ولي العهد الإيراني رضا بهلوي أمام معضلة القيادة
أسلوب بهلوي السياسي القائم على عدم التدخل ينعكس على تنظيمه المعارض للنظام، وعليه فرض قدر من الانضباط كي يمضي قدماً.
أبرز النقاط
- تنظيم رضا بهلوي يتسم بالفوضى، إذ يزعم عدة مقرّبين أنهم يتحدثون باسمه، وتبقى المراسلات بلا رد، كما أن الاستخبارات الإيرانية اخترقته من دون أن يتمكن من اجتثاث المتسللين.
- رفض بهلوي ضبط الشتات والمعارضة الداخلية، بدافع الخوف من أن تُلصق به صفة الدكتاتور، قد يبدو جبناً أو إهمالاً، ولا يترك للجمهورية الإسلامية ما يدعوها إلى القلق.
- حركة بهلوي وحدها من بين كل جماعات المنفى تملك إمكان الإسهام في انتقال سلمي للسلطة في إيران، حتى لو لم تكن النتيجة النهائية ملكية.
يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

يُعدّ ولي العهد الإيراني رضا بهلوي، من دون شك، أبرز وجوه المعارضة الإيرانية وأكثرها شهرة. وعلى خلاف مريم رجوي، زعيمة منظمة مجاهدي خلق، التي تفرض حجاباً صارماً وسبق أن اصطفّت إلى جانب الدكتاتور العراقي صدام حسين، فإنه وطني إيراني. ومع أن بعض الإيرانيين يحاولون إلصاق تجاوزات والده الراحل بالابن، فإن ذلك مجحف لسببين. أولاً، لا يكرر الأبناء تلقائياً أخطاء آبائهم؛ فالدكتاتورية ليست صفة وراثية. فالملك المغربي محمد السادس يُعد ليبرالياً عموماً؛ وقد اعترف بانتهاكات حقوق الإنسان في عهد والده الملك الحسن الثاني، وأشرف على هيئة للحقيقة والإنصاف والمصالحة. وكذلك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي قلب بمفرده نزعة المحافظة الاجتماعية التي اتسم بها عهد والده. ثانياً، رضا بهلوي دارس للتاريخ؛ فهو يدرك تجاوزات والده ويبذل قصارى جهده كي لا يكررها. وبدلاً من أن يفرض آراءه، يفعل العكس: يصغي ولا يعظ. وهو يرى نفسه صانع ائتلاف قادر على توحيد خيوط السياسة الإيرانية المتباعدة حول مبدأين: وحدة الأمة الإيرانية والديمقراطية. وهو يسعى إلى خيمة واسعة يتعايش تحتها الليبراليون والجمهوريون والملكيون جميعاً.
وفي حين ينتقص كثير من الناشطين الإيرانيين، أي الناشطين المؤيدين للجمهورية الإسلامية الذين يملأون المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC) ومعهد كوينسي (Quincy Institute)، من ولي العهد استناداً إلى تجارب آباء عانوا في ظل الملكية، فإن الإيرانيين العاديين المحاصرين داخل الجمهورية الإسلامية ينظرون إلى الأمر من زاوية مختلفة. فقد شارك 10 في المئة كاملة من الإيرانيين في الثورة الإسلامية عام 1979؛ وبالمقارنة، يقدّر مؤرخون أن 1 في المئة فقط من المستوطنين الأمريكيين شاركوا فعلياً في الثورة الأمريكية. وقد استقطب آية الله روح الله الخميني تلك الحشود عبر تعبئة الإيرانيين ضد الشاه، لا تأييداً لأي برنامج محدد. ونفى الخميني مراراً أن تكون له طموحات شخصية أو رغبة في السلطة، ووعد بدلاً من ذلك بـ«ديمقراطية إسلامية». وبحلول الوقت الذي أدرك فيه الإيرانيون أنه كذب، كان الأوان قد فات: فقد أحكم قبضته على السلطة. ثم جاءت الحرب والفساد وسوء الإدارة والعزلة لتنهك مستويات معيشة الإيرانيين.
