة المستوى مع حكومات تركيا والعراق وأذربيجان ودول مجلس التعاون الخليجي. والغرض من هذه المشاورات تبادل المعلومات حول الطابع المتسارع للأزمة، وبدء العملية الضرورية للتخطيط المشترك للطوارئ من أجل إدارة التداعيات الأمنية والاقتصادية والإنسانية العابرة للحدود لانهيار إيراني كبير.
وبالاضطلاع بهذا العمل الآن، يستطيع المجتمع الدولي أن يضمن أنه حين تنفتح نافذة للتغيير في إيران، لن تُقابَل بالتردد والتأخير، بل بعرض شراكة ملموس وذي مصداقية وجاذب. وهذا يحوّل أزمة محتملة إلى فرصة تاريخية، إذ يمنح حكومة إيرانية جديدة ما تحتاجه من أدوات وخبرات وموارد لقيادة أمتها من حافة الانهيار إلى مستقبل من التعافي المستدام.
غاي غولدشتاين (Guy Goldstein) هو الرئيس التنفيذي لشركة Revenue Path، وهي شركة استشارية في استراتيجيات النمو، ويقدّم المشورة للحكومات والمؤسسات في مجالات الحرب المعرفية والتضليل وسلامة الذكاء الاصطناعي.
ربيكا بار-سيف (Rebecca Bar-Sef) هي مؤسسة مبادرة "فهم الإنسانية" (Understanding Humanity)، المكرّسة لإحياء الفكر النقدي وثقافة السؤال من خلال استكشاف كيف تنهض الحضارات وكيف تسقط.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)