من البوسنة إلى فلسطين: قدامى فرقة «هانتشار» النازية يقاتلون قيام إسرائيل
بحث في «ميدل إيست كوارترلي» يتتبع مقاتلين بوسنيين من صفوف الفرقة الثالثة عشرة الجبلية «هانتشار» التابعة لقوات الـ«فافن إس إس» إلى ساحات حرب 1948.

مقدمة
في المشهد السياسي في سراييفو اليوم، يُقدَّم الوقوف إلى جانب فلسطين بوصفه معركة مبدئية مباشرة ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية. ونادرًا ما يثير أحد تلك الصفحة المحرجة من التاريخ التي تحدّق فينا: قبل ثمانين عامًا، كانت المناطق نفسها من البوسنة التي تُعد اليوم أعلى الأصوات تشجيعًا لفلسطين، هي ساحة التجنيد الرئيسية لآلاف المتطوعين الذين انضموا إلى الفرقة الجبلية الثالثة عشرة «هانتشار» التابعة لـ«فافن إس إس» (13th Waffen Mountain Division of the SS Handschar)، وهي وحدة شاركت فعليًا في فظائع الهولوكوست، وحظي تأسيسها وصقلها الأيديولوجي بدعم شخصي من مفتي القدس الأكبر محمد أمين الحسيني.
لا تزال هذه التشكيلات الإسلامية ضمن «إس إس» فصلًا غريبًا قلّما جرى استكشافه من فصول الحرب. ويأتي معها ذيل لافت آخر: بعد انهيار ألمانيا النازية في أوروبا، لم يخلع عدد من رجال «هانتشار» السابقين بزّاتهم العسكرية. وبفضل صلات قائمة في الأوساط السورية والفلسطينية، عاد بعضهم إلى الظهور في الشرق الأوسط وحملوا البنادق من جديد، هذه المرة في صفوف الجيوش العربية التي حاولت (وفشلت) منع قيام دولة إسرائيل في حرب 1948.
تشكل هذه الحلقة برمّتها مثالًا مدرسيًا على انتقائية قراءة التاريخ: تُرفع الأجزاء التي تخدم الرواية المنشودة إلى مستوى الهتاف من فوق الأسطح، فيما تُزاح الأجزاء المزعجة بصمت إلى ما تحت السجادة، وكل ذلك للحفاظ على سردية سياسية راهنة تبدو نظيفة ظاهريًا ومريحة أخلاقيًا.
الهلال فوق الصليب المعقوف: مسار محمد أمين الحسيني زمن الحرب
كان حشد المسلمين البوشناق من البوسنة والهرسك داخل آلة الحرب النازية، كما كان إنشاء الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» نفسها، مرتبطين على نحو لا ينفصم بالمفتي الأكبر الحسيني. وهو أحد أكثر القادة المسلمين نفوذًا في فترة ما بين الحربين، وقد وضع ما كان يتمتع به من سلطة معنوية كبيرة بين المسلمين في خدمة الرايخ الثالث.
بعد نيسان/أبريل 1941، حين غزت دول المحور مملكة يوغسلافيا، جرى تقطيع البلاد: ضُمّت أراضٍ ضمًّا مباشرًا، واقتُطعت مناطق احتلال، ونهضت دول عميلة من بين الأنقاض. وبوصفها حلفاء أوفياء لألمانيا النازية، اعتنقت هذه الأنظمة المتعاونة، وفي مقدمتها دولة كرواتيا المستقلة، أيديولوجيا النقاء العرقي بحماسة. وكان هدفها المعلن إقامة أقاليم متجانسة عرقيًا، وهو ما عنى عمليًا تطهيرًا عرقيًا منهجيًا للصرب والروما واليهود. وسرعان ما أصبحت هذه الكيانات شبه الدول معالم أساسية على خريطة الهولوكوست.
لازم إنشاء الحكومات العميلة، على نحو حتمي، تشكيل وحدات كُلّفت بفرض النظام النازي عبر العنف الجماعي، وكانت الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» واحدة منها. وتمتاز بكونها أول فرقة في «إس إس» تتألف بالكامل من أفراد غير ألمان. وكانت القاعدة العريضة من الجنود في معظمها من المسلمين البوشناق الذين جُنّدوا من سنجق والبوسنة والهرسك وأجزاء من كرواتيا، في حين بقي سلك الضباط شبه ألماني حصريًا.
كان تجنيد فرقة من البوشناق وتنظيمها يتطلب شخصًا يفهم حقًا عقلية الجنود المحتملين، ولا يرقى الشك إلى ولائه للرايخ. وقد اجتمعت هذه الصفات كلها في رجل واحد: المفتي الأكبر الحسيني. والحسيني، أبرز حلفاء أدولف هتلر من المسلمين وأحد المهندسين الرئيسيين لمعاداة السامية السياسية الحديثة، لم يحصر نشاطه في الشرق الأوسط خلال ثلاثينيات القرن الماضي. فقد أثبت أنه بالغ النفع للرايخ في أوروبا أيضًا، إذ اضطلع بدور مباشر في تشكيل الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار»، أكبر تشكيل عسكري إسلامي خدم الرايخ الثالث على الإطلاق.
