MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
المرصد

إثيوبيا تحتجز مياه النيل لتوليد الطاقة والقاهرة تستعد للحرب

ثلاثة سدود مزمعة تمنح إثيوبيا سيطرة كاملة على تدفق النيل الأزرق نحو دول المصب.

سِياد مادَي محامٍ ومحلل سياسات مقيم في نيروبي، يتمتع بخبرة تزيد على خمسة وعشرين عامًا في القطاعين العام والخاص في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. وقد شغل سابقًا منصبًا لأكثر من خمسة عشر عامًا في «البنك الوطني الكيني» (Kenya’s National Bank).

The headwaters of the Blue Nile as it leaves Lake Tana in Bahir Dar, Ethiopia.
منابع النيل الأزرق عند خروجه من بحيرة تانا في بحر دار بإثيوبيا. · Shutterstock

في 24 مارس/آذار 2026، أعلنت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية خططًا لبناء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، هي كارادوبي وماندايا وبيكو آبو، بتكلفة 3.5 مليار دولار لكل منها، على أن تُشيَّد خلال فترة تتراوح بين أربع وسبع سنوات وتدخل الخدمة في وقت واحد. وستضيف هذه السدود مجتمعة 5700 ميغاواط من القدرة التوليدية إلى 5150 ميغاواط ينتجها بالفعل سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD)، الذي افتُتح في سبتمبر/أيلول 2025. وعند اكتمال هذه السلسلة، ستسيطر إثيوبيا على بنية تحتية مائية على النيل الأزرق تفوق ما تملكه أي دولة من دول المصب.

وطرح وزير المياه والطاقة هابتامو إيتيفا (Habtamu Itefa) الاستثمار الإجمالي البالغ 10.5 مليار دولار بوصفه تنفيذًا لـ«الخطة الرئيسية للطاقة» في إثيوبيا، أي إتاحة الكهرباء للجميع بحلول عام 2030 والتحول إلى «بنك الطاقة في أفريقيا»، عبر تصدير فائض التوليد إلى كينيا والسودان وجيبوتي وجنوب السودان. وقد صُممت السدود الثلاثة للعمل بالتوازي مع سد النهضة الإثيوبي الكبير: كارادوبي لالتقاط الطمي في المجرى الأعلى بما يطيل العمر التشغيلي لسد النهضة، وماندايا لتوفير طاقة أساسية على مدار العام، وبيكو آبو لاستغلال أضيق مضيق في النيل الأزرق لتعظيم الضغط الهيدروليكي. وهذا يعني عمليًا تنفيذ دراسات هندسية إثيوبية يعود تاريخها إلى عقود، تتولى بناءها اليوم حكومة أثبتت قدرتها على التشييد على نطاق واسع من دون تمويل أجنبي أو موافقة دول المصب أو موافقة الولايات المتحدة.

وجاء رد فعل القاهرة مفعمًا بالقلق. فقد حذّر عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، من أن سلسلة السدود ستمنح إثيوبيا سيطرة كاملة على تدفق النهر نحو دول المصب وستقلّص إنتاج السد العالي بأسوان من الكهرباء، بما يترجم مباشرة إلى خسائر اقتصادية. ومصر، التي تعتمد على النيل في 98 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة وأنفقت بالفعل مليارات الدولارات للتكيف مع سد النهضة عبر تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف، تواجه الآن ثلاث جولات إضافية من ملء الخزانات من دون أي إطار قانوني ينظم أيًا منها.

ولا شيء من هذا من قبيل المصادفة. فقد أمضى الرئيس عبد الفتاح السيسي سنوات في استخدام نزاع النيل أداةً لشرعية حكمه في الداخل وورقةً للمساومة مع واشنطن. وقال دبلوماسي أمريكي سابق لقناة «يورو نيوز» بصراحة إن نزاع سد النهضة «يساعده مع الولايات المتحدة، لأنه وسيلة لتحويل الانتباه». وقد وظّفت القاهرة ملف المياه لانتزاع دعم سياسي أمريكي واصطفاف دبلوماسي أوروبي وتضامن من جامعة الدول العربية، من دون أن يغيّر أي من ذلك شيئًا في بناء السد. فنظام السيسي، الهشّ اقتصاديًا والمتزايد الاعتماد على حزم إنقاذ صندوق النقد الدولي، يحتاج إلى أزمات خارجية لتبرير القمع الداخلي والرعاية الأجنبية.

