توم باراك يهدم إرث ترامب
باراك أعاد وحده تقريبًا صياغة السياسة الأمريكية تجاه شرق المتوسط والشرق الأوسط لمصلحة تركيا.
يتخصص مايكل روبن في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي. وتشمل مسيرته المهنية فترة عمله مسؤولاً في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، إلى جانب خبرات ميدانية في إيران واليمن والعراق، فضلاً عن لقاءات مع حركة طالبان قبل 9/11. كما أسهم السيد روبن في التعليم العسكري، إذ درّس وحدات من البحرية الأميركية ومشاة البحرية الأميركية حول النزاعات الإقليمية والإرهاب. وتتضمن أعماله الأكاديمية عدداً من المنشورات الرئيسة، منها «Dancing with the Devil» و«Eternal Iran». ونال روبن درجة الدكتوراه ودرجة الماجستير في التاريخ، وبكالوريوس العلوم في علم الأحياء من جامعة ييل.

قوّض الرئيس دونالد ترامب، من دون مواربة، السلك الدبلوماسي المهني لمصلحة تعيينات سياسية ومبعوثين اختارهم بنفسه. وكثير من هؤلاء أصدقاء قدامى وشركاء أعمال. وليس هذا أمرًا سيئًا بالضرورة. فبعض موظفي وزارة الخارجية المهنيين يبالغون في الاحتجاج حين يتظاهرون بالصدمة ويتحدثون عن أن خدمتهم كانت دائمًا فوق السياسة، في حين أن كثيرين من هؤلاء أنفسهم دأبوا على تسريب المعلومات لتقويض مبادرات يختلفون معها شخصيًا.
يُعدّ توم باراك، سفير ترامب لدى تركيا ومبعوثه إلى سوريا والعراق ولبنان أحيانًا، من أكثر معاونيه نفوذًا. وحتى منتقدو باراك يقرّون بأنه أعاد، وحده تقريبًا، صياغة السياسة الأمريكية تجاه شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط لمصلحة تركيا.
كان باراك من أبرز الأصوات الداعية إلى بيع تركيا مقاتلة الهجوم المشترك من طراز إف-35، وإلى الإعفاء من العقوبات على خلفية شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400. وقد قلّل من شأن التطهير العرقي الذي تمارسه تركيا في سوريا، وكذلك انتهاكها سيادة اليونان. ويزعم منتقدوه في تركيا والولايات المتحدة أنه استغل منصبه لإثراء نفسه.
وفي كلتا الحالتين، فإن الغموض المحيط بمنشأ السياسة يعيد إنتاج أسوأ جوانب فترة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، حين كان مسؤولون أجانب يعتقدون أن الوصول إليها يتطلب تبرعات «الدفع مقابل اللعب» لمؤسسة كلينتون. ومع أن في وسع ترامب وباراك الاستشهاد بهفوات كلينتون الأخلاقية كسابقة، فإن التساؤلات حول منشأ السياسة تجاه تركيا تقوّض مصداقية الولايات المتحدة، ليس في شرق البحر المتوسط فحسب، بل في أنحاء العالم كافة.
وقد يكون باراك، بطبيعة الحال، صادقًا في اعتقاده بأن على واشنطن الاعتماد على أنقرة وكيلاً للدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية في المنطقة. والمشكلة في هذا الموقف أن تركيا اليوم تدعم بعضًا من أسوأ الجماعات الإرهابية السنية، من غزة إلى ليبيا. ويبدو أن باراك يعتقد أن توازنًا إقليميًا بين تركيا وإسرائيل يمكن أن يخلق قدرًا من الاستقرار يكفي للسماح للولايات المتحدة بالخروج من المنطقة.
هل يبدو هذا مألوفًا؟ إنه تكرار لنظرية الرئيس باراك أوباما القائلة إن السلام في الشرق الأوسط يتطلب توازنًا بين إسرائيل وإيران. فمنطق خطة العمل الشاملة المشتركة بأكمله، أي الاتفاق النووي لعام 2015، قام على فكرة أن إخراج إيران من عزلتها سيخلق استقرارًا عبر إعادة إنتاج مبدأ الدمار المتبادل المؤكد على المستوى الإقليمي.
ما أخفق أوباما في إدراكه هو أن الأيديولوجيا التي تغذّي كراهية الجمهورية الإسلامية هي التي جعلت الاستقرار مستحيلاً. فرفع العقوبات وتشجيع الاستثمار لم يفعلا سوى تمكين الحرس الثوري الإسلامي من إعادة ملء خزائنه، وتغذية حروبه بالوكالة، وإطلاق برامجه الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة. وفي غضون عقد، شهدت المنطقة حربًا كبرى.
ومن المرجح أن تسلك رغبة باراك في تحويل تركيا إلى القوة الوحيدة القادرة على موازنة القوة الإسرائيلية المسار نفسه. فقد يرى باراك في رجب طيب أردوغان حليفًا، لكن الزعيم التركي أيديولوجي ملتزم ببناء الصناعة العسكرية التركية، وتطوير الطاقة النووية، وتدمير إسرائيل، بقدر التزام المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي بذلك.
إن مناورات باراك، وجهوده لمساعدة تركيا على الالتفاف على العقوبات، وترويجه الدؤوب لطموحات تركيا الإمبراطورية، تحظى بدعم ترامب الظاهر، وستطغى في نهاية المطاف على إرث ترامب الإقليمي. وكما يرى أي مؤرخ رصين أن جذور حرب اليوم تكمن في قرارات أوباما ووزراء خارجيته، فإن صانعي السياسات بعد عقد من الآن سيدركون أن جذور الصراع المقبل في الشرق الأوسط تكمن في السياسات الساذجة والمضلِّلة التي روّج لها السفير والمبعوث الخاص توم باراك باسم ترامب.