كيف صارت فنزويلا ملاذاً لشبكات التطرف الإسلاموي والإرهاب؟ ولماذا كان التحرك الأمريكي ضرورياً
في عام 2017 جمّدت الولايات المتحدة أصول مادورو داخل ولايتها القضائية ومنعت الأمريكيين من التعامل معه، في خطوة توبيخية نادرة.
يوفال ديفيد قيادي في المجتمعات اليهودية الإسرائيلية والأميركية والدولية، ويركّز على القضايا الصهيونية وقضايا مجتمع الميم (LGBTQ)، والحقوق المدنية، والعدالة الاجتماعية. وهو يقدّم المشورة لأكثر من 40 منظمة بصفته متحدثًا رئيسيًا ومستشارًا وصانع محتوى؛ وينشط في مجال المناصرة لدى القادة السياسيين في الولايات المتحدة وإسرائيل وخارجهما؛ ويلقي كلمات في فعاليات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة وكندا وإسرائيل.

على مدى عقود، لم يكن تحوّل فنزويلا في عهد هوغو تشافيز ونيكولاس مادورو مأساة وطنية فحسب، بل طارئاً أمنياً إقليمياً وعالمياً. فما بدأ سياسة شعبوية انحدر إلى حكم لصوصي وتسهيل للإرهاب وتشابك بين التطرف الإسلاموي وشبكات الإرهاب الإيرانية. وقد تحركت الولايات المتحدة في نهاية المطاف، بعد تحذيرات متكررة من صانعي السياسات ومسؤولي الاستخبارات، وكانت محقة في ذلك.
على مدى سنوات، أوجد ضعف مؤسسات الدولة الفنزويلية وفساد نخبتها تربة خصبة للشبكات الإجرامية والمتطرفة العابرة للحدود. وقد أشار كبار المسؤولين الأميركيين مراراً إلى كيفية عثور جماعات مدعومة من إيران، مثل حزب الله، على ملاذ آمن داخل الجهاز الأمني الفنزويلي المليء بالثغرات. واستخدمت هذه الشبكات البنية التحتية للدولة الفنزويلية لدعم التمويل والعمليات، فتجذّرت داخل اقتصادات غير مشروعة غذّت أهدافاً متطرفة وهدّدت الاستقرار الإقليمي. ونقلت تقارير إعلامية أميركية عن مسؤولي استخبارات وصفهم البيئة المتساهلة للنظام بأنها "استغلتها إيران لزرع وكلاء إرهابيين مثل حزب الله وحماس"، واستُخدمت ممراً لوجستياً لنشاط إرهابي أوسع.
وفي الوقت نفسه، لم يخدم نظام مادورو حلفاءه الأيديولوجيين فحسب، بل أيضاً مشاريع إجرامية موّلت الإرهاب وزعزعة الاستقرار. وقد صنّفت السلطات الأميركية شبكتين إجراميتين كبريين، كارتل الشموس (Cartel de los Soles) وترين دي أراغوا (Tren de Aragua)، منظمتين إرهابيتين أجنبيتين، بما يبرز كيف تشابكت دولة الكارتل مع تسهيل الإرهاب. وتفيد تقارير وزارة الخزانة الأميركية بأن كارتل الشموس يقدّم "دعماً مادياً" لجماعات إرهابية ويهرّب المخدرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا، في الوقت الذي كان يعمل فيه على تقويض النظام الديمقراطي في فنزويلا.
وقد أفرزت هذه الديناميات مجتمعةً أمراً غير مسبوق في نصف الكرة الغربي: دولة نفطية كانت، في آن واحد، قناة للإرهاب والمخدرات، وملاذاً آمناً للشبكات المتطرفة، وموطئ قدم استراتيجياً للنفوذ الإيراني. وكان ذلك تتويجاً لسنوات من سياسات تشافيز ومادورو التي أدت إلى انهيار الخدمات العامة، وأتاحت الفساد على جميع المستويات، وحوّلت موارد فنزويلا إلى سلاح ضد الأعراف الديمقراطية في أنحاء المنطقة.
