الرباط تثبّت مسار اتفاقيات إبراهيم رغم التحول السياسي في المغرب
مع تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة كأول امرأة في تاريخ المغرب، يبقى أمتن تحالفات إسرائيل في شمال أفريقيا بمنأى عن التغيير.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

في 29 سبتمبر/أيلول، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة حكومة في المغرب، وكلّفها بتشكيل الحكومة.
وفاز حزبها، حزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول، بـ97 مقعداً من أصل 395. وهذه أكبر كتلة برلمانية، لكنها أقل بكثير من المقاعد الـ198 اللازمة لنيل الأغلبية. لذلك ستُبنى حكومتها الأولى عبر التفاوض والتسويات وانضباط الائتلاف، قبل أن تُبنى عبر السياسات.
هذا التمييز مهم. قد تدخل المنصوري منصبها برؤية طموحة لدولة مغربية أكثر فاعلية، غير أن جزءاً كبيراً من رصيدها السياسي المباشر سيُستنزف في المساومة على الحقائب الوزارية والأولويات والميزانيات وانضباط الائتلاف.
وتفيد وكالة رويترز بأن حزب الأصالة والمعاصرة كان قد استبعد خلال الحملة الانتخابية استمرار التحالف مع التجمع الوطني للأحرار (RNI)، بعد تبادل الحزبين الاتهامات بشأن الإخفاقات في السياسات. لكن بعد الانتخابات، قالت المنصوري إنه لن تكون هناك "خطوط حمراء" في مفاوضات تشكيل الائتلاف.
وحصل التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعداً، وحزب الاستقلال على 65، ما يعني أن هذه الأحزاب الثلاثة مجتمعة ستتجاوز بارتياح العتبة البرلمانية المطلوبة. غير أن التجمع الوطني للأحرار كان لا يزال يدرس ما إذا كان سينضم إلى حكومة أخرى مع حزب الأصالة والمعاصرة، في ظل معارضة داخلية أُفيد بها في 29 سبتمبر/أيلول.
تلك هي البداية الحقيقية لعهد المنصوري. فقبل دولة الإنجاز، يأتي ائتلاف الإنجاز.
عبارة "دولة الإنجاز" تختصر تحدياً مغربياً مهماً. فقد استثمر المغرب بكثافة في البنية التحتية والصناعة والحماية الاجتماعية. ومع ذلك تتزايد الضغوط لتحويل المشاريع الوطنية إلى تحسينات يلمسها المواطنون مباشرة.
وتُظهر الإحصاءات المغربية الرسمية أن معدل البطالة بلغ 13 بالمئة في 2025. وبلغت بطالة الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً 37.2 بالمئة، فيما بلغت البطالة في صفوف النساء 20.5 بالمئة. ولا يزال البنك الدولي يصنّف ضعف خلق فرص العمل، وتدني مشاركة النساء في سوق العمل، والتفاوتات الجهوية، وندرة المياه، بوصفها تحديات بنيوية.
وبالنسبة إلى المنصوري، تخلق هذه المشكلات تناقضاً سياسياً. فالإصلاحات التي يمكن أن تقوّي حكومتها هي نفسها التي قد تولّد احتكاكاً داخل الائتلاف. فلوحة قياس الأداء التي تكشف الأهداف غير المحققة قد تهدد استقلالية الوزراء. وحساب التدريب المهني الذي يربط أموال التكوين بنتائج التشغيل قد يتحدى المؤسسات. واستراتيجية مائية تحوّل الاستثمار نحو الكفاءة قد تُفرز رابحين وخاسرين. فالإصلاح البنيوي ليس تقنياً فحسب، بل يعيد ترتيب المصالح السياسية.
وهذا يجعل هندسة الائتلاف جزءاً من السياسة الاقتصادية.
ومن الأجوبة الممكنة اتفاق حكومي يُبنى على نتائج قابلة للقياس بدلاً من توزيع الحقائب. فبإمكان شركاء الائتلاف الاتفاق على أهداف إنجاز وطنية، مع إسناد مؤشرات مرجعية إلى الوزارات في مجالات التشغيل والنفاذ إلى الخدمات وإنجاز المشاريع والاستثمار. ويمكن أن تتركز الرقابة البرلمانية على ما إذا كانت تلك الأهداف قد تحققت. ولن يلغي هذا النموذج المساومة، لكنه سيمنحها غاية.
