MEF Menu
Middle East ForumSupport MEF
منتدى الشرق الأوسط · Middle East Forum
Reports

حشد عسكري أمريكي حول إيران: ما نعرفه وما يعنيه

تقييم يعتمد على المصادر المفتوحة لتحركات القوات الأمريكية ومستوى الجاهزية العملياتية ومخاطر التصعيد.

أبرز النقاط

  • تُجري الولايات المتحدة أكبر حشد عسكري لها في الشرق الأوسط منذ ضربات يونيو/حزيران 2025 على المنشآت النووية الإيرانية، إذ تتقاطر القوات نحو الخليج العربي من اتجاهات متعددة.
  • فمجموعة حاملة الطائرات الضاربة يو إس إس أبراهام لنكولن تعبر قادمة من بحر الصين الجنوبي، ونُشرت نحو 35 طائرة إف-15 إي سترايك إيغل في الأردن، كما تدفقت طائرات التزود بالوقود إلى قاعدة العديد الجوية.
  • ويشير النشر المشترك للطيران الحامل والمقاتلات البرية وطائرات التزود بالوقود والدفاع الصاروخي إلى الاستعداد لحالة طوارئ كبرى لا إلى ضربة محدودة لمرة واحدة.
انتشار عسكري أمريكي جوي وبري وبحري يشي بالاستعداد لطارئ كبير. · Shutterstock

ملخص تنفيذي

تُجري الولايات المتحدة أكبر حشد عسكري لها في الشرق الأوسط منذ ضربات يونيو/حزيران 2025 على المنشآت النووية الإيرانية. ومع اهتزاز أركان الجمهورية الإسلامية تحت وطأة الاحتجاجات، وإشارة إدارة ترامب إلى جاهزيتها لاتخاذ إجراء حاسم، تتقاطر القوات الأمريكية إلى منطقة الخليج العربي من اتجاهات متعددة. ويتناول هذا التحليل ما تكشفه استخبارات المصادر المفتوحة عن نطاق هذا الحشد وتركيبته وتداعياته الاستراتيجية.

والصورة التي تتكشف هي إسقاط قوة متعمّد متعدد المجالات. فمجموعة حاملة الطائرات الضاربة يو إس إس أبراهام لنكولن تعبر قادمة من بحر الصين الجنوبي، منهية فجوة استمرت 20 يوماً بلا حاملة طائرات في المنطقة، في أول غياب من هذا النوع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد نُشرت نحو 35 طائرة إف-15 إي سترايك إيغل في الأردن. كما شهدت قاعدة العديد الجوية في قطر تدفقاً لطائرات التزود بالوقود. وتتحرك بطاريات دفاع صاروخي إضافية إلى مواقعها عبر الخليج.

غير أن قدراً كبيراً من عدم اليقين لا يزال قائماً. فوجهة مجموعة حاملة الطائرات الضاربة يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش، التي غادرت نورفولك في 13 يناير/كانون الثاني، لا تزال غير واضحة. كما أن الوضع الراهن للقاذفات الاستراتيجية في دييغو غارسيا غير معروف. أما عمليات نشر الغواصات، التي تُحاط دائماً بسرية شديدة، فقد تضيف قدرة كبيرة من صواريخ توماهوك الجوالة لا نستطيع تأكيدها.

الواضح أن الإدارة تجمع أدوات عمليات طوارئ كبرى، مع الإبقاء على مرونة دبلوماسية. فالإخلاء الجزئي لقاعدة العديد الجوية في 14 يناير/كانون الثاني، والتقارير التي تفيد بأن القيادة المركزية الأمريكية وُضعت في وضعية تخطيط حربي على مدار الساعة، يشيران إلى أن صنّاع القرار يعتقدون أن التحرك قد يكون وشيكاً.

السياق الاستراتيجي

يتطلب فهم الحشد الحالي النظر إلى ما سبقه. ففي الفترة من 13 إلى 24 يونيو/حزيران 2025، نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية «مطرقة منتصف الليل» (Operation Midnight Hammer)، مستهدفتين ثلاث منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. وجاءت العملية بعد أكثر من أسبوع من الضربات الإسرائيلية المتصاعدة على مواقع عسكرية ونووية إيرانية.

كانت المشاركة الأمريكية كبيرة. فقد ضربت قاذفات الشبح بي-2 سبيريت، المسلحة بقنابل جي بي يو-57 الخارقة للتحصينات فائقة الحجم، المنشآت المدفونة عميقاً. وأطلقت الغواصة يو إس إس جورجيا (SSGN-729)، وهي غواصة صواريخ موجهة، أكثر من 30 صاروخ توماهوك جوال على أصفهان. وأسفر النزاع الذي استمر 12 يوماً عن مقتل أكثر من 1,000 إيراني واستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية.

