مصر هي الاختبار التالي بعد الدرس القاسي الذي لقّنه السابع من أكتوبر لإسرائيل
على إسرائيل أن تستعد لمخاطر تنبع من القوة العسكرية المصرية ومن حالة عدم اليقين السياسي في البلاد.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

يعكس قرار واشنطن تجاوز الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان في المساعدات العسكرية المقدَّمة إلى القاهرة أولوية المصالح الاستراتيجية الراسخة. وعلى إسرائيل ألّا تخلط بين الضرورة الدبلوماسية والأمن على المدى الطويل.
حين أجاز وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في الأول من أكتوبر إعفاءً يتجاوز شروط حقوق الإنسان المرتبطة بمساعدات عسكرية بقيمة 320 مليون دولار للقاهرة، مرّ الإعلان بأقل قدر من الانتباه لدى رأي عام منشغل بالحرب مع إيران ووكلائها. واستناداً إلى مصالح الأمن القومي وإلى الدور المفيد الذي تؤديه القاهرة في الصراع مع إيران، اختارت واشنطن الاستمرارية الجيوسياسية على حساب أوراق الضغط الدبلوماسية. وقد غدت هذه الإعفاءات أمراً روتينياً في عهد الإدارات الديمقراطية والجمهورية على السواء، بما يكشف مدى ثبات الفائدة الاستراتيجية للقاهرة في تقييد استعداد واشنطن لربط العلاقة بالإصلاح السياسي. غير أن إعفاء الأول من أكتوبر يسلّط الضوء، بالنسبة إلى إسرائيل، على معضلة أعمق بكثير: حين يُعدّ جار سلطوي لا غنى عنه للاستقرار الإقليمي، كم من المخاطر الخفية تخلقها هشاشته السياسية الداخلية للدولة المجاورة؟
ولنكن واضحين: مصر ليست حماس، وسيناء ليست غزة عشية السابع من أكتوبر. فمعاهدة السلام الموقَّعة عام 1979 تظل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي، ولا تزال القاهرة تؤدي دور الوسيط الذي لا غنى عنه في مفاوضات الرهائن في غزة وفي إدارة الأزمات. لكن السابع من أكتوبر حطّم الافتراض المريح بأن هدوء الحدود يضمن إمكانية التنبؤ على المدى الطويل. فلعقود، قام التخطيط الدفاعي الإسرائيلي على فرضية أن تطابق المصالح الأمنية يجعل الجبهات الجنوبية قابلة للإدارة. فهل تستطيع إسرائيل أن تفترض أن نظاماً يحفظ النظام اليوم عبر قمع التنافس السياسي سيظل قابلاً للتنبؤ بالقدر نفسه غداً، إذا تبدّلت الديناميكيات الإقليمية أو فاضت المظالم الشعبية؟
يكشف إعفاء الأول من أكتوبر لأن واشنطن لم تخلص فجأة إلى أن نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي قد تحوّل إلى ديمقراطية دستورية. فالإعفاء يفرج عن 320 مليون دولار ضمن التمويل العسكري الخارجي، وهو جزء من الحزمة العسكرية الأمريكية السنوية للقاهرة البالغة 1.3 مليار دولار، بتبرير صريح مفاده أن هذه الأموال تكافح الإرهاب وتؤمّن الحدود وتخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية. أما الصفقة الكامنة وراء ذلك فعمرها عقود. فمصر تُعامَل في واشنطن بوصفها أكبر من أن تُترك للانهيار، وأهم موقعاً من أن تُستعدى، وأكثر مركزية في الدبلوماسية من أن تُعاقَب بسبب هواجس تتعلق بالحقوق المدنية. وبسيطرتها على قناة السويس، وموقعها الجغرافي على تخوم غزة، وجيشها الهائل، ونفاذها الدبلوماسي، تظل القاهرة أساسية لواشنطن وذات قيمة للقدس. لكن لا ينبغي أبداً الخلط بين النفع الاستراتيجي والشفافية الاستراتيجية.
