إسرائيل مطالَبة بتسليح حزب العمال الكردستاني
على إسرائيل أن تعاير استراتيجيتها تجاه تركيا وفق الأساليب التي تستخدمها أنقرة ضدها.
أبرز النقاط
- يكتب مايكل روبين أن على إسرائيل أن تدعم علناً الانفصالية الكردية في تركيا، وأن تزوّد حزب العمال الكردستاني بالسلاح والمال، وأن تعترف بديار بكر عاصمةً لدولة كردية مستقبلية.
- تركيا دولة راعية للإرهاب وتطمح إلى امتلاك قدرة نووية، ويُرجّح أن تعمّر عداوتها لليهود ولإسرائيل بعد أردوغان، تاركةً القدس في صراع يمتد عقوداً مع أنقرة ووكلائها.
- في 2 تموز/يوليو 2026، وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إسرائيل بأنها "عبء على الإنسانية"، واتهم أردوغان إسرائيل بالجشع وبأنها تهديد للمنطقة بأسرها.
يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

في ظل شعور بالإفلات من العقاب تغذّيه صداقة الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس رجب طيب أردوغان، والصفقات التجارية للسفير الأميركي توم باراك (Tom Barrack)، رفع نظام أردوغان منسوب خطابِه المسموم المعادي لإسرائيل إلى مستوى جديد.
كان تورغوت أوزال، رئيس وزراء تركيا ثم رئيسها بين عامي 1983 و1993، العقل المدبّر لعلاقات عسكرية ودبلوماسية وثيقة بين إسرائيل وتركيا. وكان التضامن قائماً دائماً بين البلدين. ففي عام 1949، كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل. وقد دأب الأتراك تقليدياً على احترام اليهود لأنهم، من بين كل الأقليات التي عاشت في ظل الإمبراطورية العثمانية، كانوا يكادون ينفردون بعدم التمرد على الحكم التركي.
اعتقد أوزال أن إسرائيل وتركيا تواجهان تهديدات مشتركة، من الإرهاب ومن الدول العربية الرافضة على حد سواء. ورأى في إسرائيل شريكاً طبيعياً لأنه كان يؤمن بأن مستقبل تركيا، شأنها شأن إسرائيل، يكمن في أوروبا لا في الشرق الأوسط الأوسع أو العالم الإسلامي. وساعدت إسرائيل تركيا، وهو أمر مُخجل بالنظر إلى ما تكشّف لاحقاً، في تعقّب مؤسس حزب العمال الكردستاني (PKK) عبد الله أوجلان، بما مكّن وحدة من القوات الخاصة التركية من أسره وتسليمه قسراً في كينيا.
صمدت علاقات تركيا بإسرائيل بعد أوزال، الذي اختُصرت رئاسته بنوبة قلبية قاتلة. ومع ذلك، ظهرت مؤشرات تحذيرية بشأن معاداة السامية والتوجّه الإسلاموي المتنامي لدى أتراك الأناضول حين سعى نجم الدين أربكان، معلّم أردوغان، عام 1997 إلى تحويل بوصلة العلاقات الخارجية التركية من أوروبا وإسرائيل إلى إيران وسوريا وليبيا.
وفي نهاية المطاف، أجبرت انتهاكاتُ أربكان للدستور التركي على إقصائه، وبينما سعت الأحزاب التركية الرئيسية إلى إعادة السياسة الخارجية التركية إلى ما كانت عليه، انتهى ذلك مع صعود أردوغان. وبالنظر إلى ما تكشّف لاحقاً، كان خطاب الزعيم التركي المطمئِن لشركاء تركيا الغربيين غير صادق، وتعامل مع قادة المنظمات اليهودية الأميركية باعتبارهم حمقى نافعين تساعد سذاجتُهم في لجم الجالية اليهودية الأميركية إلى أن يصبح عكسُ التوجّه الإسلاموي الجديد لتركيا متعذّراً.
جاءت القطيعة عام 2006 حين سعت الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية المعتدلة إلى إرغام حماس على القبول باتفاقيات أوسلو مقابل الاعتراف بفوزها في الانتخابات الفلسطينية. وقد وعد أردوغان المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بأنه سيلتزم بهذا الإجماع، ثم استقبل قادة حماس في أنقرة بعد أسبوعين. وعلى مدى العقود اللاحقة، أصبحت إسطنبول قاعدة لحماس لا تقل أهمية عن طهران.
وداخل تركيا، لم يكن الأمر مجرد تحوّل دبلوماسي. فقد غذّى الإسلاميون معاداة السامية ومعاداة الصهيونية. وفي حين يصوّر أردوغان اليوم فتح الله غولن الراحل منبوذاً ويسجن كل من التحق بمدارسه أو اتّبع تعاليمه ذات الصبغة الصوفية الأناضولية، فإن أردوغان وغولن كانا قبل عام 2013 صديقين وشريكين مقرّبين. وشارك غولن في مؤامرات أردوغان، إذ غرّد أحد مساعديه مؤيداً كتاب "اللوبي الإسرائيلي" (The Israel Lobby) التآمري. وبدعم حكومي تركي، صار كتاب "كفاحي" من أكثر الكتب مبيعاً. ونشر التلفزيون التركي واحتكاره الإعلامي نظريات مؤامرة معادية للسامية تزداد غرابة، وقدّمها بوصفها حقائق.