ويجعل النموذج الدستوري المغربي هذه التجربة متميزة. فالملك يحتفظ بالسلطة على السياسة الخارجية والدفاع وحقائب استراتيجية أخرى، فيما يشترط الدستور أن يكون رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد. ويفصل هذا الترتيب بين الاستمرارية الاستراتيجية والحكومة المنتخبة، تاركاً الملكية بوصفها المرتكز المركزي للاستراتيجية الوطنية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، هذا أمر بالغ الأهمية. فتغيير الحكومة في الرباط لا يعني تلقائياً تغييراً في العلاقة الاستراتيجية مع القدس. فعلاقات المغرب بإسرائيل باتت تترسخ أكثر فأكثر عبر قنوات بين الدولتين.
ففي 16 سبتمبر/أيلول، أعلنت إسرائيل والمغرب عن خطط لرفع مستوى بعثتيهما الدبلوماسيتين إلى سفارتين، وتعيين سفيرين، وتوسيع الرحلات الجوية، والمضي قدماً في اتفاقيات الاستثمار والتجارة. وقد سبقت هذه التطورات تعيين المنصوري، وهي تؤكد استمرارية مؤسسية تتجاوز حكومة بعينها.
لذلك لا تحتاج اتفاقيات إبراهيم إلى إعادة اختراع مع كل انتخابات. فديمومتها تتوقف على جعل التعاون أمراً عادياً وعملياً ومفيداً. وبوسع المغرب الحفاظ على مواقفه الإقليمية مع مواصلة التعاون مع إسرائيل حيثما تتقاطع المصالح. وتزداد العلاقة قوة حين تُقاس لا بالتصريحات الدبلوماسية وحدها، بل بمؤسسات تعمل فعلاً.
والمجالات الأكثر وعداً هي المجالات العملية. المياه أحدها. فالجفاف الممتد في المغرب وتفاقم الإجهاد المائي جعلا من الكفاءة وإعادة الاستخدام وتحلية المياه والمرونة الزراعية أولويات استراتيجية. وتمتلك الشركات والباحثون الإسرائيليون خبرة في الري بالتنقيط، وإعادة استخدام مياه الصرف، والتحلية، وكشف التسربات، والتكنولوجيا الزراعية. فيما توفّر المؤسسات المغربية المعرفة المحلية والبنية التحتية والقدرات البشرية والنفاذ إلى الأسواق الأفريقية. ويمكن لإطار ابتكار مشترك أن يركز على مشكلات بلدية أو زراعية محددة، وأن يُقيّم المشاريع بما تحققه من وفورات قابلة للقياس في المياه والطاقة وتكاليف التشغيل.
والأمن الغذائي مجال آخر. فالزراعة المغربية هشّة أمام الصدمات المناخية، بينما طوّرت إسرائيل تقنيات للإنتاج في ظل شحّ المياه. ويمكن للبحث المشترك أن يتركز على الزراعة المقاومة للجفاف، والزراعة في بيئات محكومة، والري الفعّال، وأنظمة ما بعد الحصاد. والهدف هو مشاريع قادرة على تجاوز الدورات السياسية لأن للمزارعين والجماعات المحلية والشركات مصلحة مباشرة فيها.
ويتيح الأمن السيبراني فرصة مماثلة. فاتساع الاقتصاد الرقمي في المغرب واعتماده على بنى تحتية مترابطة يخلقان مواطن ضعف جديدة. ويمكن للتعاون مع شركات ومراكز أبحاث الأمن السيبراني الإسرائيلية أن يتركز على حماية المستشفيات والمرافق العامة والموانئ والأنظمة المالية والجماعات المحلية. وستأتي القيمة من القدرة المؤسسية، لا من المراسم.
وينطبق المنطق نفسه على التدريب المهني. فالمغرب لا يحتاج ببساطة إلى مزيد من الخريجين، بل إلى جسور أمتن بين قاعات الدرس وأرباب العمل. ويمكن لحساب التدريب المهني أن يمنح الشباب أرصدة تكوين قابلة للنقل تُستخدم في مؤسسات التكوين المهني المعتمدة والشركات المشاركة. وقد يحصل أرباب العمل على حوافز مرتبطة بنجاح التوظيف لا بالتسجيل وحده. وهذا من شأنه ربط الإنفاق العام بنتائج التشغيل ومنح شركاء الائتلاف مؤشراً مشتركاً.