حتى قبل انخراطه في البلقان، كان المفتي الأكبر قد راكم خبرة كبيرة بوصفه حليفًا للرايخ في بؤر أزمات متعددة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا. فبعد فشل الثورة العربية في فلسطين (1936–1939)، فرّ الحسيني أولًا إلى لبنان ثم إلى العراق. وهناك، في عام 1941، أيّد انقلاب رشيد عالي الكيلاني الموالي للنازية، الذي انهار في نهاية المطاف. وفي العام نفسه هرب إلى ألمانيا، حيث واصل تعاونه مع النازيين وعمّقه.
في ألمانيا، أقام سريعًا صلات مباشرة مع قيادة الرايخ الثالث العليا، بمن فيهم أدولف هتلر. ولاحقًا، وبمبادرة من هاينريش هيملر، سخّر سلطته الدينية لتجنيد متطوعين مسلمين لتشكيلات «فافن إس إس». وأدّى دورًا رئيسيًا في حشد الرجال لوحدات مثل الفرقة الجبلية الثالثة عشرة «هانتشار» التابعة لـ«فافن إس إس»، والفرقة الجبلية الحادية والعشرين «سكاندربيغ» التابعة لـ«فافن إس إس» (21st Waffen Mountain Division of the SS Skanderbeg)، والفرقة الجبلية الثالثة والعشرين «كاما» التابعة لـ«فافن إس إس». وفي الوقت نفسه، انخرط في جهود دعائية مكثفة موجّهة إلى المسلمين في أنحاء المنطقة، ساعيًا إلى تأمين دعم أوسع لألمانيا النازية.
كان الحسيني يبث بانتظام عبر الإذاعة الألمانية، مصورًا اليهود على أنهم «ألدّ أعداء المسلمين»، وداعيًا العرب علنًا إلى تبنّي «الحل النهائي» النازي. وفي المقابل، وفّر له النازيون سكنًا فاخرًا في برلين ومخصصات سخية. وفي بثّ عام 1944 من إذاعة برلين، أعلن: «أيها العرب! انهضوا كرجل واحد وقاتلوا من أجل حقوقكم المقدسة. اقتلوا اليهود حيثما وجدتموهم. هذا يرضي الله والتاريخ والدين. هذا سيُنقذ شرفكم. الله معكم». [1]
من الشرق الأوسط إلى برلين، برز الحسيني بوصفه إحدى الشخصيات المحورية في تعاون المسلمين مع الرايخ الثالث، ولا سيما في البلقان، حيث يُذكر قبل كل شيء بدوره المفصلي في عام 1943 في إنشاء الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» سيئة الصيت. وقد شارك بفاعلية في التلقين الأيديولوجي لأفرادها، جامعًا بين الدعاية السياسية والتعبئة العسكرية لتعزيز النفوذ النازي في المنطقة.
أمّا فرقة «هانتشار» نفسها فقد أُنشئت عام 1943 بمبادرة مباشرة من هاينريش هيملر، بدافع مزيج من الضرورات العسكرية والسياسية في جنوب شرق أوروبا. فقد سعى هتلر وهيملر إلى تسخير السكان المسلمين في البلقان لمكافحة مقاومة الأنصار والمساعدة في الحفاظ على السيطرة الألمانية على يوغسلافيا المحتلة، مع احتمال أبعد مدى يقضي بنشر الوحدة خارج البوسنة. وعمليًا، عنى ذلك تنفيذ مجازر في مختلف الأراضي المحتلة ضمن البنية الأوسع للرايخ. وكانت الشخصية الأساسية التي اعتمد عليها النازيون في هذا المشروع هي الحسيني، إذ كانت جهوده الأيديولوجية حاسمة في حشد الزعماء المحليين لدعم ألمانيا النازية، وهو دعم تُرجم لاحقًا إلى انخراط جماعي في تشكيلات «إس إس».
بصفته مفتي القدس الأكبر، ألّف محمد أمين الحسيني شخصيًا ووقّع الكتيّب الدعائي «الإسلام واليهودية»، الذي نُشر في زغرب عام 1943. وكان هدفه الصريح حشد المسلمين للمشاركة في تنفيذ سياسة الرايخ. واستند النص إلى تاريخ الإسلام المبكر وعلاقات النبي محمد باليهود، ملتويًا بالسردية الدينية على نحو ساخر لتحويلها إلى أداة لغايات شوفينية ومعادية للسامية. وجاء في الكتيّب: «لا يعرف التاريخ اليهود إلا شعبًا خاضعًا». وأضاف: «إن طبيعتهم الوضيعة وسلوكهم الذي لا يُحتمل تجاه الأمم التي تستضيفهم، وكذلك تجاه الشعوب المجاورة، يفسّران لماذا اضطرت تلك الأمم إلى اتخاذ تدابير لقمع محاولات اليهود تحقيق ما يبتغون بالقوة». [2] وكان الهدف الواضح للوثيقة تطبيع العنف ضد اليهود وتبريره.
تضافرت هذه الخيوط كلها لتمهيد الأرض لوحدة انصهرت فيها الأيديولوجيا الراديكالية والطموحات المحلية في مشروع نازي واحد: الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار». وقد أذن بها هتلر رسميًا في 10 شباط/فبراير 1943، وبدأ تشكيلها فور ذلك بتجنيد السكان المسلمين وبالسعي إلى بلورة أول وحدة غير جرمانية في «إس إس» تخدم الرايخ الثالث.