وقد استجابت واشنطن. ففي يناير/كانون الثاني 2026، كتب الرئيس دونالد ترامب إلى السيسي متعهدًا بإعادة تنشيط الوساطة الأمريكية. ورفضت إثيوبيا هذا العرض. وبعد شهرين، أعلنت أديس أبابا عن سلسلة السدود. ولن تفضي الوساطة الأمريكية إلى إطار ملزم ما لم تقبل واشنطن بأن تنمية إثيوبيا لأنهارها أمر قانوني ولا رجعة فيه وغير قابل للتفاوض، وما لم تنطلق من هذا الأساس بدلًا من العمل ضده.

وكان رد مصر على إخفاقها الاستراتيجي في ملف النيل هو عسكرة المحيط الإقليمي. فقد حصلت القاهرة على حقوق لتحديث ميناء عصب في إريتريا وميناء دوراليه في جيبوتي لاستيعاب سفن حربية من أسطولها البحري الجنوبي، بما يطوّق الممر التجاري الرئيسي لإثيوبيا وأرجح منفذ لها إلى البحر الأحمر. كما أرسلت قوات إلى الصومال وشكّلت محورًا إقليميًا فضفاضًا من المعارضين، يضم مصر وصومالًا ممزقًا وتركيا، يوحّده رفض القبول بثقل إثيوبيا المتنامي في القرن الأفريقي. وكون مصر تنسّق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، راعي جماعة الإخوان المسلمين، يوضح إلى أي مدى ابتعد السيسي عن موقعه بوصفه ركيزة للاعتدال الإقليمي. وإثيوبيا التي تشعر بأنها مطوَّقة لديها كل الدوافع للتنويع باتجاه شركاء آخرين، بمن فيهم أولئك الذين يثيرون قلق الدبلوماسيين الأمريكيين المنشغلين بأمن البحر الأحمر.

ونقل موقع «مدى مصر» عن مسؤول مصري، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قوله إن القاهرة تنسّق بالفعل مع دول مجاورة لمواجهة السدود الجديدة. وهذا التنسيق هو الرهان الاستراتيجي الحقيقي للسيسي: إذا لم يستطع وقف المشروع، فبوسعه رفع كلفته. غير أن الرهان على الأرجح لن يؤتي ثماره. فقد موّلت إثيوبيا سد النهضة بالكامل عبر سندات محلية بعدما نجحت الحملة الدبلوماسية المصرية في إغلاق باب الإقراض الدولي. وشيّدته وسط حرب أهلية وعقوبات دولية وتعليق للمساعدات الغربية. ولا يوجد سقف من الضغوط يتوقف عنده بناء السدود الإثيوبية.

والسودان هو المتغير الذي تعوّل عليه القاهرة، ولا ينبغي لها أن تفعل. فالحرب الأهلية دفعت القوات المسلحة السودانية مؤقتًا إلى أحضان مصر، لكن أي حكومة في الخرطوم بعد الحرب ستواجه الحساب ذاته الذي جعل السودان تاريخيًا متذبذبًا حيال سد النهضة: فالكهرباء المائية الإثيوبية الرخيصة أصل اقتصادي يفرّط فيه الاصطفاف مع مصر. وحين يستقر السودان ويعود إلى موقفه الطبيعي القائم على التفاهم البراغماتي مع أديس أبابا، ستفقد مصر آخر شريك ذي مصداقية في تحالفها داخل حوض النيل. وعندها تصبح بنية الضغط المصرية، من الموانئ الإريترية إلى الوكلاء الصوماليين إلى الاصطفاف التركي، مجموعة من الالتزامات الباهظة بلا عائد استراتيجي، وتكون مصر قد عزلت نفسها عن سوق إقليمية للطاقة كان بوسعها أن تسهم في تشكيلها.

سلسلة السدود الإثيوبية ستُبنى. فقد طُرحت المناقصات وحُسم الجانب الهندسي. وعلى واشنطن أن تقرر ما إذا كانت ستستمر في التعامل مع نزاع النيل باعتباره مظلمة مصرية تستدعي تعاطفًا أمريكيًا، أم باعتباره انتقالًا في موازين القوى الإقليمية يستدعي إدارة صادقة. أما خيار القاهرة بين التفاوض على إطار يمكنها التعايش معه وعسكرة نزاع لا يمكنها كسبه، فليس معضلة تحلّها رسائل الوساطة. فإما أن تأتي مصر إلى الطاولة بشروط تعكس المكان الذي تنبع منه المياه، وإما أن تشاهد النيل الأزرق وهو يصير ما أرادته إثيوبيا دائمًا: الأساس المالي للجيل المقبل من الطاقة في شرق أفريقيا.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: Ethiopia Dams the Nile for Power. Cairo Prepares for War

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)