وردّت إيران بصواريخ باليستية استهدفت قاعدة العديد الجوية، مقر القيادة المتقدمة للقيادة المركزية الأمريكية. واعترضت بطاريات باتريوت معظم الصواريخ القادمة، لكن أحدها أصاب القاعدة وألحق أضراراً بقبة رادار. وأظهر الهجوم كلاً من استعداد إيران لضرب القوات الأمريكية مباشرة وحدود قدراتها أمام الدفاعات الجوية الحديثة.

وأرست عملية يونيو/حزيران 2025 سوابق عدة ذات صلة بالوضع الحالي: إذ أظهرت استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة مباشرة ضد إيران، وبرهنت على فعالية عمليات الدفاع الجوي المشتركة، وكشفت في الوقت نفسه قدرات الرد الإيراني وحدوده.

وبدأت الأزمة الحالية في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، حين اندلعت احتجاجات في أنحاء إيران بسبب الانهيار الاقتصادي في البلاد. فقد هبطت قيمة الريال الإيراني هبوطاً حاداً، ودمّر التضخم الجامح الذي تجاوز 40 في المئة حياة الإيرانيين العاديين. وما بدأ باعتباره مظالم اقتصادية تصاعد سريعاً إلى مطالب بتغيير النظام، وامتد إلى أكثر من 100 مدينة.

وجاء رد النظام وحشياً. وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن قتلت ما بين 1,000 و12,000 متظاهر، وإن كان من المستحيل التحقق من الأرقام الدقيقة بسبب قطع الإنترنت والاتصالات الهاتفية الذي فرضته السلطات. ويعكس التفاوت في تقديرات الخسائر الفراغ المعلوماتي الذي خلّفه هذا الانقطاع في الاتصالات.

وكان رد الرئيس ترامب لا لبس فيه. فقد نشر على وسائل التواصل الاجتماعي أن «المساعدة في الطريق»، وهدد بتدخل عسكري إذا مضت عمليات إعدام المتظاهرين قدماً، وصرّح علناً بأن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة». وفي 14 يناير/كانون الثاني، طالب، وفق التقارير، فريقه للأمن القومي بخيارات عسكرية «حاسمة». وفي اليوم نفسه، صدر أمر بإخلاء جزئي لقاعدة العديد الجوية.

ولا يزال الوضع متقلباً. ففي 16 يناير/كانون الثاني، زعم ترامب أن إيران «توقفت عن قتل المتظاهرين»، وهو توقف مؤقت تعذّر التحقق منه بسبب انقطاع الاتصالات. وبحلول 23-24 يناير/كانون الثاني، كان يتحدث عن «أسطول ضخم» متجه إلى الخليج العربي. وبدأت شركات طيران دولية بإلغاء رحلاتها عبر المنطقة.

القوات البحرية

في الفترة من 5 إلى 25 يناير/كانون الثاني 2026، لم تكن أي حاملة طائرات أمريكية تعمل في منطقة مسؤولية القيادة المركزية، في أول فجوة من هذا النوع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد وقع هذا الغياب، الذي وصفه بعض المحللين بأنه «شذوذ نفسي»، في اللحظة ذاتها التي كانت تتصاعد فيها التوترات مع إيران. وكانت هذه خامس مرة خلال عامين يُعاد فيها نشر حاملة طائرات من آسيا إلى الشرق الأوسط، بما يبرز كلاً من الطلب المستمر للمنطقة على القوة البحرية الأمريكية والضغط الذي يفرضه ذلك على الالتزامات في المحيط الهادئ.

وتعبر الآن حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لنكولن (CVN-72) ومجموعتها الضاربة من بحر الصين الجنوبي باتجاه خليج عمان. وقد غادرت المجموعة الضاربة الفلبين نحو 15 يناير/كانون الثاني، ويُتوقع وصولها إلى مياه أقرب إلى إيران بحلول 25-26 يناير/كانون الثاني. ويضم الجناح الجوي التاسع للحاملات (CVW-9) المحمول على متن لنكولن مقاتلات شبح من طراز إف-35 سي لايتنينغ 2 تابعة لسرب مشاة البحرية المقاتل الهجومي 314 (VMFA-314)، وأسراباً متعددة من مقاتلات إف/إيه-18 إي/إف سوبر هورنت، وطائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-18 جي غراولر، وطائرات الإنذار المبكر المحمولة جواً إي-2 دي هوك آي المتقدمة، وطائرات النقل اللوجستي سي إم في-22 بي أوسبري، ومروحيات إم إتش-60 آر/إس.