الأصولية الإسلامية والنازية: فكرة البوسنة دولة عميلة لـ«إس إس»
مثّلت الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» تقاطعًا فريدًا بين الراديكالية الدينية والاشتراكية القومية، وتطلعات السكان المسلمين البوشناق إلى اقتطاع إقليم نقي عرقيًا داخل دولة كرواتيا المستقلة، يتمتع باستقلال ذاتي عن زغرب مع بقائه راسخًا تحت رعاية الرايخ.
اعتمدت التعبئة للفرقة اعتمادًا كبيرًا على الدين بوصفه أداة قوية. فقد خدم في إضفاء الشرعية على الإطار الأيديولوجي للرايخ وآلته العسكرية، وفي الوقت نفسه في خدمة الأهداف السياسية للبوشناق أنفسهم. ولأن شخصية دينية واحدة، ولو بمكانة المفتي الأكبر، لم تكن كافية، ضمّت الفرقة إمامًا في كل كتيبة تقريبًا. وكان هؤلاء الأئمة مسؤولين عن التلقين الأيديولوجي للجنود. ومن أبرزهم عالم الدين الإسلامي حسين دوزو (Husein Đozo)، الذي خدم إمامًا للفرقة في «هانتشار» وصار داعية صاخبًا للهولوكوست. ورغم هذا الدور، لا يزال أحد شوارع سراييفو يحمل اسمه حتى اليوم. كتب دوزو في كتيّب عام 1943: «دفعت إملاءات فرساي أوروبا إلى أسس عديمة المعنى تمامًا»، مضيفًا أنه «تحت عباءة الديمقراطية، احتل اليهود والماسونيون دورًا مفصليًا في الحياة السياسية والاجتماعية... لن تتحرر أوروبا بسهولة من هؤلاء الأعداء، لكن رجل الـ(إس إس) سيبني لها مستقبلًا أفضل». [3]
جرت رعاية الصلة بين الصليب المعقوف والإسلام في الفرقة بقدر كبير من التعمد، إلى حد أنها امتدت حتى إلى تفاصيل الزيّ المصممة بعناية. فقد حملت شارة الياقة في «هانتشار إس إس» يدًا تقبض على سيف معقوف (شمشير) فوق صليب معقوف. وارتدى أفرادها الطربوش (الفيز)، وهي تفصيلة فريدة بين فرق «إس إس». وظهر على الطربوش رأس الموت (Totenkopf) الخاص بـ«إس إس» ونسر «إس إس»، بما حوّل لباسًا إسلاميًا تقليديًا إلى عنصر مندمج في أيقونية الرايخ.
لم تكن هذه الروابط الرمزية مجرد زخارف سطحية على الزي، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من التلقين السياسي الذي تخلل كل جوانب الحياة في الفرقة وفي سائر وحدات «إس إس» المجنّدة من المسلمين. وخلافًا للفرقة الحادية والعشرين «سكاندربيغ» (أول وحدة ألبانية) التي أقسم أفرادها قسمًا دينيًا على القرآن متعهدين «الجهاد ضد الكفار» (الحرب على غير المؤمنين)، لم يُستدعَ مفهوم الجهاد صراحة في «هانتشار». ومع ذلك، كان قتلى الفرقة يُعاملون رسميًا بوصفهم شهداء، وهو مصطلح ديني إسلامي يعني حرفيًا «الشاهد» أو «المستشهد»، ويُطلق على المسلمين الذين يُقتلون في المعركة.
بعد التدريب في فرنسا وسيليزيا، نُشرت الفرقة عام 1944 في عمليات قتالية فعلية ضد الأنصار في سيرميا وشرق البوسنة، حيث ارتكب أفرادها سلسلة من الجرائم المروعة بحق الأسرى والمدنيين. ووفقًا لـ«موسوعة الهولوكوست»، فإن «وحدات المتطوعين المسلمين هذه، المعروفة باسم (هانتشار)، أُدمجت في الـ(فافن إس إس)، وقاتلت الأنصار اليوغسلاف في البوسنة، وأدّت مهام شرطية وأمنية في المجر. وشاركت في مذابح المدنيين في البوسنة، وشاركت طوعًا في مطاردة اليهود في كرواتيا». [4] وعقب عملية «مارغريتا»، أي الاحتلال الألماني للمجر في آذار/مارس 1944، بدأت عمليات الترحيل الجماعي ليهود المجر. وأُرسلت الغالبية العظمى منهم مباشرة إلى أوشفيتز، فيما استُخدمت مجموعات أصغر في أعمال السخرة في معسكرات بأنحاء البوسنة، بما في ذلك بناء تحصينات ضد هجمات الأنصار. ومن الحالات الموثقة مجموعة من اثنين وعشرين يهوديًا في أعمال السخرة ذبحهم أفراد من «هانتشار» في «منطقة أمنية»، وهي منطقة حددها الألمان تحت سيطرة «إس إس» لعمليات مكافحة الأنصار، قرب توزلا.
