MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

خدعة "أندينيا" تحوّل الأساطير المعادية للسامية إلى سلاح هجين في صراع باتاغونيا

أصحاب نظريات المؤامرة يتجاهلون الوقائع ويحمّلون السياح اليهود المسؤولية بدلًا من الجفاف ونقص تمويل مكافحة الحرائق.

A wildfire in Patagonia, Argentina, in 2021.
حريق غابات في باتاغونيا، الأرجنتين، عام 2021. · Shutterstock

لم تكن حرائق الغابات التي أتت على أكثر من 15,000 هكتار من الغابات والمراعي في مقاطعة تشوبوت الأرجنتينية في كانون الثاني/يناير 2026 مجرد أزمة بيئية. فقد تحوّلت فورًا إلى أحدث وسيلة لإحياء خدعة «أندينيا»، وهي نظرية مؤامرة معادية للسامية راسخة تزعم أن الصهاينة يعتزمون اقتطاع دولة يهودية من جنوب الأرجنتين وتشيلي.

تحرّك ساسة المعارضة والناشطون على الفور. إذ اتهم الجنرال المتقاعد سيزار ميلاني (César Milani) والناشط لويس دِلْيا (Luis D'Elía) سياحًا إسرائيليين بإشعال الحرائق بقنابل يدوية تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي. وبثّت مقدّمة البرامج الإذاعية مارسيلا فيوداله (Marcela Feudale) هذه المزاعم قبل أن تصدر اعتذارًا. وانتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي تزعم إظهار مخربين إسرائيليين ووديانًا مشتعلة في باتاغونيا. وأظهرت بيانات «غوغل ترندز» ارتفاعًا حادًا في عمليات البحث عن «خطة أندينيا» في 11 كانون الثاني/يناير 2026.

ولم يعثر المدّعون العامون الأرجنتينيون على أي دليل على إضرام حريق منظّم. وقد وقعت من قبل حالات إهمال فردية من جانب رحّالة يحملون حقائب الظهر. إذ تسبّب سائح إسرائيلي من دون قصد في حريق التهم أكثر من 17,000 هكتار في منتزه توريس ديل باينه الوطني في تشيلي عام 2011. لكن السلطات لم تعثر قط على دليل على حملات ممنهجة.

وقاد الخطاب إلى العنف في غضون ساعات. ففي لاغو بويلو، تعرّضت نُزل شعبية يرتادها مسافرون إسرائيليون شبان، ومنها «أوندا أثول» (Onda Azul)، لهجمات بزجاجات مولوتوف وحملات كشف بيانات وسمتها بأنها «مواقع عسكرية أمامية». وأبلغت مؤسسات يهودية في أنحاء المنطقة عن تصاعد المضايقات.

وقد أعطت هجمات حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها دفعة هائلة لهذا الاتجاه. فقد وثّقت الأرجنتين ارتفاعًا بنسبة 44 في المئة في الحوادث المعادية للسامية عام 2023، وقع 57 في المئة منها في الأشهر الثلاثة التي تلت مذبحة حماس في كيبوتسات وبلدات جنوب إسرائيل. أما تشيلي، التي تضم ما بين 450,000 و500,000 شخص من أصول فلسطينية، وهي أكبر جالية من هذا النوع خارج العالم العربي، فقد وفّرت أرضًا خصبة لهذه السرديات المستوردة. وضخّمت وسائل إعلام مدعومة من إيران هذه الأكاذيب من دون توقف.

تُعدّ باتاغونيا جائزة جيوستراتيجية عالية القيمة. فالحقل الجليدي الباتاغوني الجنوبي يضم ثالث أكبر احتياطي للمياه العذبة في العالم بعد أنتاركتيكا وغرينلاند. ولن تزداد أنهاره الجليدية وطبقاته الحاملة للمياه الجوفية إلا أهمية مع اشتداد الإجهاد المائي عالميًا. وتُشرف المنطقة على ممر دريك، نقطة الاختناق البحرية الحاسمة التي تربط المحيطين الأطلسي والهادئ وتُعد البوابة الرئيسية لطرق الإمداد إلى أنتاركتيكا. وتنقل التيارات البحرية هناك ما بين 100 و150 سفيردروب من المياه، وهي كميات تفوق أحجام معظم المضائق الاستراتيجية الأخرى. ومع فتح التغير المناخي ممرات ملاحية جديدة واقتراب موعد مراجعة معاهدة أنتاركتيكا عام 2048، تحمل السيطرة على هذه المياه ثقلًا عسكريًا وتجاريًا حاسمًا. كما تضم المنطقة امتدادات لتكوين «فاكا مويرتا» النفطي والغازي، ومعادن نادرة، وتنوعًا بيولوجيًا لا نظير له.