وتشمل قوة مرافقة المجموعة الضاربة سرب المدمرات 21، مع المدمرات المزودة بصواريخ موجهة يو إس إس سبروانس (DDG-111)، ويو إس إس مايكل ميرفي (DDG-112)، ويو إس إس فرانك إي. بيترسن الابن (DDG-121)، إضافة إلى الطراد المزود بصواريخ موجهة يو إس إس موبايل باي. ومن المرجح أن ترافق المجموعة غواصة هجومية سريعة واحدة على الأقل، وإن كان ذلك لا يُؤكَّد رسمياً أبداً.

ويطال أحد أوجه الغموض المهمة حاملة الطائرات يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش (CVN-77)، التي غادرت نورفولك بولاية فرجينيا في 13 يناير/كانون الثاني 2026. ولم تكن الحاملة قد أكملت تمرين وحدة التدريب المركّبة (COMPTUEX)، وهو شهادة الاعتماد النهائية المطلوبة قبل الانتشار. ولم تُعلن وجهتها رسمياً.

وإذا كانت بوش متجهة إلى الشرق الأوسط، فستصل بعد أسابيع عدة من لنكولن، ما قد يمنح الولايات المتحدة مجموعتين ضاربتين لحاملتي طائرات في المنطقة في آن واحد. وسيمثل ذلك تركيزاً كبيراً لقوة الطيران البحري. غير أن نشر حاملة لم تُكمل دورتها التدريبية الكاملة أمر غير معتاد، ويوحي إما بإلحاح استثنائي وإما بوجهة مختلفة تماماً.

وتجدر الإشارة إلى أن حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر. فورد (CVN-78)، أكبر سفينة حربية في العالم والقادرة على دعم أقوى جناح جوي، ليست متاحة لعمليات الشرق الأوسط. ففورد تعمل حالياً في البحر الكاريبي تحت إمرة القيادة الجنوبية ضمن عملية «الرمح الجنوبي» (Operation Southern Spear)، دعماً لعمليات تتصل بفنزويلا. وهذا يحد من خيارات إسقاط قوة إضافية من الحاملات في الخليج.

وإلى جانب المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات، تعمل عدة قطع سطحية مقاتلة في الخليج العربي والمياه المحيطة به. فالمدمرتان المزودتان بصواريخ موجهة يو إس إس ميتشر (DDG-57) ويو إس إس روزفلت (DDG-80) تعملان في المنطقة، مع ورود تقارير عن وجود الأخيرة في البحر الأحمر أيضاً. أما ثلاث سفن قتالية ساحلية، وهي يو إس إس كانبيرا (LCS-30)، ويو إس إس تولسا (LCS-16)، ويو إس إس سانتا باربرا (LCS-32)، فهي مجهزة بحزم إجراءات مضادة للألغام، وهي قدرة ستكون أساسية في أي نزاع تحاول فيه إيران تلغيم مضيق هرمز.

أما صورة الغواصات فتبقى، كعادتها، معتمة. ونعلم أن يو إس إس جورجيا (SSGN-729) شاركت في ضربات يونيو/حزيران 2025، فأطلقت أكثر من 30 صاروخ توماهوك على أصفهان. وتشغّل البحرية أربع غواصات صواريخ موجهة من فئة أوهايو (SSGN)، وهي أوهايو وفلوريدا وميشيغان وجورجيا، وكل منها قادرة على حمل 154 صاروخ توماهوك جوال. وفي سبتمبر/أيلول 2025، رفعت البحرية يو إس إس أوهايو ويو إس إس فلوريدا من قائمة إخراج الخدمة للسنة المالية 2026، محافظةً بذلك على هذه القدرة الضاربة الهائلة. والمواقع الحالية لهذه الغواصات غير معروفة، لكن وجود واحدة منها في المنطقة سيضيف قوة نيران كبيرة.

القوات الجوية

العنصر الأكثر وضوحاً في الحشد الحالي هو نشر مقاتلات إف-15 إي سترايك إيغل في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن. ففي الفترة بين 18 و21 يناير/كانون الثاني 2026، وصلت نحو 35 طائرة من السرب المقاتل الانتشاري 494 إلى القاعدة قادمة من قاعدة لاكنهيث الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني (RAF Lakenheath) في المملكة المتحدة. وغادرت موجة ثانية من 12 طائرة المملكة المتحدة في 21 يناير/كانون الثاني.