ومع أن الفرقة حققت بعض النجاحات التكتيكية وأظهرت كفاءة في عمليات مكافحة حرب العصابات في شرق البوسنة، فإنها باتت أشد شهرة بوحشيتها وهمجيتها المفرطة، لا أثناء القتال فحسب، بل أيضًا عبر جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين الصرب والمسلمين واليهود داخل منطقة أمنية محددة أُسندت إلى الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار». وكانت هذه المنطقة الأمنية إقليمًا محددًا داخل دولة كرواتيا المستقلة، مارست عليه الفرقة سلطة عسكرية وشرطية كاملة. وقد بُرّرت رسميًا بوصفها إجراءً لقمع نشاط الأنصار وحفظ النظام، لكنها غدت عمليًا موقعًا لجرائم جماعية منهجية شملت إعدام أسرى الحرب، ومجازر واسعة بحق المدنيين، واعتقالات تعسفية، وعمليات ترحيل، وإرهابًا شاملًا مُورس على السكان المحليين.
مثّلت هذه المنطقة، الواقعة في شمال شرق البوسنة حيث عمل رجال «هانتشار» بإفلات شبه تام من العقاب، الخطوة العملية الأولى نحو الحكم الذاتي المتصوَّر للبوسنة تحت الرعاية الألمانية. وجغرافيًا، كانت تحدها أربعة أنهار: سبريتشا، وسافا، ودرينا، وبوسنا. وضمّت أجزاء من مايفيتسا، وسمبيريا، وبوسافينا، وأطلت على باتشكا وسيرميا، وهما منطقتان يقطنهما ألمان إثنيون (Volksdeutsche) وكانت فيهما فرقة أخرى من «إس إس» ناشطة أيضًا.
كان تشكيل الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» نفسه مدفوعًا إلى حد بعيد برغبة المسلمين البوشناق في الانفكاك عن إطار دولة كرواتيا المستقلة العميلة، وتأمين قدر من الحكم الذاتي لم يكونوا يتمتعون به، بوصفهم مسلمين، في ظل نظام الأوستاشا. وقد دفع الاستياء من وضعهم الاجتماعي والسياسي في دولة كرواتيا المستقلة مجموعة من المسلمين في خريف 1942 إلى الضغط على السلطات الألمانية للحصول على وضع خاص للبوسنة والهرسك. وصاغوا مطالبهم رسميًا في مذكرة مؤرخة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1942، موجهة مباشرة إلى أدولف هتلر.
وباسم «الوصاية الشعبية»، عرض ممثلون غير مسمّين لمسلمي البوسنة والهرسك مظالمهم ضد حكومة بافيليتش، وطالبوا بمنح البوسنة والهرسك وضع إقليم يتمتع بحكم ذاتي تحت إشراف عسكري ألماني مباشر. وطالبوا، في جملة أمور، بإنشاء «حرس بوسني»، وهو تشكيل مسلح تحت السيطرة الألمانية. وطلبت المذكرة من برلين حظر نشاط الأوستاشا في المنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي في البوسنة والهرسك، بما يتيح للسلطات المحلية أن تحكم تحت الحماية الألمانية. وكان الإقليم المقترح أن يشكّل منطقة إدارية بوسنية هرسكية واحدة مقرها سراييفو. كما طلبوا إنشاء فرع للحزب الاشتراكي القومي.
ومع أن أي رد رسمي لم يصل قط من الجانب الألماني، فقد تحرك هاينريش هيملر سريعًا بعد تسلمه المذكرة، إذ قرر إنشاء فرقة في «إس إس» مؤلفة من مسلمي البوسنة والهرسك. وكانت الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار»، في الواقع، رد برلين الملموس على مطالب البوشناق بالحكم الذاتي والحماية تحت مظلة الرايخ. وبدأت الملامح الملموسة الأولى للحكم الذاتي تظهر بعد عودة الفرقة إلى البلقان وتنفيذها عملياتها الأولى في سيرميا. وقبيل سحب الوحدة من سيرميا إلى البوسنة، أصدر قائد الفرقة كارل-غوستاف زاوبرتسفايغ توجيهًا رسميًا بعنوان «مبادئ توجيهية لتحرير البوسنة». وقد شكّلت هذه الوثيقة فعليًا مخططًا لإقامة دولة أمر واقع تابعة لـ«إس إس» داخل أراضي دولة كرواتيا المستقلة. وجاء فيها: «على الفرقة أن تحرر البوسنة. فالسكان المسلمون ينتمون إلى هذه الأرض... ويجب تطهير البلاد من العصابات والأجانب [وتُفسَّر هنا بأنها الأنصار واليهود]». [5]
وتُرجم هذا التطهير من «العصابات والأجانب» مباشرة إلى إرهاب منهجي. ووفقًا لمواد أرشيفية محفوظة، ارتكبت فرقة «هانتشار» بين آذار/مارس وتشرين الأول/أكتوبر 1944 سلسلة من الفظائع في أنحاء سيرميا وشمال شرق البوسنة والهرسك. ومن حيث الوحشية وأساليب التنفيذ، كثيرًا ما فاقت هذه الجرائم حتى جرائم مُعلّميهم النازيين. وفي محاكمات 1945، أدلى ماتياس فرانيو (Mathias Franjo)، الذي كان آنذاك قائد الفوج الثامن والعشرين في الفرقة ثم عضوًا في هيئة أركانها، بشهادة عن إحدى تلك العمليات: «كان هؤلاء الرجال يذبحون كل ما يصادفهم ممن لا يرتدي طربوشًا. وكانت هناك حالات يرى فيها ضابط يقود الرتل أناسًا يعملون في الحقول. ثم حين ينظر خلفه بعد قليل، لا يكون أولئك الذين كانوا يعملون قبل لحظات أحياءً بعد». [6]
