بن شبات: إسرائيل لن توافق بأي حال على إقامة دولة فلسطينية
مقابلة مع مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات.

يتعيّن على إسرائيل أن تحطّم أمل الفلسطينيين في هزيمتها عبر العنف. فلن يكون ثمة حل دائم للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ما لم يدرك الفلسطينيون ومؤيدوهم أن العنف ضد إسرائيل لا يمكن أن يفضي إلى نصر أو يحقق أهدافهم. وفي ورقته السياسية الصادرة حديثًا عن منتدى الشرق الأوسط بعنوان «تحطيم أمل الفلسطينيين في هزيمة إسرائيل»، يطرح مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات، أحد مهندسي اتفاقيات إبراهيم، استراتيجية لتحقيق هذا التحول الجوهري في تصورات الفلسطينيين للصراع.
في هذه المقابلة مع «مرصد منتدى الشرق الأوسط» (Middle East Forum Observer)، يعرض بن شبات توصياته السياسية بشأن غزة والسلطة الفلسطينية والمستوطنات الإسرائيلية، مستندًا إلى دروس الحرب. كما يقترح مقاربات للسياسة الأميركية، وللتهديدات التي تمثلها إيران وتركيا، وللعلاقات مع لبنان وسوريا، ولتوسيع اتفاقيات إبراهيم، بما في ذلك التطبيع مع السعودية.
مرصد منتدى الشرق الأوسط: كيف يبدو المجتمع الفلسطيني بعد هزيمته إدراكيًا، وكيف ستعرف إسرائيل أنها بلغت هذه الغاية؟
بن شبات: في واقع الهزيمة الإدراكية، يمارس المجتمع الفلسطيني حياته اليومية، بل وحتى صراعاته، وهو يدرك أن إسرائيل لا يمكن هزيمتها، وأن إرادته لا يمكن فرضها على إسرائيل بالعنف، وأن إسرائيل لا يمكن إزالتها. إنه إدراك عميق ودائم بأن مواصلة الكفاح المسلح لن تقدّم الأهداف الفلسطينية، بل ستفرض ثمنًا باهظًا. وكما حدث في العلاقات السابقة بين إسرائيل والدول العربية، فإن هذا الإدراك سيوجّه من يسعون إلى التغيير نحو مسارات غير الكفاح العنيف.
ولن يتأتى إدراك تحقق هذه الهزيمة من حدث واحد، بل من رصد تغيّر متسق في سلوك القيادة، والنظام التعليمي، والفتاوى الدينية، والإعلام الفلسطيني، والخطاب العام، والرأي العام. وسيكون نزع الشرعية عن الإرهاب، وتفكيك البنى التحتية المسلحة، والاعتراف بحق الشعب اليهودي في دولة قومية في وطنه التاريخي، أولى التجليات العملية لمثل هذا التغيير. ومحكّ هذه الهزيمة لا يكمن فقط في ما يقوله الفلسطينيون، بل قبل كل شيء في ما يفعلونه عبر الزمن. بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ما الدليل على أن الفلسطينيين كفّوا عن الاعتقاد بأن إسرائيل يمكن هزيمتها؟ وإن لم يوجد دليل، فما الذي أخفقت الحرب في تحقيقه؟
لا أزعم أن الهزيمة الإدراكية تحققت بالفعل. بل على العكس، فإن إحدى الحجج المركزية في ورقتي هي أن الإنجازات العسكرية المثيرة للإعجاب التي حققتها إسرائيل لم تُترجم بعد، على نحو كامل، إلى تغيير في وعي أعدائها. ومع ذلك، يمكن رصد بوادر أولى للتغيير. فالفتوى التي أصدرها البروفيسور سليمان الداية ضد هجوم السابع من أكتوبر، وما تلاها من تقرير شرعي منه، في ضوء ثمن الحرب، بأن الجهاد لا ينبغي خوضه في ظروف مشابهة لظروف غزة، هي بدايات لمثل هذا التغيير.
في يناير 2025، نشر الباحث والكاتب السياسي المخضرم ماجد كيالي مقالًا في مجلة «المجلة» المرموقة بعنوان «انهيار الخيار العسكري ضد إسرائيل لدى الفلسطينيين والعرب على حد سواء». ورأى أن السابع من أكتوبر 2023 شكّل نهاية حقبة في الحركة الوطنية الفلسطينية، حقبة بدأت، في نظره، مع أول عملية تخريب نفذتها فتح عام 1965، التي كانت إيذانًا ببدء الكفاح المسلح الفلسطيني. ورأى كيالي كذلك أن المقاومة المسلحة قد استنفدت مسارها. فبرأيه، كما أن حرب أكتوبر 1973 كانت نهاية الخيار العسكري في الصراع العربي-الإسرائيلي على مستوى الدول، فإن «طوفان الأقصى» والحرب في غزة يؤذنان بنهاية الخيار العسكري في الصراع غير الدولتي، أو القائم على الميليشيات، ضد إسرائيل.