والتحدي السياسي يكمن في ضمان أن يتبنى الائتلاف هذه الإصلاحات، لا حزب الأصالة والمعاصرة وحده. فالإصلاح الذي يُعدّ مشروعاً لحزب واحد قد يصبح هشاً كلما تصاعدت التوترات داخل الائتلاف. أما الإصلاح الذي يُدار بصورة مشتركة ويُقاس علناً فيمكن أن يكتسب حماية مؤسسية أوسع.
وهذا مهم بوجه خاص لأن المشاركة في التصويت تراجعت بحدة. فقد بلغت نسبة المشاركة في انتخابات سبتمبر/أيلول نحو 38 بالمئة، مقابل نحو 50 بالمئة في 2021. ولا يفسّر هذا التراجع كل المواقف السياسية، لكنه يشير إلى أزمة مصداقية لدى المؤسسات المنتخبة. والجواب ليس بالضرورة استنساخ الهندسة الديمقراطية لبلد آخر، بل قد يكون جعل المشاركة ذات أثر عبر تحسين الصلة بين وعود الحكومة والنتائج اليومية.
وهنا تكمن أهمية تجربة المنصوري. فبصفتها وزيرة سابقة للإسكان وعمدة مراكش، تأتي إلى رئاسة الحكومة بخبرة تمتد من السياسة الوطنية إلى الإدارة المحلية. ويمنحها سجلها رؤية للفجوة بين الخطط في الرباط والإنجاز في المدن. لكن إدارة ائتلاف تختلف عن إدارة وزارة أو بلدية. وسيكون اختبارها السياسي الأول ما إذا كانت قادرة على تحويل فوز انتخابي إلى أغلبية برلمانية فاعلة.
والملكية أيضاً محورية لفهم استمرارية السياسة الخارجية. فأياً كان شكل الائتلاف، تستند علاقة المغرب الاستراتيجية بإسرائيل إلى قرارات ومؤسسات تتجاوز التنافس الحزبي اليومي. وهذا لا يجعل العلاقة في منأى عن الجدل، لا سيما بشأن القضية الفلسطينية. لكنه يعني أن التعاون العملي يمكن أن يُختبر على نحو متزايد بمدى قدرته على الصمود أمام التغير السياسي الداخلي.
وبالنسبة إلى القادة الإسرائيليين، فإن الصورة الناشئة تتعلق بمراقبة كيفية تشكيل الحكومة أكثر مما تتعلق بانتظار عقيدة مغربية جديدة. فائتلاف مستقر قد يمنح المنصوري هامشاً للمضي في إصلاحات اقتصادية واجتماعية. وائتلاف هشّ قد يرغمها على تفضيل التوافقات قصيرة الأمد على التغيير البنيوي. وستكشف مفاوضات تشكيل الائتلاف حجم المساحة السياسية المتاحة لإصلاحات طموحة.
وستُحسم المرحلة المقبلة في المغرب مرتين: أولاً على طاولة التفاوض بين الأحزاب السياسية، ثم في الوزارات التي عليها تحويل الاتفاقات إلى نتائج. فالمنصوري وجه تغيير تاريخي، لكن إرثها سيتوقف على قدرتها على تحويل سلطة برلمانية مشتتة إلى أداء متماسك.
وبالنسبة إلى إسرائيل، في ذلك درس عملي. فاتفاقيات إبراهيم تكون في أقوى حالاتها حين تصبح أمراً عادياً. فالحكومة المغربية القادرة على تقديم أنظمة مياه أفضل، ومسارات مهنية أمتن، وبنية تحتية أكثر مرونة، وشركات أكثر تنافسية، تبني أيضاً أساساً أوسع لتعاون مستدام مع إسرائيل.
ولذلك من غير المرجح أن يتحدد الفصل المقبل بين المغرب وإسرائيل بإعادة ضبط دبلوماسية مثيرة. بل قد يتحدد بما هو أكثر ديمومة: ما إذا كان بوسع بلدين تحويل علاقة سياسية راسخة إلى قدرات عملية، فيما تختبر الحكومة المغربية الجديدة ما إذا كانت سياسة الائتلافات قادرة على دعم الإصلاحات التي يطالب بها ناخبوها بإلحاح متزايد.
نُشر أصلاً في 30 سبتمبر/أيلول 2026.