وأقرت القيادة المركزية الأمريكية علناً بعملية النشر في 20 يناير/كانون الثاني، قائلة إن «وجود طائرات الإف-15 يعزز الجاهزية القتالية». ويؤكد هذا الإقرار العلني النادر الإشارة التي تنوي الإدارة إرسالها. والإف-15 إي مقاتلة مزدوجة الدور قادرة على تنفيذ مهام التفوق الجوي والضربات العميقة معاً، ومجهزة بمنظومة الإنذار السلبي/الفاعل وقابلية النجاة للإيغل (EPAWSS) لتعزيز قدرات الحرب الإلكترونية.

واختيار الإف-15 إي ذو دلالة. ففي أبريل/نيسان 2024، أسقطت مقاتلات إف-15 إي أكثر من 80 طائرة مسيّرة إيرانية خلال هجوم على إسرائيل، مبرهنةً على فعاليتها ضد المنظومات غير المأهولة التي تشكل مكوناً أساسياً من قدرات إيران ووكلائها. وقد شوهدت هذه الطائرات مجهزة بصواريخ هيدرا عيار 70 ملم، التي أثبتت فعالية عالية في ذلك الاشتباك.

وقد استضافت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن عمليات نشر تناوبية لمقاتلات إف-15 إي على مدى نحو عقد. وتقع القاعدة ضمن مدى الضرب لغرب إيران، وتوفر بديلاً برياً عن الطيران المحمول على الحاملات، وهو اعتبار مهم في ضوء حساسيات الدول المضيفة في الخليج إزاء انطلاق الضربات من أراضيها.

وأُفيد عن عمليات نشر إضافية لمقاتلات، لكنها تبقى أقل تأكيداً. فمقاتلات الشبح إف-22 رابتور متمركزة في قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، موفرة قدرة التفوق الجوي والردع الإقليمي. وتشير التقارير إلى أن سرباً من إف-16 نُشر في قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وأن سرباً من إيه-10 قد يكون في موفق السلطي إلى جانب مقاتلات الإف-15 إي. ويُقال إن سربين من الإف-35 موجودان في المسرح، وإن كانت مواقعهما الدقيقة غير مؤكدة.

وتستضيف قاعدة الظفرة أيضاً طائرات إم كيو-4 سي تريتون غير المأهولة العالية الارتفاع وطويلة التحمّل، التي توفر قدرات مراقبة دائمة بالغة الأهمية لرصد التحركات العسكرية الإيرانية والنشاط البحري في الخليج.

ودييغو غارسيا، الجزيرة المرجانية النائية في إقليم المحيط الهندي البريطاني التي تستضيف منشأة عسكرية أمريكية كبرى، أدّت تاريخياً دور قاعدة انطلاق لعمليات القاذفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وتبعد القاعدة نحو 2,358 ميلاً عن إيران، أي ضمن مدى قاذفات بي-2 سبيريت وبي-52 إتش ستراتوفورترس.

وفي مارس/آذار 2025، نُشرت ست قاذفات بي-2 سبيريت في دييغو غارسيا، أي نحو 30 في المئة من أسطول البي-2 بأكمله. ووصلت قاذفات بي-52 إتش ستراتوفورترس في مايو/أيار 2025. واستُخدمت قاذفات البي-2 في ضربات ضد أهداف للحوثيين في اليمن قبل أن تعود إلى قاعدة وايتمان الجوية إثر وقف إطلاق نار في مايو/أيار. ونُشرت مقاتلات إف-15 في القاعدة في مايو/أيار 2025 لتوفير الحماية.

والوضع الراهن للقاذفات الاستراتيجية في دييغو غارسيا غير معروف. ولا توجد صور أقمار اصطناعية حديثة أو تقارير موثوقة تؤكد وجودها أو غيابها حتى أواخر يناير/كانون الثاني 2026. وإذا كانت قاذفات البي-2 قد عادت إلى القاعدة، فستكون قادرة على استخدام قنبلة جي بي يو-57 الخارقة للتحصينات فائقة الحجم ضد المنشآت الجوفية المحصّنة. أما قاذفات البي-52 إتش فيمكنها إطلاق صواريخ جو-أرض بعيدة المدى المشتركة من طراز إيه جي إم-158 (JASSM) من خارج مدى الدفاعات الجوية الإيرانية.