ويكشف الغضب الانتقائي إزاء ملكية الأجانب للأراضي زيف هذه الخدعة. فالكيانات الأجنبية تسيطر على نحو 6.1 في المئة من الأراضي الأرجنتينية، أي ما يقارب 16 مليون هكتار. وتتصدّر الشركات الصينية القائمة بأكثر من 1.1 مليون هكتار. وتملك عائلة بينيتون الإيطالية 920,000 هكتار. ويسيطر مستثمرون قطريون على عشرات الآلاف الإضافية. أما الحيازات المرتبطة بإسرائيليين فتبقى هامشية. ومع ذلك يتجاهل منظّرو المؤامرة هذه الوقائع الموثّقة ويركّزون حصرًا على اليهود، معيدين تدوير الصور النمطية الكلاسيكية المعادية للسامية عن المؤامرات السرية والأجانب غير الموالين.

وقد زاد اصطفاف الرئيس خافيير ميلي الصريح مع إسرائيل والولايات المتحدة من حدّة ردّ الفعل. فقد عمّقت إدارته التعاون الأمني ومضت في خطط نقل سفارة الأرجنتين إلى القدس. وفي الوقت نفسه، قلّصت إجراءات التقشف تمويل الدائرة الوطنية لإدارة الحرائق بنسبة 71 في المئة بالقيمة الحقيقية في موازنة 2026. فضعفت القدرة على الوقاية، حتى مع تخفيف بعض القواعد المتعلقة ببيع الأراضي بعد الحرائق. واختار المنتقدون إلقاء اللوم على الزوار الإسرائيليين وعلى وهم أندينيا بدلًا من أوجه القصور الداخلية أو الجفاف الناجم عن المناخ.

وتتبع هذه الحادثة نمطًا واضحًا من الحرب الهجينة. فخصوم إسرائيل وخصوم الحكومات الموالية للغرب في أمريكا اللاتينية يوظّفون المظالم المحلية سلاحًا عبر التضليل الإعلامي. فالمزاعم الملفّقة عن القنابل اليدوية، والصور المفبركة، والتضخيم الانتقائي، كلها تقوّض ثقة الجمهور وتستقطب مجتمعات منهكة أصلًا بالأزمة الاقتصادية. وقد صبّت إيران والشبكات المتحالفة معها الزيت على النار. كما تصوّر أصوات متعاطفة مع أجندات «بريكس» التصحيحية خيارات ميلي الاستراتيجية بوصفها خيانة للسيادة، بما يحرف الانتباه على نحو مريح عن عمليات الاستحواذ الواسعة على الأراضي من جانب الصين وغيرها.

وفي عصر تشتدّ فيه المنافسة متعددة الأقطاب، تتحول الأطراف الغنية بالموارد مثل باتاغونيا إلى مسارح نفوذ رئيسية. فمياه المنطقة العذبة، ومنافذها البحرية الاستراتيجية، ومعادنها، وقربها من أنتاركتيكا، تجعل منها جائزة ستواصل القوى الكبرى التنافس عليها. وتعمل خدعة أندينيا بوصفها أداة منخفضة التكلفة لتقويض الحكومات التي تختار علاقات أوثق مع الغرب، وفي الوقت نفسه ترويج سرديات تصوّر الفاعلين الخارجيين على أنهم مستغلّون للجنوب العالمي.

وتمتلك الأرجنتين الأدوات اللازمة للتصدي لهذا التهديد بفاعلية. فسجلات الأراضي العامة الشفافة، وتقييمات الأثر البيئي الإلزامية لكل عملية شراء أجنبية، وإعادة تمويل الوقاية من حرائق الغابات إلى مستوياته السابقة، كلها تعالج نقاط ضعف حقيقية. كما أن التطبيق الصارم لقوانين التحريض من شأنه حماية النقاش العام من دون التستر على الإهمال.

وفي الوقت نفسه، ينبغي لإسرائيل أن تحافظ على إرشادات السفر المسؤول في النظم البيئية الحساسة. ويمكن للمشاريع المشتركة في الكشف المتقدم عن حرائق الغابات، والإدارة المستدامة للمياه، والسياحة البيئية، أن تحوّل الشكوك إلى شراكة استراتيجية. ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها التعامل مع حملات التضليل في المخروط الجنوبي بوصفها التهديد الهجين الذي تمثّله فعلًا.

لقد دمّرت حرائق باتاغونيا الغابات وشرّدت المجتمعات المحلية. أما نظرية المؤامرة المعادية للسامية التي أحيتها فتهدّد شيئًا أكثر جوهرية، هو صفاء التفكير في السيادة والموارد والتحالفات. فالأساطير المعادية للسامية لا تصون المصالح الوطنية، بل تُضعف الدول وتفتح ثغرات أمام النفوذ الخارجي ذاته الذي تزعم نظرية المؤامرة معارضته. وفي الصراع على مستقبل باتاغونيا، ستحسم الوقائع، لا الملفّقات، النتيجة.

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)