وقد حمّل أردوغان ومعاونوه اليهود أو الإسرائيليين مسؤولية كل شيء، من احتجاجات حديقة غيزي إلى الثورة الشعبية على حكم الإخوان المسلمين في مصر. وقالت الصحافة التركية إن اليهود استخدموا التحريك الذهني لتقويض أردوغان وحلفائه، وأيّد أردوغان وزوجته أفلاماً تصوّر اليهود وهم يسرقون أعضاء العراقيين للاتجار بها في السوق السوداء. وحين واجه أردوغان احتجاجات على خطط للسماح لمحاسيبه بتطوير مساحة خضراء، زعم أن أشجار الزيتون مؤيدة لليهود، ومن ثم ينبغي إتلافها.
في 2 تموز/يوليو 2026، تصدّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي سبق له بصفته رئيساً للاستخبارات التركية أن نسّق علاقات تركيا بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، عناوين الأخبار حين وصف إسرائيل بأنها "عبء على الإنسانية". وأتبعه أردوغان باتهام إسرائيل بالجشع وبأنها تهديد للمنطقة بأسرها. وأردوغان، في جوهر الأمر، يأخذ اليوم نظرية المؤامرة القومية العربية عن "من النيل إلى الفرات" ويوسّعها من بورصة إلى بغداد.
غير أن لا شيء من ذلك جديد. فقد سبق لأردوغان أن وصف وجود إسرائيل بأنه "جريمة ضد الإنسانية". وشبّه وزير النقل التركي السابق إسرائيل بالقراصنة الصوماليين. وصارت فرية الدم ونظريات المؤامرة ومعاداة السامية مادة اعتيادية في الإعلام الإسلاموي. ولم يتغير سوى أمرين: الأول استعداد كثير من الدبلوماسيين والمسؤولين والصحفيين لتجاهل ذلك، والثاني حدّة سُمّيته. فمع تقدّم أردوغان في السن وتدهور صحته، يدرك أن الوقت المتبقي له لتحقيق حلمه الإسلاموي بأن يفعل بإسرائيل واليهود ما فعله أسلافه بالأرمن واليونانيين آخذ في النفاد. وتجاهل ترامب وباراك لمعاداته للسامية يمنحه الفرصة للتحرك.
واليوم، تركيا دولة راعية للإرهاب، وتطمح إلى امتلاك قدرة نووية، ومشبعة بكراهية اليهود وإسرائيل إلى حد يُرجّح معه أن تعمّر عداوة تركيا لليهود ولإسرائيل بعد أردوغان. وبعبارة أخرى، مثلما خاضت إسرائيل صراعاً امتد عقوداً مع إيران ووكلائها، فإن القدس اليوم في صراع يمتد عقوداً مع أنقرة ووكلائها.
قد يرغب رجال الدولة في العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً، وقد يقلّل العاملون في مراكز الأبحاث الحريصون على الحفاظ على قنوات وصولهم أو على التبرعات الواردة من شركات مقرّبة من أردوغان من شأن سُمّية تركيا، لكن إسرائيل لا يمكنها أن تجازف بمثل هذه الأوهام.
بل عليها أن تعاير استراتيجيتها تجاه تركيا وفق الأساليب التي تستخدمها تركيا ضد إسرائيل. ومع أن الأكراد يستحقون الدعم لاعتبارات أخلاقية وتاريخية وحدها، فإن على إسرائيل أن تدعم الانفصال الكردي في تركيا علناً وبفاعلية. فالأكراد يستحقون دولة، لا ولاية تابعة تأتمر بأمر أردوغان كما صار حال كردستان العراق، بعدما باع مسرور وآرين بارزاني الطموحات القومية الكردية مقابل سيارات بوغاتي وساعات باتيك فيليب. ومع أن حزب العمال الكردستاني قد حلّ نفسه رسمياً، فإن رفض أردوغان الانتهازي المضيّ بعملية السلام إلى ما هو أبعد من ذلك يعني ترجيح العودة إلى القتال. وكثيراً ما تعاملت إسرائيل مع الأكراد كما تعامل معهم هنري كيسنجر: أداة تُستخدم بغير صدق ثم تُرمى. وهذا يجب أن ينتهي.
على إسرائيل أن تزوّد حزب العمال الكردستاني بالسلاح والمال، وأن تعترف بديار بكر عاصمةً لدولة كردية مستقبلية. وفي حين ستحاول تركيا تصوير حزب العمال الكردستاني كإرهابيين، ينبغي لإسرائيل أن تشترط لمساعدتها أن يتصرف الحزب بوصفه حركة تمرّد ترفض، خلافاً لحماس، استهداف المدنيين. وكون المسؤولين الإسرائيليين قد اعترفوا سلفاً بحل الدولتين ولا ينتظرون سوى اعتراف الفلسطينيين بأن إحدى هاتين الدولتين ستكون يهودية، فإن ذلك يمنح القدس الأفضلية الأخلاقية.
وفي مرحلة ما، ومع تقويض التمرّد النشط لقطاع السياحة في إسطنبول وبودروم وأنطاليا، قد يتفاوض الأتراك على تسوية. وينبغي لإسرائيل والغرب ألا يطالبا بأقل مما وافقت عليه إسرائيل في اتفاقيات أوسلو: سلطة كردستانية وخارطة طريق نحو إقامة الدولة. وببساطة، فقدت تركيا حقها في الوجود بشكلها الحالي، والأكراد يستحقون حريتهم وتحررهم من الحكم الإمبراطوري التركي.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)