على مدى ستة أشهر، قُتل ما لا يقل عن 1803 أشخاص في البوسنة وحدها، فيما لقي أكثر من 700 مدني مصرعهم في سريميا. ومع التدهور السريع للوضع العسكري في البلقان بالنسبة إلى ألمانيا ودولها التابعة، بدأ عدد كبير من أفراد «هانتشار» يفرّون من الخدمة. وقد دفع ذلك إلى إنشاء فرقة أخرى تابعة للـ«إس إس»، هي فرقة «كاما» (SS Kama)، بُنيت حول كادر قيادي ألماني ونواة من قدامى المقاتلين البوشناق نُقلوا من «هانتشار». وعلى خلاف «كاما» التي لم تبلغ قط الجاهزية القتالية الكاملة ولم تعمل كوحدة متماسكة، فرّ كثير من قدامى «هانتشار» المحنّكين إلى إيطاليا بعد الاستسلام الألماني. ومن هناك، واصل جزء منهم مسيرتهم العسكرية في أماكن أخرى.
بعد انهيار ألمانيا النازية، استأنف المفتي الأكبر الحسيني نشاطه في الشرق الأوسط، موجّهًا هذه المرة بالدرجة الأولى ضد دولة إسرائيل الناشئة. وقد أدى تعاونه السابق مع النازيين، ولا سيما دوره في البلقان، دورًا كبيرًا في ربط أولئك القدامى أنفسهم بالحركات القومية العربية في فترة ما بعد الحرب.
العودة إلى الشرق الأوسط: قدامى الـ«إس إس» البلقانيون في الحرب العربية الإسرائيلية
في أواخر عام 1947، بعيد اعتماد الأمم المتحدة القرار 181 بشأن تقسيم فلسطين وعشية حرب الاستقلال، أفادت صحيفة «ذا باليستاين بوست» (The Palestine Post) بوصول مجنّدين من البلقان إلى صفوف الجيش السوري. ووفقًا لمراسلي تلك الفترة، كان من بين المقاتلين الوافدين أعضاء سابقون في الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» التابعة للـ«إس إس». وأُفيد بأن خبرتهم الحربية كان يُراد توظيفها في الاشتباكات الوشيكة مع القوات اليهودية، ما أثار على الفور تساؤلات حول المسارات التي سلكها جنود الرايخ السابقون بعد الحرب وأدوارهم الجديدة في الشرق الأوسط.
وفقًا لتقارير تلك الحقبة، فإن «أحدث المجندين في الجيش السوري هم أعضاء في وحدة الـ«إس إس» البوسنية التابعة للفيرماخت، وهي تشكيل إسلامي أنشأه النازيون لقتال أنصار تيتو والحلفاء. وقد عرضت سوريا اللجوء على وحدة الـ«إس إس» البوسنية بكاملها، وقد فرّ عدة آلاف من أفرادها إلى مناطق الاحتلال البريطاني في النمسا وألمانيا، حيث تطالب بهم الحكومة اليوغوسلافية». [7] وقد جرى تجنيد مئات من قدامى «هانتشار» هؤلاء، وتتراوح التقديرات بين خمسمئة وألف بوشناقي، إلى جانب مجموعات أصغر من الألبان والكروات، من مخيمات النازحين التابعة للمنظمة الدولية للاجئين (IRO) في إيطاليا، ونُقلوا إلى سوريا ولبنان. وهناك خضعوا لتدريب إضافي في قاعدة قطنا العسكرية جنوب غربي دمشق، حيث جرى تنظيمهم في عدة كتائب ضمن جيش الإنقاذ العربي (ALA) بقيادة فوزي القاوقجي. وخدم كثيرون منهم بصورة أساسية في كتيبة أجنادين، بينما أُدمج آخرون في كتيبتي اليرموك الأولى والثانية وكتيبة حطين. بل إن بعض ضباط «هانتشار» الأكثر خبرة أداروا مدارس لحرب الكوماندوز وحرب العصابات لفائدة القوات السورية النظامية، ناقلين إليها تكتيكات مكافحة الأنصار التي صقلوها في مواجهة حركة المقاومة اليوغوسلافية. [8]
أما الألبان، وكثير منهم أعضاء سابقون في الفرقة الحادية والعشرين «سكندربك» (SS Skanderbeg) التابعة للـ«إس إس»، فقد وصلوا في مجموعات أصغر لكنها ملحوظة. ففي 14 أبريل/نيسان 1948، أفادت «ذا باليستاين بوست» بأن سفينة جلبت سبعة وستين ألبانيًا وعشرين يوغوسلافيًا وواحدًا وعشرين كرواتيًا إلى بيروت، بقيادة النائب الألباني السابق ورئيس الوزراء القصير العهد درويش بيتشاكو (Dervish Biçaku). [9] وقد خاض هؤلاء المتطوعون البلقانيون قتالًا مباشرًا في عدة معارك رئيسية خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. وحمل كثير منهم، المنتظمين داخل جيش الإنقاذ العربي بقيادة القاوقجي، خبرة مكتسبة بشق الأنفس، وغالبًا وحشية، من عمليات مكافحة الأنصار في البوسنة وسريميا.
