إسبانيا تسلّح إيران بهدوء وتُحرج أوروبا
طهران تردّ الجميل بشنّ "حملة صليبية" معلنة ضد الغرب انطلاقًا من الأراضي الإسبانية.

عندما ضربت القوات الأمريكية والإسرائيلية مواقع عسكرية إيرانية في آذار/مارس 2026، اكتفى معظم القادة الأوروبيين بإصدار بيانات حذرة ثم مضوا في شؤونهم. أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز فاتخذ موقفًا أكثر مجازفة، إذ أعلن "لا للحرب"، وأغلق المجال الجوي الإسباني أمام الطائرات العسكرية الأمريكية، ورفض منح الولايات المتحدة حق استخدام قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية، واستدعى دبلوماسيين، وجعل إسبانيا أعلى صوت أوروبي معارض للعملية الجارية في إيران، وهي العملية التي يصفها سانشيز بأنها "حرب غير قانونية وعبثية وقاسية".
ولم تأت هذه القرارات الدبلوماسية من دون سند عملي. وتُظهر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن كتابة الدولة للتجارة في إسبانيا أن حكومة سانشيز وافقت على صادرات مزدوجة الاستخدام إلى إيران بقيمة 1.54 مليون دولار خلال عام 2024 والنصف الأول من عام 2025. وشملت الشحنات صواعق تفجير، ومتفجرات من الأنواع A وB وE، وكواشف كيميائية، وبرمجيات للتحكم، وآلات عالية الدقة مثل مخارط التحكم الرقمي بالحاسوب، وآلات التفريز، ومراكز التشغيل. وذهب نحو 70 في المئة من هذه المواد إلى شركات إيرانية مملوكة للدولة أو مرتبطة بها. وشكّلت قيمة الـ1.54 مليون دولار كلها تقريبًا آلات من الفئة الثانية مصممة للتصنيع الدقيق في إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
والنمط أعمق وأطول أمدًا من ذلك. فمنذ تولّي سانشيز منصبه عام 2018، أجازت إسبانيا نحو 7 ملايين دولار من التقنيات مزدوجة الاستخدام ذات التطبيقات العسكرية والمتاخمة للمجال النووي لصالح طهران. وفي عام 2024 وحده، تجاوزت صادرات الآلات 80 مليون دولار. وفي العام نفسه، صدّرت إسبانيا أيضًا أفرانًا صناعية بقيمة 27.5 مليون دولار وصمّامات بقيمة 16.4 مليون دولار، وهي معدات يستطيع قطاع الدفاع الإيراني إعادة توظيفها بسهولة. وبلغ إجمالي الصادرات الإسبانية المتصلة بالدفاع إلى إيران 198.72 مليون دولار.
وتردّ إيران الجميل بتنفيذ "حملة صليبية" معادية للغرب انطلاقًا من الأراضي الإسبانية صراحةً. فالسفارة في مدريد تستضيف حاليًا ملحقين عسكريين واستخباراتيين. وفي آذار/مارس 2026، أعلن السفير رضا ذبيح من مدريد أن إيران قادرة على ضرب أي قاعدة أمريكية في أوروبا، وسمّى صراحةً منشأتي روتا ومورون.
والتداعيات الاستراتيجية فورية وقابلة للقياس. فالمكوّنات الإسبانية تغذّي اليوم خطوط الإنتاج التي تصنع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران على دولة إسرائيل والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد شكرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية إسبانيا بلصق اقتباسات مناهضة للحرب أدلى بها سانشيز على صواريخها كغنائم دعائية. فدولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تستضيف قواعد أمريكية حيوية زوّدت الخصم بالتكنولوجيا بدلًا من ذلك، في الوقت الذي رفضت فيه دعم الضربات التي شنّها الحلفاء ضده.
ولا يمكن أن تكون الرهانات الجيوستراتيجية أعلى من ذلك. فقاعدة روتا البحرية تقع على مضيق جبل طارق، وتتحكم في الممرات البحرية الحيوية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. وهي تدعم العمليات البحرية الأمريكية عبر ثلاث قارات، وتستضيف أصولًا متقدمة الانتشار لا غنى عنها للاستجابة السريعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما مورون فتعمل كمركز لوجستي جوي رئيسي لطائرات التزوّد بالوقود، وطائرات النقل، وانطلاق العمليات الخاصة. وتتيح القاعدتان معًا إسقاط القوة الذي يقوم عليه ردع الناتو والالتزامات الأمريكية تجاه الأمن الأوروبي. وبمنعها استخدامهما، أجبرت إسبانيا الولايات المتحدة على تغيير مسارات طائراتها، وكشفت صدعًا في تماسك التحالف في اللحظة ذاتها التي كانت إيران تختبر فيها أسراب صواريخها ضد الدفاعات الإسرائيلية.
وبالنسبة إلى إيران، باتت إسبانيا شريان حياة عصيًّا على العقوبات داخل أوروبا. فالإمداد المنتظم بالآلات الدقيقة والقطع مزدوجة الاستخدام يمنح المجمّع الصناعي العسكري في طهران متنفسًا. ويستخدم المهندسون الإيرانيون هذه المعدات لصقل أنظمة التوجيه، وأغلفة الرؤوس الحربية، ومكوّنات الدفع، للصواريخ والطائرات المسيّرة ذاتها التي تهدّد اليوم الاستقرار في أنحاء المنطقة. كما أن الغطاء الدبلوماسي المصاحب للانتقادات الإسبانية يبعث إلى طهران بإشارة إضافية مفادها أن الغرب لا يزال منقسمًا وقابلًا للاستغلال.
وتسلّط السياسة الإسبانية الضوء كذلك على هشاشة أوروبية أوسع. فبينما كان الشركاء يتناقشون في الردود المتناسبة والدفاع الجماعي، استمرت التجارة الإسبانية مع إيران دون انقطاع. والصادرات الحساسة البالغة 1.54 مليون دولار خلال عام 2024 ومطلع عام 2025 وحدها منحت إيران قدرة تصنيعية لا تستطيع الحصول عليها من مصدر آخر في ظل العقوبات. وهذا الانخراط التجاري، مقترنًا بالمعارضة العلنية لعمليات الحلفاء، يخلق بيئة متساهلة تستغلها إيران لتقويض الوحدة الغربية.
لقد اختارت إسبانيا، الحليفة في الناتو التي تضم 48 مليون مواطن أوروبي، التجارة الرخيصة والتصفيق المحلي على انضباط التحالف والأمن الجماعي. فأبقت القنوات مفتوحة وساعدت على إدامة نظام يهدّد علنًا أمريكا والمصالح الغربية عمومًا. والخيار صارخ: إما مواصلة تغذية إيران وتقسيم الغرب، وإما التصرّف أخيرًا كحليف جادّ في عصر الحرب الدقيقة والقوة الصلبة.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)