وقد هددت إيران صراحةً بضرب دييغو غارسيا في حال وقوع عمل عسكري أمريكي، إدراكاً منها لأهميتها كقاعدة للقاذفات. أما ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة على تنفيذ مثل هذا التهديد على ذلك المدى فيبقى موضع تساؤل.

ولعل المؤشر الأكثر دلالة على الاستعدادات العملياتية هو الزيادة الكبيرة في طائرات التزود بالوقود. فبحلول 22 يناير/كانون الثاني، كانت 20 طائرة كي سي-135 ستراتوتانكر على الأقل موجودة في قاعدة العديد الجوية، وهي زيادة كبيرة عن المستويات المعتادة. وخلال الإخلاء الجزئي في 14 يناير/كانون الثاني، غادرت ست طائرات كي سي-135 القاعدة نحو الساعة العاشرة مساءً. وانتقلت اثنتا عشرة طائرة كي سي-135 من قواعد أوروبية إلى الشرق الأوسط خلال مدة 48 ساعة في منتصف يناير/كانون الثاني. ونُشرت أربع طائرات تزود بالوقود إضافية في الأردن إلى جانب مقاتلات الإف-15 إي.

وقدرة التزود بالوقود جواً هي العامل الممكّن للعمليات الجوية الممتدة. فالطائرات الضاربة المنطلقة من الأردن أو دول الخليج أو أسطح الحاملات تحتاج إلى دعم ناقلات الوقود لبلوغ أهداف في عمق إيران والعودة بأمان. والقاذفات الاستراتيجية المنطلقة من دييغو غارسيا ستحتاج إلى عمليات تزود متعددة لمهام الذهاب والإياب. ويشير حشد ناقلات الوقود إلى التخطيط لعمليات جوية مستدامة لا لضربة محدودة لمرة واحدة.

كما ازداد نشاط النقل الجوي زيادة كبيرة. فقد رُصدت أكثر من 10 رحلات لطائرات سي-17 غلوبماستر 3 من إنجلترا إلى الأردن خلال يومين، ويُرجَّح أنها نقلت معدات وأفراداً لدعم نشر مقاتلات الإف-15 إي. وشوهدت طائرات النقل الثقيل سي-5 إم غالاكسي متجهة شرقاً. وأُفيد عن رحلات لطائرات سي-17 إلى دييغو غارسيا، ما قد يعني تمركز أسلحة أو معدات إضافية في قاعدة القاذفات.

منظومات الدفاع الصاروخي

توفر منظومة الدفاع الجوي العالي الارتفاع في المرحلة النهائية (THAAD) الطبقة العليا من الدفاع الصاروخي الباليستي الأمريكي. وفي 22 يناير/كانون الثاني، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن بطاريات ثاد إضافية تُنشر في الشرق الأوسط. وتوجد بطارية واحدة في إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، يشغّلها نحو 100 فرد أمريكي.

وقدرات ثاد لافتة: فهي قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية على مديات تتراوح بين 150 و200 كيلومتر وعلى ارتفاعات تتجاوز 150 كيلومتراً، أي فوق الغلاف الجوي بكثير. وتبلغ كلفة كل بطارية نحو 2.73 مليار دولار، فيما يبلغ سعر الصاروخ الاعتراضي الواحد 12.7 مليون دولار.

غير أن المنظومة تواجه قيداً حاسماً، هو المخزون. فخلال نزاع يونيو/حزيران 2025، استهلكت بطاريات ثاد 92 صاروخاً اعتراضياً دفاعاً عن إسرائيل ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية. وكان إجمالي مخزون صواريخ ثاد الاعتراضية 632 قبل ذلك الاشتباك. ويقدّر مسؤولو الدفاع أن إعادة التعبئة ستستغرق من ثلاث إلى ثماني سنوات بمعدلات الإنتاج الحالية. ويعني هذا المخزون المحدود أن ثاد يجب أن تُستخدم انتقائياً ضد أخطر الصواريخ القادمة، على أن تتولى المنظومات الأدنى طبقة التعامل مع التهديدات الأقل صعوبة.

كما تُنشر بطاريات باتريوت PAC-3 إضافية في المنطقة. وتوفر منظومات باتريوت دفاعاً من الطبقة الدنيا ضد الصواريخ الباليستية القصيرة المدى والصواريخ الجوالة والطائرات. وتتمركز البطاريات في السعودية والكويت والأردن والعراق وقطر والإمارات.