وتنبع أهمية هذا التمييز من أن السابع من أكتوبر أعاد تشكيل الطريقة التي يتعيّن على إسرائيل أن تقيّم بها الحدود الدولية وتحلّل بها القوة العسكرية لدى الجوار. فقبل ذلك الهجوم، كان الوضع الدفاعي الإسرائيلي يركّز بطبيعة الحال على التهديدات الصريحة: ترسانة حزب الله من الصواريخ الدقيقة في الشمال، والبصمة الإيرانية الإقليمية، وشبكات الإرهاب الفلسطينية في يهودا والسامرة، والانهيار السوري. وقد كشفت حماس خطورة التعامل مع خصم محتوى على أنه خصم قابل للإدارة بشكل دائم. وفي الواقع الأمني لما بعد السابع من أكتوبر، باتت إسرائيل ملزمة بتقييم كل منظومة عسكرية مجاورة، حتى الدول الشريكة المرتبطة بمعاهدات سلام، عبر عدسة تحليلية لا تعرف المهادنة. وهذا لا يعني معاملة القاهرة كخصم نشط، بل يقتضي الفصل بين ثلاثة أسئلة متمايزة: أولاً، هل ترغب القاهرة في حرب مع إسرائيل؟ ثانياً، هل تمتلك مصر القدرة العسكرية على ممارسة ضغط شديد على الجناح الاستراتيجي الجنوبي الغربي لإسرائيل؟ ثالثاً، هل يمكن لأزمة داخلية في القاهرة أن تغيّر العلاقات الثنائية بوتيرة أسرع مما يستطيع التخطيط الدفاعي الإسرائيلي مجاراتها؟
أما بشأن السؤال الأول، فلا توجد حالياً أدلة موثوقة تشير إلى رغبة مصرية في حرب مع إسرائيل. لكن القدرة وإمكانية التنبؤ تستدعيان تدقيقاً أكبر بكثير. فعلى مدى العقد الماضي، حافظت مصر على واحد من أكبر الجيوش التقليدية في الشرق الأوسط، بينما وسّعت حضورها في سيناء. وقد وسّعت مصر الطرق والمطارات والبنية التحتية العسكرية في أنحاء سيناء، بما زاد قدرتها على تحريك القوات وإدامتها. ولا يثبت أي من هذه التطورات وجود نية مصرية لمهاجمة إسرائيل. لكن بنية تحتية بُنيت لاحتمال معيّن قد تكتسب معنى استراتيجياً مختلفاً جذرياً بعد صدمة سياسية مفاجئة.
وتزداد هذه الديناميكية تعقيداً بفعل معاهدة 1979 نفسها. فالملحق الأمني الأصلي للمعاهدة يقيّد بصرامة انتشار القوات المصرية في سيناء، ويُنشئ مناطق منزوعة السلاح تراقبها القوة المتعددة الجنسيات والمراقبون. وعلى مدى العقد الماضي، وافقت إسرائيل مراراً على انتشارات عسكرية مصرية تتجاوز القيود الأصلية للمعاهدة، لا سيما حين كانت القاهرة تقاتل الجهاديين في سيناء. وقد خدمت تلك الترتيبات البلدين جيداً حين كان العدو المشترك هو تنظيم الدولة الإسلامية. لكن ذلك يثير سؤالاً حيوياً للأمن القومي: ماذا يحدث حين يتلاشى المسوّغ الأمني الذي برّر تلك الاستثناءات المؤقتة، بينما تبقى البنية التحتية العسكرية التي بُنيت خلالها قائمة وعاملة؟
يكمن الهاجس الجوهري للتخطيط الإسرائيلي بعيد المدى في مسألة الخلافة السياسية، والمناعة المجتمعية، والاستقرار المؤسسي. فقد بنى السيسي إطاراً سياسياً مركزياً تمارس فيه المؤسسات العسكرية والأمنية نفوذاً استثنائياً على الحياة السياسية. وتوثّق منظمات حقوق الإنسان قيوداً شديدة على المشاركة السياسية، واعتقالات تعسفية، وقمعاً للإعلام. وتدافع السلطات المصرية عن هذه الإجراءات بالقول إن الأمن ضرورة لمواجهة التمردات والحفاظ على التماسك الاجتماعي ومنع الانهيار. غير أن هذا النموذج في الحكم يخلق مفارقة استراتيجية للدول المجاورة. فبإمكان نظام استبدادي أن ينجح في قمع الخلايا المسلّحة، وأن يخلق في الوقت نفسه ظروفاً داخلية تدفع المعارضة إلى العمل السري، وتلغي النقاش العام، وتتيح للمظالم الاجتماعية العميقة أن تتراكم.
وبالنسبة إلى إسرائيل، لا تكمن المشكلة في تحديد حركة المعارضة التي قد تبرز. بل في أن القمع المطوّل قد يجعل التحولات السياسية المحتملة أصعب قراءة. وجماعة الإخوان المسلمين مثال واضح على ذلك. فإدارة السيسي تتعامل مع الحركة بوصفها منظمة إرهابية محظورة، وتشنّ حملة قمع واسعة منذ الإطاحة بمحمد مرسي عام 2013. وقد عطّلت هذه الحملة بشدة شبكات الإخوان العلنية، لكنها لم تقضِ بالضرورة على المظالم السياسية والاجتماعية التي يمكن للحركات الإسلاموية أن تستمد منها الدعم.
