إرهاب الحانوكا يضرب جذوره في تهميش أستراليا لليهود
كانت كانبيرا تصطف سابقًا مع الولايات المتحدة في قضايا الشرق الأوسط، ومنها إسرائيل، غير أن رئيس الوزراء ألبانيزي اختطّ مسارًا مختلفًا.

فيما كانت العائلات اليهودية في أنحاء أستراليا تحتفل بالليلة الأولى من عيد الحانوكا، دوّى إطلاق نار على شاطئ بوندي في سيدني. وكان المستهدف حفلاً، بحسب رئيس حكومة نيو ساوث ويلز كريس مينز، «[في] اليوم الأول من الحانوكا. وما كان ينبغي أن يكون ليلة سلام وفرح يحتفل بها ذلك المجتمع مع العائلات والمناصرين، تحطّم بهذا الهجوم الشرير المروّع». وبلغت حصيلة القتلى حتى كتابة هذه السطور 12 قتيلاً، بينهم أحد مطلقي النار. وعرّفت الشرطة أحد مطلقي النار بأنه نويد أكرم.
ويلفت تصريح مينز الانتباه لتباينه مع ردّ الفعل الفوري لرئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي. ففي أعقاب ما كان بوضوح هجوماً إرهابياً موجهاً ضد الجالية اليهودية في أستراليا، أصدر ألبانيزي بياناً وصف فيه الهجمات بأنها «صادمة ومؤلمة». وسارع «ألبو»، كما يُعرف، إلى التعاطف مع «كل شخص تضرر». فمن هو «كل شخص» هذا؟ روّاد الشاطئ؟ راكبو الأمواج؟ لقد كان الهدف احتفالاً بعنوان «حانوكا على البحر» بمناسبة عيد الأنوار اليهودي. لكن بالنسبة إلى ألبانيزي، كان ذكر اليهود كلمة زائدة في بيان من سبعين كلمة. (وقد أدان لاحقاً الهجوم على الجالية اليهودية.)
هنا مكمن المشكلة: فقد بذل ألبانيزي ووزيرة خارجيته بيني وونغ قصارى جهدهما خلال الأشهر الستة والعشرين التي تلت هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 للإيحاء بعدم اكتراثهما بسلامة الجاليات اليهودية، في إسرائيل وأستراليا وخارجهما. وعلى غرار نظرائهم السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة، انقلب العماليون في أستراليا على إسرائيل وعلى الصهاينة في كل مكان. وكما فعلت أطراف اليسار الهامشية في الولايات المتحدة وإسبانيا وإنجلترا وكندا وفرنسا، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فاصطفوا مع أعداء إسرائيل.
كان بروز كراهية اليهود في أستراليا لافتاً، حتى بالمعايير الدولية. فقد صدّق يهود أستراليا، مثل كثير من الجاليات اليهودية في العالم، العبارات الورعة عن «لن يتكرر أبدًا»، لكنهم استفاقوا على نحوٍ صادم حين بدأت مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في سيدني بعد 7 أكتوبر تهتف: «أدخلوا اليهود غرف الغاز». وأُحرق كنيس بقنبلة حارقة في ملبورن. وتعرّض منزل سابق لرئيس إحدى أبرز المنظمات اليهودية في أستراليا للتخريب والحرق في سيدني. وضُبطت ممرضتان من سيدني في مقطع مصوّر وهما تهددان بقتل اليهود. أما الجامعات، فعملت بجدّ، كما في الولايات المتحدة، على عزل الطلاب اليهود.
والفارق بين أستراليا و، لنقل، الولايات المتحدة، أن الحكومة أدّت دوراً كبيراً في تنفير اليهود. وكما قد يقول رئيس جامعة هارفارد، فالمسألة كلها تتعلق بالسياق. وفي ظل ألبانيزي، كان السياق يتمثل في عداء متنامٍ لدولة إسرائيل ولمناصريها. فقد أعادت أستراليا مؤخراً «عرائس داعش» التابعات لها، ورحّبت بناشطين مؤيدين لحماس، بينما منعت مناصرين لإسرائيل، من بينهم وزراء سابقون في الحكومة الإسرائيلية.
وفي الأمم المتحدة، حيث كانت كانبيرا تصوّت بانتظام مع الولايات المتحدة في قضايا الشرق الأوسط، ومنها إسرائيل، شقّ «ألبو» أيضاً مساراً مختلفاً. فبعد تأييد سلسلة من الخطوات التي رفعت مكانة الفلسطينيين داخل المنظمة الدولية، مع الإصرار طوال الوقت على أن الأمر لا يتعلق بالاعتراف بدولة فلسطينية، صوّتت الحكومة الأسترالية للمرة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لصالح قرار يعترف بـ«السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية».
وبعد خطوات إضافية قطيعةً مع تاريخ أستراليا المؤيد لإسرائيل، اعترفت كانبيرا في سبتمبر/أيلول 2025 بـ«دولة فلسطين». وبحسب ألبانيزي، «هذا هو العالم وهو يقول إن دائرة العنف يجب أن تتوقف». لكن ألبانيزي لم يقدّم سوى القليل من المطالب الملموسة بشأن كيفية وقف «دائرة العنف»، مكتفياً بالإصرار على أن حماس لا يمكن أن يكون لها دور في «فلسطين» المستقبلية، وأن «الإصلاح» مطلوب في السلطة الفلسطينية.
وبالنسبة إلى الجالية اليهودية في أستراليا، جاء قرار «ألبو» الاعتراف بـ«فلسطين» جزءاً من مسار انزعاجه المتزايد من اليهود والصهاينة. فقد تردد رئيس الوزراء أياماً قبل زيارة موقع الكنيس الذي أُحرق بقنبلة حارقة. وفي مواجهة هجمات أخرى معادية للسامية بشكل لا لبس فيه، كان حريصاً بالقدر نفسه على الإصرار بأن المسؤولين عنها مجرمون لا معادون للسامية. غير أن الواقع كان أشد تعقيداً بكثير: ففي الحقيقة، كانت الجمهورية الإسلامية في إيران تجنّد مجرمين لترويع الجالية اليهودية في أستراليا.
والجدير بالذكر أنني أفهم أن رئيس الوزراء ووزيرة خارجيته كانا مترددين في تحميل إيران المسؤولية عن سلسلة الهجمات المعادية لليهود، ولم يُدفعا إلى الكشف عن دور طهران إلا حين هدّدت الاستخبارات الأسترالية بأن تكشف ذلك بنفسها. وفي مواجهة معلومات استخبارية لا تقبل الجدل، اضطُر ألبانيزي في نهاية المطاف إلى طرد السفير الإيراني، ثم صنّف الحرس الثوري الإسلامي الإيراني منظمة إرهابية.
لكن، للأسف، فات الأوان بالنسبة إلى يهود أستراليا. فكما في فرنسا، حيث يفوق عدد المسلمين عدد اليهود بعشرة أضعاف على الأقل، بات عدد المسلمين في أستراليا يفوق عدد اليهود بثمانية أضعاف. ولهذا الواقع الديموغرافي تبعات سياسية، ويبدو أن حزب العمال يدركها تمام الإدراك.
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)