وفي مارس/آذار 2025، أُعيد نشر بطاريتي باتريوت على الأقل من آسيا إلى الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات. وعادت وحدة من كوريا الجنوبية إلى شبه الجزيرة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لتلقي تحديثات على معداتها قبل استئناف دورها في الدفاع عن شبه الجزيرة الكورية. ويوضح هذا التناوب الضغط الذي تفرضه متطلبات الشرق الأوسط على قوة ملتزمة عالمياً.

وفي العديد، اعترضت بطاريات باتريوت بنجاح معظم الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال هجوم يونيو/حزيران 2025، وإن كان أحد الصواريخ قد أصاب القاعدة. وقد أثبت أداء المنظومة جدوى سنوات من الاستثمار، لكنه أظهر أيضاً أنه ما من دفاع مثالي في مواجهة رشقة هجومية مُصمَّمة.

وفي 12 يناير/كانون الثاني 2026، افتُتحت خلية جديدة لتنسيق الدفاع الجوي، مركز العمليات الدفاعية المشتركة للدفاع الجوي في الشرق الأوسط (MEAD-CDOC)، في قاعدة العديد الجوية. ويدمج المركز عمليات الدفاع الصاروخي عبر 17 دولة، ما يتيح تنسيقاً آنياً لعمليات الاعتراض وتبادلاً لبيانات أجهزة الاستشعار. وهذا النهج متعدد الأطراف يضاعف فعالية المنظومات الوطنية المنفردة ويقلّص مخاطر وجود ثغرات في التغطية.

القوات البرية والوجود الإقليمي

حتى منتصف 2025، كان نحو 40,000 إلى 50,000 جندي أمريكي متمركزين في أنحاء الشرق الأوسط، بين أفراد في قواعد دائمة وآخرين في مواقع متقدمة أصغر. وكان العدد قد ارتفع من نحو 34,000 قبل اندلاع حرب إسرائيل وحماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتستضيف الكويت أكبر تجمّع، إذ يعمل معسكر عريفجان بوصفه المركز اللوجستي ونقطة الارتكاز الرئيسية للنقل الجوي للعمليات الإقليمية. وتؤدي قاعدة العديد الجوية في قطر دور المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية رغم معارضة الدوحة المعلنة لانطلاق ضربات هجومية من أراضيها. وتستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي، ما يجعلها مركز العمليات البحرية الأمريكية في الخليج.

البنية التحتية الأساسية للقواعد

العديد هي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط وتعمل مقراً متقدماً للقيادة المركزية الأمريكية. وتستضيف القاعدة نحو 10,000 فرد، وكانت محورية في العمليات في العراق وسوريا وأفغانستان. ومن العديد جرى تنسيق كثير من العمليات الجوية خلال نزاع يونيو/حزيران 2025.

وأهمية القاعدة تجعلها ثمينة وعرضة للخطر في آن معاً. فقد استهدفت إيران العديد خلال رد يونيو/حزيران 2025، إذ أصاب صاروخ باليستي المنشأة وألحق أضراراً بقبة رادار. وفي 14 يناير/كانون الثاني 2026، صدر أمر بإخلاء جزئي، فنُقل «مئات» الأفراد إلى منشآت أخرى وفنادق محلية. وغادرت ست طائرات تزود بالوقود من طراز كي سي-135 نحو الساعة العاشرة من مساء ذلك اليوم.

يزيد الموقف السياسي القطري الأمور تعقيداً. فقد أعلنت الدوحة معارضتها لانطلاق الضربات الأمريكية من أراضيها، غير أن كيفية إنفاذ هذا الموقف عملياً خلال نزاع فعلي تبقى غير واضحة. كما أفادت تقارير بأن القوات البريطانية في العديد خفّضت هي الأخرى حضورها.

برزت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن بوصفها عقدةً حاسمة في الحشد الراهن. فالقاعدة تستضيف الآن نحو 35 طائرة من طراز إف-15 إي سترايك إيغل، وشهدت في الأيام الأخيرة حركة كثيفة لطائرات الشحن. وعلى خلاف دول الخليج، لا يشترك الأردن مع إيران في حدود بحرية، ما يقلّل تعرّضه للتهديدات البحرية الإيرانية، مع إبقاء طائرات الضرب ضمن مدى الأهداف الإيرانية.

يوفّر الوجود الأمريكي طويل الأمد في موفق السلطي، على مدى يقارب عقداً من عمليات النشر المتناوبة لطائرات إف-15 إي، بنيةً تحتية راسخةً وألفةً مع الدولة المضيفة. وقد دعمت الملكية الأردنية تاريخياً الأهداف الأمنية الأمريكية في المنطقة، ما يجعلها قاعدة أكثر موثوقية سياسياً للعمليات الهجومية من بعض البدائل الخليجية.