وهكذا، حتى وإن لم تكتمل هذه العمليات بعد، فإن ثمة أدلة كثيرة على أن إسرائيل ما زالت قادرة على إحداث تغيير في كيفية نظر أعدائها وخصومها ومنافسيها إليها، سواء كانوا دولًا أم فاعلين من غير الدول.
علاوة على ذلك، سجّل استطلاع فلسطيني في أغسطس 2026 تراجعًا كبيرًا في تأييد حماس، إلى جانب تنامي الشكوك بشأن جدوى الكفاح المسلح في ضوء الدمار في قطاع غزة. وهذه تطورات مهمة، لكن لا ينبغي المبالغة في دلالتها. ففي الاستطلاع نفسه، ما زال 72 في المئة من المستطلَعين يعارضون نزع سلاح حماس قبل انسحاب إسرائيلي كامل.
وهذا لا يعني أن الحرب قد فشلت. فالهزيمة العسكرية شرط ضروري للهزيمة الإدراكية، لكنها ليست كافية بذاتها. فبوسع تنظيم إرهابي أن يصوّر مجرد بقائه على قيد الحياة إنجازًا، حتى بعد تلقيه ضربات قاسية. وفضلًا عن ذلك، حين يمضي المجتمع الدولي قدمًا في الاعتراف بدولة فلسطينية بعد هجوم السابع من أكتوبر الشنيع، فإنه يعزز الرسالة القائلة إن العنف يؤتي ثماره. والتحدي أمام إسرائيل هو استكمال جميع أهدافها العسكرية وضمان ترسّخها في وعي كل الأطراف المحيطة بها.
من سيدير الحياة المدنية في غزة بعد زوال حماس؟ وإذا كان الجواب إسرائيل، فإلى متى؟
ما دامت حماس تحتفظ بسلاحها، وتشغّل آليات السيطرة، وتحافظ على نفوذها على السكان، فإن تغيير الأسماء أو تشكيل اللجان لن يخلق واقعًا جديدًا. أولًا، يجب تفكيك حماس، ونزع سلاح قطاع غزة، وتهيئة شروط التغيير في الفضاء العام. ولا أعتقد أن من الصواب تحديد من سيدير الحياة المدنية، ومتى، وكيف، سلفًا. أما تدخل إسرائيل فينبغي أن يحدده الواقع الأمني والقدرة على ضمان أن يكون التغيير حقيقيًا ودائمًا.
هل يستلزم نموذجك تفكيك السلطة الفلسطينية؟ لنأخذ الخليل أو نابلس: من يدير المدينة في اليوم التالي؟
انهار مفهوم أوسلو، لكن ليس قبل أن يكلّفنا ثمنًا باهظًا جدًا. وعمليًا، الجميع يدرك ذلك، لكنهم يرفضون إصدار شهادة وفاته. والبديل الذي أقترحه يقوم على توزيع مختلف للمسؤوليات: إدارة مدنية يتولاها الفلسطينيون، عبر إدارات محلية أو إقليمية ذات صلاحيات واسعة، ومسؤولية أمنية تكون حصرًا بيد إسرائيل.
في الخليل، على سبيل المثال، يمكن بحث المبادرة التي طرحها زعماء العشائر والمشايخ المحليون لإقامة إطار إداري مستقل يدير شؤون السكان ويقيم صلات مباشرة مع السلطات الإسرائيلية. ويمكن النظر في نموذج مماثل في نابلس، مع تكييفه مع بنيتها الاجتماعية وظروفها المحلية. وينبغي أن يكون التغيير تدريجيًا ومضبوطًا، تحت سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة.
يقول المنتقدون إن توسيع الاستيطان يزيد العداء الفلسطيني صلابة. فما الدليل على أنه يقلّص أملهم في الانتصار بدلًا من ذلك؟
يبدو أن مجرد وجودنا يزيد العداء الفلسطيني صلابة أيضًا. فكل نجاح إسرائيلي وكل إنجاز يزيد هذا العداء صلابة. وكل عملية أمنية استباقية تنفذها إسرائيل تضيف إليه كذلك. ويمكن للمرء أن يضع قائمة طويلة بالأمور التي تزيد العداء الفلسطيني صلابة. وآمل ألا يظن أحد أننا ينبغي أن نغيّر سلوكنا في هذه المجالات بسبب ذلك.