في عهد الشاه، كان الاقتصاد الإيراني ينمو سريعاً؛ وأسهم التحضر المتسارع الذي تلا ذلك في تأجيج السخط الشعبي، إذ تدفق أبناء القرى ذوو العقليات الأكثر تقليدية إلى المدن، فإما أصابتهم خيبة الأمل من منعطف إيران الموالي للغرب، أو شعروا بأن التقدم الذي يرونه قد تجاوزهم. وبعد المعاناة في ظل النظام الديني، سرعان ما راح كثير من الإيرانيين يتحسرون على ما فقدوه. فالعشب دائماً أكثر خضرة في الجهة الأخرى.
رأيت إيرانيين قدموا من الجمهورية الإسلامية لحضور حفل زفاف فصادفوا ولي العهد، ولم يكونوا يعلمون أنه سيكون حاضراً. لم يكن أيّ منهم ملكياً؛ ومع ذلك تحلّقوا حوله جميعاً. انحنى بعضهم. وسعى بعضهم إلى تقبيل يديه. وسواء كانوا ملكيين أم لا، فإن رضا بهلوي رمز لأزمنة أفضل لدى الإيرانيين.
ومع كل هذه الإمكانات، فما المشكلة إذن مع رضا بهلوي؟
ومن المفارقات أن إحدى مشكلاته الكبرى هي هوسه بعدم تكرار أخطاء والده. فتنظيم الشتات الإيراني والمعارضة الداخلية قد يشبه محاولة جمع القطط في قطيع. غير أن رضا بهلوي يختار ألا يضبطهم خشية أن تُلصق به صفة الدكتاتور. وفي بعض الأحيان قد تكون هذه السلبية مفيدة؛ لكنها في أحيان أخرى تبدو جبناً، إن لم تكن إهمالاً. فالجمهورية الإسلامية تخشى وحدة الهدف بين الإيرانيين المناهضين للنظام؛ ولسوء الحظ، لم يمنحها بهلوي ما يدعو إلى القلق… حتى الآن.
ثمة تشابه مؤسف آخذ في التبلور بين رضا بهلوي وولي العهد الأردني السابق الأمير حسن، وهو مثقف لامع وإن كان مسهباً، تجاوزه الملك حسين عام 1999 لصالح ابنه الأقل كفاءة والأكثر فساداً، عبد الله الثاني. وفي الفترة التي سبقت حرب العراق عام 2003، أمل كثير من العراقيين أن يضطلع الأمير حسن بدور ما، ولو برئاسة مؤتمر دستوري. فالعائلة الهاشمية عالقة في الذاكرة الحسنة لدى كثير من العراقيين للسبب نفسه الذي يذكر الإيرانيون من أجله البهلويين: إذ مثّلوا العصر الذهبي. وكما قال لي أحد العراقيين ساخراً عام 2000: «صدام كان لعنة الله لأن الشيوعيين قتلوا الملك [الهاشمي]». وقد أمضى الأمير حسن نفسه صيف صباه في العراق وكان ملمّاً بالبلد. ولا شك أنه كان يتمتع بشرعية لدى العراقيين تفوق ما كان يتمتع به مسؤولون أمريكيون طموحون لكنهم إما عاجزون أو باحثون عن الأضواء، مثل جاي غارنر وزلماي خليل زاد وبول بريمر، الذين أرسلهم الرئيس جورج بوش إلى العراق فأثاروا سخط العراقيين العاديين. أما مشكلة الأمير حسن فكانت الجبن. فقد خشي الإقدام، بل ربما خشي حتى العودة إلى العراق. وعبد الله الثاني، الذي يفتقر هو نفسه إلى الثقة بالنفس، خشي أن يبرز نجم عمه، فسعى إلى إرغامه على الصمت. وفي المقابل، خشي حسن تحدّي عبد الله الثاني خوفاً من أن يقطع الملك أو حلفاؤه بين إمارات النفط في الخليج مخصصاته المالية. وفي نهاية المطاف، كان حسن يخشى المجازفة.