تحتل دييغو غارسيا موقعاً فريداً في إسقاط القوة الأمريكية. فالجزيرة المرجانية الواقعة في المحيط الهندي تبعد 2,358 ميلاً (نحو 3,795 كيلومتراً) عن إيران، وهي مسافة تجعلها بعيدةً بما يكفي لتكون خارج مدى معظم الأسلحة الإيرانية، وقريبةً بما يكفي لعمليات القاذفات مع التزوّد بالوقود جواً. وتوفّر عزلة القاعدة والسيادة البريطانية عليها غطاءً سياسياً لا تستطيع القواعد في دول الخليج ذات الغالبية المسلمة توفيره. وإذا كانت القاذفات الاستراتيجية موجودة، فمن المرجّح أن تكون دييغو غارسيا نقطة انطلاقها لضرب الأهداف الإيرانية المحصّنة.

الجدول الزمني لتحركات القوات

5 يناير/كانون الثاني: لا حاملات طائرات في منطقة مسؤولية القيادة المركزية (المصدر)؛ للمرة الأولى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. 9 يناير: القيادة المركزية تعلن «عدم حدوث أي تغيير» في تشكيلة القوات (المصدر) رغم الاحتجاجات الإيرانية. 12 يناير: افتتاح خلية جديدة لتنسيق الدفاع الجوي (MEAD-CDOC) في العديد (المصدر). 13 يناير: حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش» تغادر نورفولك (المصدر)؛ وجهتها غير معروفة. 14 يناير: الأمر بإخلاء جزئي لقاعدة العديد (المصدر)؛ مغادرة ست طائرات من طراز كي سي-135. ترامب ينشر: «المساعدة في الطريق». 15 يناير: تأكيد عبور حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» غرباً من الفلبين (المصدر). 16 يناير: ترامب يزعم أن إيران «توقفت عن قتل المحتجين»؛ توقف مؤقت يتعذر التحقق منه. 18 يناير: وصول أولى طائرات إف-15 إي إلى قاعدة موفق السلطي في الأردن (المصدر)؛ وتقارير عن رحلات لطائرات سي-17 إلى دييغو غارسيا. 20 يناير: القيادة المركزية تقرّ علناً بنشر طائرات إف-15 إي (المصدر). 21 يناير: مغادرة موجة ثانية من 12 طائرة إف-15 إي من المملكة المتحدة؛ ليصبح العدد نحو 35 في مسرح العمليات. 22 يناير: عشرون طائرة كي سي-135 أو أكثر في العديد (المصدر)؛ وتقارير عن نشر منظومتي ثاد (THAAD) وباتريوت. 23-24 يناير: ترامب يتحدث عن «أسطول ضخم» متجه إلى الخليج (المصدر)؛ وشركات الطيران تلغي رحلاتها إلى الشرق الأوسط. 25-26 يناير: وصول «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى خليج عُمان (المصدر). 27 يناير: الولايات المتحدة تعلن عن «مناورات جوية» إقليمية في أنحاء الشرق الأوسط (المصدر). منتصف يناير: تقارير عن صدور أوامر للقيادة المركزية بالانتقال إلى وضعية تخطيط حربي على مدار الساعة (المصدر) «طوال الشهر المقبل».

ما لا نعرفه

للتحليل المعتمد على المصادر المفتوحة حدود متأصلة، ولا تزال عدة أسئلة مهمة بلا إجابة. وفهم هذه الفجوات لا يقل أهمية عن فهم ما نعرفه.

وجهة حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش. دبليو. بوش» وجدولها الزمني: مغادرة الحاملة من دون استكمال تدريبات الاعتماد ومن دون إعلان وجهتها يخلق قدراً كبيراً من عدم اليقين بشأن ما إذا كانت حاملة ثانية ستصل إلى المنطقة.

وجود القاذفات الاستراتيجية في دييغو غارسيا: لا توجد صور أقمار اصطناعية حديثة أو تقارير موثوقة تؤكد ما إذا كانت قاذفات بي-2 أو بي-52 قد عادت إلى القاعدة. وهذه واحدة من أهم الفجوات نظراً للدور الذي أدّته القاذفات في ضربات يونيو/حزيران 2025.

عمليات نشر الغواصات: تُعدّ مواقع غواصات الصواريخ الموجّهة (SSGN) وغواصات الهجوم السريع من أشد الأسرار كتماناً. وحتى غواصة واحدة من طراز SSGN تضيف 154 صاروخ كروز من طراز توماهوك إلى حزمة الضربات المتاحة.