لا أتجاهل احتمال أن يثير توسيع الاستيطان معارضة فلسطينية، بل وأن يزيد الدافعية للعمل ضد إسرائيل على المدى القصير. وفي ورقتي، أشير صراحة إلى المخاطر الدبلوماسية والأمنية التي ينطوي عليها الأمر. لكن علينا أن نميّز بين رد الفعل الآني والتغيير الإدراكي بعيد المدى. فالاستيطان اليهودي في يهودا والسامرة يخلق واقعًا ملموسًا يزداد تجاهله أو عكسه صعوبة مع مرور الوقت. وهو يثبت أن الزمن لا يعمل بالضرورة لصالح من ينتظرون انسحابًا إسرائيليًا، وأن لا المقاومة ولا الضغط الدولي كافيان لتغيير الواقع على الأرض.
حجتي استراتيجية وتاريخية: فالتغيير العميق في الوعي يحدث حين يستبعد الواقع، عبر الزمن، إمكانية تحقيق تطلعات بعينها. وهذا ما حدث في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، التي خلصت تدريجيًا إلى أنها لا تستطيع تدمير إسرائيل. والاستيطان مرتبط أولًا وقبل كل شيء برابطتنا التاريخية بهذه الأراضي. وثانيًا، يسهم الاستيطان أيضًا في ضمان الجاهزية الأمنية. وإلى جانب ذلك، وفي سياق نقاشنا، فإن الاستيطان عنصر مركزي أيضًا في خلق التصور المنشود لهذه المنطقة. وبالطبع، يجب أن يقترن بترتيبات أمنية ملائمة.
أين تتعارض مقاربة واشنطن تجاه غزة والسلطة الفلسطينية مع مصالح إسرائيل، وما الذي ينبغي لإسرائيل أن ترفض مجاراته؟
الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لإسرائيل، وقد أدت دورًا مركزيًا في إنجازات الحرب وفي الجهود الرامية إلى تشكيل الواقع الإقليمي الذي سيليها. ومع ذلك، ثمة خطر في مقاربة تسعى إلى تحديد النتيجة السياسية للحرب سلفًا قبل تحقيق أهدافها الأمنية. فقرار مجلس الأمن الدولي 2803، الذي تبنّى إطار خطة الرئيس دونالد ترامب لغزة، يشير إلى إمكانية عودة السلطة الفلسطينية لحكم القطاع بعد إصلاحات، بل وإلى فتح مسار نحو دولة فلسطينية. وبالنسبة لإسرائيل، ليست هذه مجرد مسائل صياغة دبلوماسية، إذ قد تُنشئ عملية يحل فيها الضغط الدولي محل المطالبة بتغيير حقيقي.
على إسرائيل أن توضح أنها لن توافق على نقل المسؤولية الأمنية في غزة إلى السلطة الفلسطينية أو إلى أي صيغة مشتقة منها، ولن توافق قطعًا، بأي حال من الأحوال، على إقامة دولة فلسطينية. وتحديدًا لأن الولايات المتحدة وإسرائيل حليفان وثيقان، فإنهما بحاجة إلى حوار صادق تعرض فيه إسرائيل دروس السابع من أكتوبر والخطوط الحمراء المترتبة عليها.
إذا سقط النظام الإيراني، فهل تنتهي الحرب الفلسطينية على إسرائيل؟
سيكون سقوط النظام الإيراني تطورًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للشرق الأوسط بأسره. فعلى مدى عقود، استثمرت إيران موارد هائلة في بناء شبكة من التنظيمات المسلحة حول إسرائيل، من بينها حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني. وضرب هذا المصدر من مصادر الدعم قد يقلّص على نحو جوهري قدراتها العسكرية، ومصادر تمويلها، والشعور بالثقة الذي تستمده من انتمائها إلى محور إقليمي واسع. وقد أظهرت الضربات التي تلقاها المحور الإيراني خلال الحرب بالفعل مدى هشاشة هذه المنظومة.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني نشأ في طهران، أو أنه سيتلاشى بسقوط النظام الإيراني. فجذوره تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وترتبط أولًا وقبل كل شيء برفض الاعتراف بحق الشعب اليهودي في دولة قومية في وطنه التاريخي. وإيران استغلت الصراع، وغذّته، وصعّدته. ولذلك، حتى بعد تغيير جذري في إيران، سيظل من الضروري مواجهة الأفكار التي تحرّك الكفاح الفلسطيني، ولا سيما في ضوء صعود محور سنّي بديل تقوده تركيا وقطر والإخوان المسلمون. فإضعاف البنية التحتية الإقليمية للإرهاب يمكن أن يساعد في تحقيق الهزيمة الإدراكية، لكنه ليس بديلًا عنها.