ورداً على ذلك، تطورت السياسة الأميركية من التهديدات إلى الضغط الحاسم. فبدءاً من العقوبات في عهد إدارة ترامب، استهدفت الحكومة الأميركية مادورو ومن مكّنوه مراراً. ومنذ عام 2017، صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية مادورو نفسه بموجب الأمر التنفيذي 13692، فجمّد الأصول التي يملكها داخل الولاية القضائية الأميركية ومنع الأميركيين من التعامل معه، وهو توبيخ نادر بحق رئيس دولة في منصبه.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، وسّعت إدارة ترامب حملة "الضغط الأقصى" هذه. ففي عام 2025، فرضت عقوبات على مسؤولين فنزويليين رفيعي المستوى مسؤولين عن القمع وتقويض الانتخابات وتخريب الديمقراطية. واستهدفت هذه العقوبات قادة عسكريين ونفطيين وأمنيين بارزين مكّنوا قبضة مادورو السلطوية وأثروا دائرته الضيقة بينما كان الشعب الفنزويلي يعاني.
كما ألغى ترامب التخفيف المحدود للعقوبات الذي منحته الإدارة السابقة، فأنهى رخصة تصدير النفط الصادرة في عهد بايدن التي سمحت لشركة شيفرون بالعمل في فنزويلا، مستنداً إلى إخفاق مادورو في تنفيذ إصلاحات ديمقراطية وقبول المساءلة.
ومع تصاعد الضغط، وسّعت إدارة ترامب إجراءاتها إلى ما هو أبعد من الأدوات المالية والدبلوماسية. فبدءاً من أواخر عام 2025، نفّذت القوات الأميركية سلسلة من الضربات المستهدفة ضد سفن يُزعم ارتباطها بتهريب المخدرات وشبكات الإرهاب والمخدرات في البحر الكاريبي، وهي حملة قُدّمت بوصفها عمليات لمكافحة المخدرات ومكافحة الإرهاب معاً. ووصف محللون هذه الضربات بأنها أول ضربات عسكرية أميركية مُعلنة في أميركا الجنوبية أو الوسطى منذ عقود.
وفي التصعيد الأخير، أسفرت عملية أميركية في 3 يناير/كانون الثاني 2026 عن اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته، تتويجاً لحملة سياسية متعددة المستويات. وقد قدّمت الولايات المتحدة هذا الإجراء بوصفه ضرورة لإنفاذ القانون وضرورة أمنية في مواجهة الإرهاب المرتبط بالمخدرات والفساد، لا مجرد تغيير للنظام. وتباينت ردود فعل حكومات المنطقة والفاعلين الدوليين، لكن جوهر التبرير الأميركي يتمحور حول مواجهة نظام غير شرعي وإجرامي صار تهديداً لا للفنزويليين فحسب، بل لاستقرار نصف الكرة الأرضية. ويشكّك منتقدون في المؤسسات الدولية في الأطر القانونية لمثل هذه العملية، غير أن الحكومة الأميركية تؤكد أن إجراءاتها اتُّخذت دفاعاً عن الأمن الإقليمي وسعياً لتحقيق العدالة إزاء عقود من انتهاكات العنف المرتبط بالمخدرات التي ارتبطت بالدائرة الضيقة لمادورو.
ما هدّدت به إدارات أميركية سابقة، عزل مادورو عبر العقوبات والضغط الدبلوماسي، نفّذته إدارة ترامب. وقد أظهرت أن أدوات "الضغط الأقصى"، بما فيها العقوبات الاقتصادية ولوائح الاتهام القضائية والعمليات المستهدفة، قادرة على تفكيك أنظمة إجرامية متجذرة لا تضر بشعوبها فحسب، بل أيضاً بالدول المجاورة وبالولايات المتحدة.
تقف فنزويلا اليوم عند مفترق طرق. فإزاحة نظام يسهّل الإرهاب تفتح مساراً نحو حكم ديمقراطي وإعادة إعمار واندماج مجدداً في مجتمع الأمم الحرة. الفنزويليون يربحون، فيما يخسر الحرس الثوري الإسلامي وحزب الله. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن هذه اللحظة تثبت صواب عقود من التركيز السياسي وتؤكد ضرورة مواجهة أنظمة الحكم اللصوصي السلطوية التي تمكّن الشبكات الإرهابية وتزعزع النظام الديمقراطي.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)