عمليات نشر إضافية للمقاتلات: التقارير عن نشر طائرات إف-16 وإيه-10 وإف-35 إلى جانب طائرات إف-15 إي المؤكدة لم يجرِ التحقق منها.

المواقع الدقيقة للدفاع الصاروخي: رغم معرفتنا بأن منظومتي ثاد وباتريوت قيد النشر، تبقى المواقع والأعداد المحددة غير واضحة.

طائرات الاستطلاع آر سي-135: حتى 14 يناير، لم تُرصد أي طائرة استخبارات إشارات من طراز آر سي-135 ريفيت جوينت وهي تتحرك نحو الشرق الأوسط، وهو أمر مفاجئ نظراً لدورها المعتاد في جمع المعلومات الاستخبارية قبل اندلاع النزاعات.

ضحايا الاحتجاجات الإيرانية: تتراوح التقديرات بين 100 وأكثر من 12,000 قتيل. والتعتيم على الاتصالات يجعل التحقق مستحيلاً، ما يعقّد تقييم استقرار النظام ومبررات التدخل.

التقييم

تعمل الولايات المتحدة على تجميع حزمة ضربات متعددة المجالات قادرة على تنفيذ عمليات متواصلة ضد إيران. فالنشر المتزامن للطيران الحامل، والمقاتلات البرية، ودعم طائرات التزوّد بالوقود، ومنظومات الدفاع الصاروخي، يشير إلى استعداد لحالة طوارئ كبرى لا لضربة محدودة لمرة واحدة.

وتوحي هذه الوضعية بثلاثة استخدامات محتملة: إرسال إشارات ردع تهدف إلى تعديل السلوك الإيراني من دون قتال فعلي؛ أو التحضير لضربات ضد قوات الحرس الثوري والباسيج التي تنفّذ القمع ضد المحتجين؛ أو التمهيد لحملة أوسع ضد البنية العسكرية والنووية الإيرانية.

وتخلق عدة عوامل حالة من عدم اليقين بشأن النوايا والقدرات الأمريكية. فالفجوة في وجود حاملات الطائرات التي استمرت حتى الآن تركت نافذة من تراجع القدرة. كما أن قسماً كبيراً من القوة العسكرية المتاحة جرى دفعه مؤخراً إلى الكاريبي لعمليات فنزويلا. أما أذونات الدول المضيفة، ولا سيما من قطر ودول الخليج، فتبقى قيداً سياسياً، إذ تخشى هذه الحكومات الانتقام الإيراني. وقال مسؤول عسكري أمريكي رفيع سابق لصحفيين إن أي عملية كبرى «ستكون هائلة» و«ستُقزّم أي شيء قمنا به على الأرجح في الماضي القريب».

ويضيف الموقف الإسرائيلي طبقة أخرى من التعقيد. فقد أفادت التقارير بأن مسؤولين إسرائيليين طلبوا من الولايات المتحدة تأجيل أي ضربات إلى حين وجود قوات أمريكية كافية في مواقعها للمساعدة في الدفاع ضد الانتقام الإيراني. وقد استُنزفت مخزونات الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية في نزاع يونيو/حزيران 2025، وتفيد التقارير بأن رئيس الوزراء نتنياهو أبلغ واشنطن أن إسرائيل ليست مستعدة حالياً للدفاع ضد رد إيراني كبير.

أما إيران، من جانبها، فقد هددت بـ«حرب شاملة» رداً على أي ضربة أمريكية، وحذّرت الدول المضيفة في المنطقة من أن منشآتها ستكون هدفاً. وليس واضحاً ما إذا كانت القدرات الإيرانية ترقى إلى مستوى هذا الخطاب، لكن تجربة يونيو/حزيران 2025 أظهرت استعداد إيران لضرب القواعد الأمريكية مباشرة.

الحشد حقيقي وكبير ومتسارع. أما ما إذا كان سيتوّج بعمل عسكري أم سيكون ورقة ضغط قسرية لتحقيق نتيجة دبلوماسية، فأمر يبقى بيد صنّاع القرار في واشنطن وطهران والعواصم الإقليمية. والمؤكد أن الولايات المتحدة تضع نفسها في موضع يتيح لها الخيارات.

اقرأ النص الأصلي بالإنجليزية: America’s Military Buildup Around Iran: What We Know and What It Means

تصلك تحليلات منتدى الشرق الأوسط عبر البريد الإلكتروني: اشترك في النشرة الإخبارية (بالإنجليزية)