ما الذي يتعين على إسرائيل أن تراه من بيروت ودمشق قبل أن توقّع أي شيء؟
تعلّمنا التجربة أن الاتفاقات الدبلوماسية لا يمكن أن تحل محل واقع أمني مستقر. واليوم، يتحقق هذا الواقع عبر سيطرة أمنية فعالة، والإمساك بالأرض، وحرية الحركة لتنفيذ عمليات استباقية.
في لبنان، لا يمكن لإسرائيل أن تكتفي بتصريحات الحكومة في بيروت بينما يواصل حزب الله الاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة، والعمل خارج سلطة الدولة، وتهديد البلدات في شمال إسرائيل. يجب أن يكون المحك عمليًا: تفكيك البنية التحتية العسكرية التي تهدد إسرائيل، ومنع إعادة التسلّح، وإثبات أن الدولة اللبنانية قادرة على فرض سيادتها. واتفاق يعجز عن ضمان هذه الشروط قد يتحول إلى فترة التقاط أنفاس مؤقتة يستعد خلالها العدو للجولة المقبلة.
أما في سوريا، فالوضع مختلف، لكن المبدأ متشابه. فالرئيس الانتقالي أحمد الشرع ربما غيّر لباسه وطريقة كلامه، لكنه لم يُقنعنا بعد بمواقفه الحقيقية. فقاعدته ما زالت تضم معتنقين للأفكار الجهادية.
وفوق ذلك، هو في جوهره وكيل لتركيا، التي تسعى في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الهيمنة الإقليمية وتطمح إلى التصرف كقوة عثمانية الطراز ذات توجه إخواني. وحذر إسرائيل في هذه الحالة مبرّر. انعدام ثقة، ثم انعدام ثقة، ثم انعدام ثقة مجددًا. ومصالحنا واضحة: منع سوريا من أن تصبح قاعدة لقوى معادية لإسرائيل أو بلد عبور للسلاح، وإبقاء المناطق الحدودية خالية من التهديدات، وحماية مصالحنا الأخرى في ذلك البلد. وفي الوقت الراهن، لا تستطيع إسرائيل تحقيق ذلك إلا بالحفاظ على وجودنا في المواقع التي ينتشر فيها جيش الدفاع الإسرائيلي وضمان حرية العمل الأمني. وقد تفتح التغيرات في موازين القوى الإقليمية فرصًا جديدة. لكن واقعًا أمنيًا مستقرًا لن ينشأ بمجرد توقيع اتفاقات.
هل ستطبّع الرياض من دون مسار نحو دولة فلسطينية، وهل ينبغي لإسرائيل أن تدفع ذلك الثمن؟
أثبتت اتفاقيات إبراهيم أن السلام والتعاون بين إسرائيل والدول العربية يمكن أن يتقدما من دون ربط كل خطوة بحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وكان ذلك أحد الابتكارات المهمة. فقد بدأت دول المنطقة تقيّم علاقاتها بإسرائيل على أساس مصالح مشتركة في الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والاستقرار الإقليمي. وللسعودية أيضًا مصالح استراتيجية كبيرة في العلاقات مع إسرائيل، وأعتقد أن تلك المصالح لم تختفِ بسبب الحرب. ومع ذلك، لا أدّعي القدرة على التنبؤ بالشروط التي ستضعها القيادة السعودية، ولا بأي منها قد تكون مستعدة للتنازل.
ينبغي لإسرائيل أن تسعى إلى توسيع دائرة السلام، وبالتأكيد إلى التوصل إلى اتفاق مع السعودية، لكن عليها ألا تدفع ثمن ذلك بخلق تهديد أمني خطير لنفسها. فبعد السابع من أكتوبر، لا يمكن التعامل مع إقامة دولة فلسطينية بوصفها بادرة دبلوماسية تهدف إلى إتاحة التطبيع الإقليمي. فخطوة كهذه قد تعزز بدلًا من ذلك التصور الفلسطيني بأن العنف يحقق مكاسب. وينبغي أن يقوم السلام مع الدول العربية على المصالح المتبادلة والاعتراف بالواقع الإقليمي، لا على محاولة فرض حل على إسرائيل انهارت الافتراضات الأمنية التي يستند إليها.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)