شاركوا في معركة القسطل (مطلع أبريل/نيسان 1948)، وهي صراع ضارٍ للسيطرة على التل الاستراتيجي المشرف على طريق تل أبيب-القدس. كما شاركوا في القتال العنيف على يافا (أبريل/نيسان-مايو/أيار 1948)، حيث حاولت القوات العربية الاحتفاظ بالمدينة الساحلية المهمة. وفي الجليل، شاركوا في عمليات حول مشمار هاعيمق (أبريل/نيسان 1948)، وهي معركة استمرت عشرة أيام شنّت خلالها وحدات جيش الإنقاذ العربي، ومنها كتيبة اليرموك، هجمات متكررة على الكيبوتس والقرى المحيطة في محاولة لاختراق الدفاعات اليهودية في الشمال. وقاتل بعضهم أيضًا قرب الناصرة وفي اشتباكات لاحقة في منطقة ميس الجبل في أكتوبر/تشرين الأول 1948، خلال المراحل المتأخرة من الحرب.
طوال عامي 1947 و1948، تناولت الصحافة الإسرائيلية مرارًا أنباء قدامى فرقة «هانتشار» وغيرها من التشكيلات المتعاونة مع النازيين من يوغوسلافيا وألبانيا، التي وصلت إلى الشرق الأوسط عبر إيطاليا والتحقت بوحدات عربية تستعد لقتال إسرائيل. وكتبت كلير نايكيند (Claire Neikind) في مقال بعنوان «العرب يحتاجون جنودًا بلقانيين»، نُشر في «ذا باليستاين بوست» بتاريخ 2 مارس/آذار 1948، أن عملاء عربًا كانوا يجندون مرتزقة لقتال اليهود في فلسطين من بين أعضاء سابقين في فرق الـ«إس إس»، شملوا ألبانًا وبوشناق على حد سواء. وقد نُظّم التجنيد عبر «أورينت بريس» (Orient Press)، وهي جهة تعمل داخل مخيمات المنظمة الدولية للاجئين في إيطاليا. وأشار المقال إلى أنه في حالة المسلمين من يوغوسلافيا وألبانيا وروسيا، قررت المنظمة الدولية للاجئين أنها لن تعترض رسميًا على نقلهم إذا طلبت ذلك حكومات إسلامية في الشرق الأوسط. وتوصّل الأمير عمرو إبراهيم، ممثلًا للحكومة المصرية، إلى اتفاق مع المنظمة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1947 وافقت المنظمة على نقل 135 مسلمًا يوغوسلافيًا وألبانيًا، مع عائلاتهم، إلى مصر، على أن تتحمل حكومة القاهرة تكاليف السفر. وكما أوضح أحد مسؤولي المنظمة: «جميع هؤلاء المهاجرين الـ135 كانت لديهم ملفات كمجرمي حرب أو متعاونين، أو كانوا بطريقة أو بأخرى خونة لقضية الحلفاء، ما يجعلهم غير مؤهلين لمساعدة المنظمة الدولية للاجئين. وتبعًا لذلك، كان مسؤولو المنظمة ‘مسرورين بالتخلص منهم’». [10] وأُفرج عن مجموعة مماثلة من سبعة وخمسين مسلمًا، غير مؤهلين هم أيضًا لمساعدة المنظمة بسبب سجلاتهم خلال الحرب، من ولاية المنظمة في ديسمبر/كانون الأول 1947 وأُرسلوا إلى عمّان على نفقة الحكومة الأردنية.
ألقى الحسيني بنفسه مجددًا في معركة القضية الفلسطينية، مساعدًا هذه المرة أعضاء «هانتشار» السابقين على إيجاد مكان جديد «تحت الشمس» في الشرق الأوسط عبر توجيه جهودهم ضد دولة إسرائيل الناشئة. وقد أتاحت له صلاته الممتدة بضباط وجنود نازيين سابقين إنشاء شبكة من الاتصالات والموارد أثّرت، وفقًا لتقارير تلك الفترة، في تشكيل وحدات ومنظمات عسكرية بعينها في المنطقة خلال العقود التالية.