أما مجازفة رضا بهلوي فمختلفة. فهو لا يتلقى إعانات أجنبية، وليس بالثراء الذي يفترضه كثير من الإيرانيين. وقد يكون خوفه أنه في جوهره «قطة شرودنغر». وهو الآن قادر على الجمع بين الأمرين عبر ادعاء سلطة كبيرة. فإن أقدم على خطوة ولم يلتف الإيرانيون حوله، تبددت قوته وأهميته فوراً وبشكل دائم. وفي المقابل، إن التفوا حوله، فلن يعود حتى منتقدوه الأمريكيون قادرين على التشكيك في مكانته أو دوره. ويصبح السؤال عندئذ: هل رضا شديد الخوف من خوض المجازفة؟ عليه أن يزور المنطقة، بل ربما أن يقيم إقامة مؤقتة في النجف، حيث أمضى الخميني سنوات من منفاه، وحيث قد يلتقيه الحجاج الإيرانيون وربما يلتفون حوله. قد لا يروق ذلك للحكومة العراقية، وسيحاول بلطجية المرشد الأعلى علي خامنئي اغتياله، لكنه سيحتاج في مرحلة ما إلى طرح القلق جانباً والإقدام على خطوة جريئة.
لكن حتى لو فعل رضا بهلوي ذلك، فسيظل عليه معالجة مشكلات أخرى كبّلته زمناً أطول مما ينبغي. فتنظيمه نفسه يعكس أسلوبه السياسي القائم على عدم التدخل. ووصفه بالفوضوي سيكون تقليلاً من حقيقة الحال. فهناك عدة مقرّبين يزعم كل منهم أنه يتحدث باسمه. ويخلق ذلك مشكلة حين يستخدم معاونون سلطته للانخراط في سجالات، مستهدفين ناشطين إيرانيين آخرين، بل وحتى أمريكيين من غير الإيرانيين. فولي العهد مسؤول في نهاية المطاف عمّن يتحدثون باسمه، ما لم يردع أو يفصل من يفعلون ذلك من دون تفويض. والملكيون ليسوا طائفة مغلقة مثل منظمة مجاهدي خلق، لكن أقلية صغيرة من أنصار رضا بهلوي تنسى ذلك.
وداخل تنظيم بهلوي أيضاً مشكلة في المتابعة. فكثيرون يتخيلون أنفسهم وزراء بحكم الأمر الواقع؛ يريدون المجد لكنهم لا يُظهرون الكفاءة. فالمراسلات تبقى بلا رد. وفريقه يطلب عقد اجتماعات ثم لا يرد على المواعيد والأوقات المقترحة. وربما يخشى بهلوي أن يؤدي التشدد في فرض الانضباط، بل وحتى فصل من لا يضيفون شيئاً أو ينتقصون من حركته، إلى تراشق بالاتهامات وتشتيت غير ضروري. كما أن تنظيمه مخترق من جانب الاستخبارات الإيرانية. ولا شك أن رضا بهلوي يدرك ذلك. والعجز عن اجتثاث هؤلاء المتسللين أو عدم الرغبة في ذلك أمر مقلق. لكن مع ترنّح الجمهورية الإسلامية، لم يعد بوسعه التأجيل. فإن كان عاجزاً عن إدارة تنظيمه بفاعلية، فإنه يمنح مصداقية لمنتقديه القائلين إنه لا يستطيع إدارة مؤتمر دستوري، ناهيك بإدارة بلد.
لا لبس في الأمر: فمن بين كل جماعات المنفى، تنظيم بهلوي وحده يملك إمكان الإسهام في انتقال سلمي للسلطة في إيران، حتى لو لم تكن النتيجة النهائية ملكية. فبينما يحتقر الإيرانيون منظمة مجاهدي خلق لدعمها الخميني، وخيانتها إيران لصالح صدام، ثم دعمها الإرهاب، فإنهم يرون في رضا بهلوي رمزاً لعصرهم الذهبي. نوايا بهلوي حسنة، لكنه ما لم يفرض الانضباط على حركته، وإلى أن يمضي في الإدارة قدر ما يمضي في الاستعراض الأخلاقي بشأن إمكان مستقبل أفضل، فإنه يضمن ألا يحقق طموحه الحقيقي أبداً. ولن يكون ذلك مأساة شخصية فحسب، بل مأساة للشعب الإيراني الذي يستحق أفضل من ذلك بكثير، ويستحق فرصة حقيقية في ديمقراطية برلمانية.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)