الخطر الأساسي ليس أن يقرر السيسي فجأة مهاجمة إسرائيل. الخطر هو أن ينتج النظام السياسي المبني حول السيسي أزمة خلافة ترث فيها القيادة المصرية المقبلة القدرة العسكرية والغضب الشعبي والجغرافيا الاستراتيجية لمصر اليوم، لكن ليس بالضرورة علاقة اليوم مع إسرائيل. ولا يلزم أن تصبح مصر عدواً نشطاً حتى يغدو حشدها العسكري وخلافتها السياسية وضغوطها الداخلية خطراً استراتيجياً كبيراً على إسرائيل. فالنية مؤقتة، أما القدرة فدائمة. والمعاهدات تنظّم انتشار القوات، لكنها لا تستطيع أن تضمن إلى الأبد الاستمرارية السياسية الداخلية.
والضغوط الاقتصادية المتصاعدة في مصر تزيد من إلحاح هذه المسألة الاستراتيجية. فالصدمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع إيران تضيف متغيراً إلى ميزانية القاهرة، إذ تضرب تكاليف الطاقة المرتفعة اقتصاداً يرزح تحت ضغط مالي شديد. ومع أن الإجهاد الاقتصادي لا يُفضي تلقائياً إلى انهيار النظام، فإنه قد يضيّق هامش المناورة السياسي للنظام، وقد يرفع القيمة السياسية للخطاب القومي في قضايا مثل غزة مع تصاعد الإحباط الداخلي.
ويوضّح الوضع على حدود غزة حجم هذه الرهانات. فمصر حارس بوابة حاسم على الجبهة الجنوبية لغزة، ولها مصلحة واضحة في منع تمدد الإرهاب إلى سيناء. لكن مستقبل غزة غير المحسوم يولّد احتكاكاً مستمراً. فإذا ظل الحكم في مرحلة ما بعد الحرب مجزّأً، أو تصاعد الغضب الداخلي المصري إزاء معاناة الفلسطينيين، فقد تصبح الحسابات الاستراتيجية للقاهرة مقيّدة بمطالب سياسية داخلية.
ويبرز هذا الواقع سبب استدعاء الإعفاء الأمريكي تقييماً إسرائيلياً نقدياً. فقد خلصت واشنطن إلى أن التعاون الاستراتيجي يعلو على هواجس حقوق الإنسان. وذلك خيار يتسق مع السياسة الأمريكية، لكن إسرائيل لا تستطيع أن تُسند تقييم مخاطرها إلى واشنطن. فمصر جارة لإسرائيل، وقوة عسكرية هائلة، والدولة المسيطرة على الجناح الاستراتيجي الجنوبي الغربي لإسرائيل. وهذه الحقائق تبرّر سياسة تقوم على أقصى درجات اليقظة من دون عداء.
على القدس أن تحافظ على معاهدة 1979 مع إبقاء رصد استخباري مستقل لتحركات القوات المصرية، والبنية التحتية في سيناء، وديناميكيات الخلافة، والشبكات الإسلاموية. وعليها أن تميّز بين النشاط الدفاعي الروتيني والتغيرات البنيوية التي قد تبدّل التوازن الإقليمي، مع الحفاظ على قنوات عسكرية قادرة على منع سوء التقدير. ويظل الحفاظ على دولة فاعلة وقابلة للتنبؤ في القاهرة مصلحة كبرى للأمن القومي، لكن لا يمكن تعريف الاستقرار بمجرد البقاء الجامد لنظام سياسي واحد.
الرد الإسرائيلي الصحيح على الإعفاء الأمريكي ليس الذعر ولا التراخي. إنه الاستقلال الاستراتيجي. فقد تظل مصر شريكة إسرائيل في المعاهدة لعقود. ولهذا السبب بالذات تتمتع القدس بترف الاستعداد لاحتمال أن تتوقف عن ذلك يوماً ما. لقد علّم السابع من أكتوبر إسرائيل أن أخطر مفاجأة استراتيجية ليست دائماً العدو الذي تراه. بل هي أحياناً المستقبل السياسي للشريك الذي افترضت أنه سيبقى مستقراً.
نُشر أصلاً في 6 أكتوبر 2026.