وفي الوقت نفسه، أثار وجود هؤلاء القدامى الأجانب قلقًا بالغًا لدى السلطات المحلية وحلفائها. فروابطهم السابقة بهياكل النازية، مقرونة بسجلهم الموثّق في العمليات الوحشية في البلقان، جعلت من هذه المجموعة عنصرًا يُحتمل أن يزعزع استقرار الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. إن وصول أعضاء سابقين في فرقة «هانتشار» التابعة للـ«إس إس»، إلى جانب قدامى من تشكيلات بلقانية أخرى متعاونة مع النازيين، إلى سوريا والشرق الأوسط الأوسع قبيل الحرب العربية الإسرائيلية، يوضح كيف أصبحت خبرة القتال في الحرب العالمية الثانية رصيدًا مهمًا في النزاعات الإقليمية الجديدة. وتجنيدهم ودمجهم في الهياكل العسكرية العربية، بتيسير من شخصيات مثل محمد أمين الحسيني وبدعم من المنظمة الدولية للاجئين وحكومات عربية مختلفة، يثير تساؤلات حول استمرارية الانخراط العسكري والأيديولوجي لقدامى البلقان في الشرق الأوسط.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع وصول مجموعات مختلطة من المتطوعين، ألبان وبوشناق وكروات، سافروا عبر إيطاليا وبيروت للوصول إلى دمشق والانضمام إلى جيش الإنقاذ العربي، إيذانًا بفصل جديد في دور المرتزقة البلقانيين في نزاعات الشرق الأوسط.
فرق «سكندربك» التابعة للـ«إس إس»: التشكيلات الألبانية في الـ«فافن إس إس»
رغم أن الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» التابعة للـ«إس إس» كانت بوشناقية في المقام الأول، فقد ضمّت أيضًا عددًا كبيرًا من المتطوعين الألبان من كوسوفو وسنجق. وقد شكّل كثير من هؤلاء الألبان لاحقًا نواة وحدة منفصلة هي الفرقة الحادية والعشرون «سكندربك» التابعة للـ«إس إس» (الألبانية الأولى).
تشكّلت «سكندربك» عام 1944 بمبادرة من هاينريش هيملر، وتألفت أساسًا من مجندين ألبان مسلمين مع كادر قيادي ألماني. وعلى غرار فرقة «هانتشار»، خضع أفرادها للتلقين الأيديولوجي وأدّوا قسمًا دينيًا على القرآن. وتمثّلت مهام الفرقة الأساسية في حرب مكافحة الأنصار، وهو ما عنى عمليًا عمليات تطهير عرقي واسعة ضد الصرب في كوسوفو ومتوهيا، إضافة إلى المشاركة في الهولوكوست. ففي مايو/أيار 1944، اعتقل أفراد من الفرقة مئات اليهود في بريشتينا وسلّموهم للألمان لترحيلهم إلى معسكر الاعتقال برغن-بلزن، حيث لقي معظمهم حتفهم.
بعد انهيار ألمانيا النازية وسقوط الدولة العميلة «ألبانيا الكبرى»، فرّ كثير من المتعاونين الألبان إلى إيطاليا، تمامًا كما فعل نظراؤهم البوشناق. ومن مخيمات النازحين هناك، شقّ جزء منهم طريقه إلى الشرق الأوسط.
ويؤكد تقرير صحفي معاصر أن الألبان لم يكونوا غائبين عن تدفق المقاتلين البلقانيين. ففي مقال بعنوان «حرب عصابات مختلطة»، أفادت «ذا باليستاين بوست» في 14 أبريل/نيسان 1948 بأن سفينة جلبت سبعة وستين ألبانيًا وعشرين يوغوسلافيًا وواحدًا وعشرين كرواتيًا إلى بيروت. وكان يقود المجموعة درويش بيتشاكو، النائب الألباني السابق وكبير ملّاك الأراضي والمتعاون الرفيع المستوى. وقد أيّد بيتشاكو احتلال موسوليني لألبانيا، وشغل منصب محافظ تيرانا، وتولى لفترة وجيزة رئاسة وزراء ألبانيا تحت الاحتلال الألماني في أواخر 1944. وبعد فراره من تيرانا، وصل إلى إيطاليا وساعد لاحقًا في توجيه قدامى المحاربين الألبان نحو القوات العربية. وقد استقبل الرجالَ المكتبُ العربي الفلسطيني، وصرّحوا بأنهم قاتلوا الشيوعيين في ألبانيا. [11]
داخل جيش الإنقاذ العربي بقيادة القاوقجي، نزع هؤلاء القدامى الألبان إلى البقاء في مجموعات أصغر ومتماسكة نسبيًا بدلًا من توزيعهم بالكامل بين الوحدات العربية المحلية. وقد منحتهم خبرتهم السابقة في حرب الجبال وعمليات مكافحة الأنصار في البلقان قيمة خاصة في التضاريس الوعرة شمالي فلسطين والجليل، حيث شنّ جيش الإنقاذ العربي هجمات متكررة على المواقع اليهودية، بما في ذلك المعارك حول مشمار هاعيمق.
وكانت ثمة شخصية محورية أخرى هي جعفر دِفا (Xhafer Deva)، وزير الداخلية في الحكومة الألبانية المدعومة من النازيين وأحد المنظمين الرئيسيين وراء «فوج كوسوفو»، الذي نُقل معظم أفراده إلى فرقة «سكندربك». وقد أدى دِفا دورًا محوريًا في التجنيد وفي حملة الإرهاب ضد المدنيين الصرب في كوسوفو. وعلى غرار البوشناق، واصل كثير من هؤلاء القدامى الألبان مسارهم العسكري بعد عام 1948. فبقي بعضهم في سوريا ولبنان، مندمجين في القوات المسلحة المحلية وناقلين التكتيكات التي اكتسبوها في حقبة الـ«إس إس» وفي حرب 1948 على السواء.
تكشف هذه الحلقة نمطًا واضحًا من الاستمرارية: جنود الـ«إس إس» السابقون من البلقان، بوشناقًا كانوا أم ألبانًا، الذين قاتلوا يومًا تحت الصليب المعقوف والسيف المعقوف، عادوا للظهور بعد ثلاث سنوات فقط في ساحات القتال بفلسطين، هذه المرة تحت راية قومية عربية ضد دولة إسرائيل المنشأة حديثًا.
وبعد ثمانية عقود، لا يزال إرث «هانتشار»، و«سكندربك» بوجه خاص، شديد الحساسية. ففي بريشتينا، يتجلى ذلك في محاولات إعادة تأويل شخصيات مثيرة للجدل مثل جعفر دِفا، وأبرزها المبادرات المتكررة لترميم منزله السابق والترويج له بوصفه موقعًا ثقافيًا، رغم الانتقادات الدولية الشديدة من ألمانيا والاتحاد الأوروبي والمنظمات اليهودية. فما كان يُوصف ذات يوم من دون لبس بالتعاون مع العدو وجرائم الحرب بات يُعامل على نحو متزايد كمادة مرنة لسياسات الهوية المعاصرة: تُخفَّف حدّته، أو يوضع في سياق، أو يُرفع بهدوء جزءًا من سردية وطنية عن المقاومة والاستقلال الذاتي.
في سراييفو وبريشتينا على السواء، تحوّل الذاكرة الانتقائية الإرثَ الحربي المثقل إلى موارد رمزية. فالجوانب الأكثر إشكالية يُهوَّن من شأنها أو يُعاد تأطيرها: المتعاونون يصيرون «مدافعين عن الوطن» أو «ضحايا الشيوعية»، أو ببساطة يتلاشون في نسيان جزئي مريح. والنتيجة ليست إعادة اعتبار كاملة، بل نسبنة هادئة تتيح لهذه التشكيلات الإسلامية التابعة للـ«إس إس» أن تؤدي، ولو بصورة غير مباشرة، دور أعمدة نصف معترف بها لمشاريع الهوية البوشناقية والألبانية الحديثة.
فوك دامنيانوفيتش (Vuk Damnjanović) عالم سياسة وصحفي ومخرج أفلام وثائقية مقيم في بلغراد. وهو مرشح لنيل الدكتوراه في كلية الفلسفة بجامعة بلغراد، ويحمل درجة الماجستير في العلوم السياسية. وتركز أبحاثه وأفلامه على الذاكرة والثقافة والمراجعة التاريخية.
الحواشي
1 محمد أمين الحسيني، بث إذاعي، 1 مارس/آذار 1944، مقتبس في جيفري هيرف، «الدعاية النازية للعالم العربي» (مطبعة جامعة ييل، 2009)، ص 213، حيث يُعرَّف المستند الأصلي بأنه: Weekly Review of Foreign Broadcasts, Federal Communications Commission (FCC), no. 118 (March 1, 1944), “Near and Middle East,” United States National Archives, College Park, Maryland, Record Group 165, Military Intelligence Division (MID), Regional File, 1922–1944, Palestine, Entry 77, Box 2719, Folder 2930.
2 محمد أمين الحسيني، Islam i židovstvo (زغرب، كرواتيا: Hrvatski tiskarski zavod، 1943).
3 حسين دوزو (Husein Đozo)، “Zadača SS-vojnika,” Handžar، العدد 7 (1943)، مقتبس في جورج ليبر (George Lepre)، Himmler’s Bosnian Division: The Waffen-SS Handschar Division 1943–1945 (Schiffer Military History، 1997)، ص 73.
4 يسرائيل غوتمان (محرر)، Encyclopedia of the Holocaust، المجلد 2 (Macmillan / Yad Vashem، 1990)، ص 706–707.
5 انظر المستند الأصلي: كارل-غوستاف زاوبرتسفايغ، “Richtlinien zur Befreiung Bosniens” [إرشادات لتحرير البوسنة]، 17 أبريل/نيسان 1944، مقتبس في ليبر، Himmler’s Bosnian Division، ص 156–157.
6 شهادة ماتياس فرانيو، قائد الفوج الثامن والعشرين في الفرقة الثالثة عشرة «هانتشار» التابعة للـ«إس إس»، ثم ضابط أركان في الفرقة نفسها لاحقًا، أُدلي بها عام 1945 ومقتبسة في ليبر، Himmler’s Bosnian Division.
7 إسرائيل بايير، “Bosnian S.S. in Syrian Forces,” Palestine Post، 19 ديسمبر/كانون الأول 1947.
8 سِث ج. فرانتزمان ويوفان تشوليبرك، “Strange Bedfellows: The Bosnians and Yugoslav Volunteers in the 1948 War in Israel/Palestine,” Istorija 20. veka 27، العدد 1 (2009): 195.
9 “Mixed Guerrilla,” Palestine Post، 14 أبريل/نيسان 1948.
10 كلير نايكيند، “Arabs Need Balkan Soldiers,” Palestine Post، 2 مارس/آذار 1948.
11 “Mixed Guerrilla.”
تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)