إسرائيل وتركيا والصراع على سوريا
سوريا ما بعد الأسد تتحول إلى المسرح الأول الذي تُختبر فيه الرؤى المتنافسة لمستقبل المنطقة.
حسين أبو بكر منصور (Hussein Aboubakr Mansour) محلل مصري-أميركي يركز على موضوعات مثل معاداة السامية لدى المسلمين، والأيديولوجيا الإسلاموية، والجامعات الأميركية. نشأ في مسقط رأسه القاهرة في مصر، حيث انجذب إلى المساجد السلفية في سن مبكرة، وافتتن بنظريات المؤامرة المعادية للسامية في الثقافة الشعبية المصرية. وبعد رحلة تعليمية غيّرت مساره، تصدّى لمعاداة السامية، ما أوقعه في مشكلات مع السلطات المصرية. نُشرت كتابات منصور في Commentary وTablet وThe Hill وMosaic وغيرها، كما نشر سيرة ذاتية بعنوان Minority of One: The Unchaining of an Arab Mind (أقلية من شخص واحد: فك أغلال عقل عربي). ويكتب اليوم كثيرًا على منصته في Substack بعنوان The Abrahamic Critique and Digest (النقد والمختارات الإبراهيمية). حصل على اللجوء السياسي في الولايات المتحدة عام 2012، وعمل أستاذًا مساعدًا للغة العبرية في معهد اللغات التابع لوزارة الدفاع (Defense Language Institute). ويحمل درجة ماجستير في الشؤون الدولية من جامعة جورج واشنطن.

غدت سوريا ما بعد الأسد الساحةَ الأولى لاختبار الرؤى المتنافسة لمستقبل المنطقة. فالضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الضهور الجوية في 18 أغسطس/آب 2026، بعد ساعات من مغادرة وفد تركي المنشأة، بلورت الاصطدام الذي يرسم اليوم مسار سوريا: مساعٍ تركية لبناء موطئ قدم عسكري دائم في مواجهة حاجة إسرائيل إلى حرية الحركة الجوية، في صراع على أي قوة ستملأ الفراغ الذي تركته إيران في بلاد الشام.
غير أن تركيا ليست القوة الخارجية الوحيدة الساعية إلى تشكيل سوريا ما بعد الأسد. فقد تحركت السعودية بالسرعة نفسها تقريباً، وإن بأدوات مختلفة، لترسيخ موقعها باعتبارها طرفاً رئيسياً في إعادة إعمار سوريا وإعادة توجيهها سياسياً. وهدف الرياض النهائي هو إعادة دمج سوريا في النظام العربي تحت قيادة خليجية، وسعودية تحديداً، وهو هدف يتقاطع فعلاً مع الهدف التركي في المسألة الآنية المتمثلة في إنهاء النفوذ الإيراني، لكنه يتباعد عنه في المسألة الأبعد مدى: من يكون مرتكز النظام الجديد في بلاد الشام بعد إيران، وكم من الاستقلالية تحتفظ بها دمشق داخله.
إن الهيمنة التركية على سوريا ستكون خسارة استراتيجية للولايات المتحدة، ومنعها يصب في المصلحة الأمريكية. والتقاطع والتنافس الكامن بين تركيا والسعودية يوفران مخرجاً. فالمصالح الأمريكية تُخدم على أفضل وجه بتنويع التحالف الخارجي الذي يعيد بناء سوريا، ومنح السعودية دوراً أكبر في إعادة بناء الدولة السورية وجيشها، بما يحرم أنقرة من تلك الهيمنة من دون فرض مواجهة بين حلفاء الولايات المتحدة.
استراتيجية تركيا في سوريا
اهتمام تركيا بتشكيل سوريا ليس جديداً. فقبل الحرب الأهلية، عمل الرئيس رجب طيب أردوغان على استمالة بشار الأسد بوصفه شريكاً أصغر. وحين انهارت تلك العلاقة عام 2011 بسبب رعايته لإسلاميي الربيع العربي، صارت أنقرة الداعم الخارجي الرئيسي للمعارضة السورية. وقد أتاح سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 لتركيا فرصة تحويل عقد من الاستثمار في المعارضة السورية إلى نفوذ دائم على دولة سورية جديدة.
لطموحات تركيا في سوريا أربعة أبعاد، مرتبة تنازلياً بحسب الضرورة الاستراتيجية. الأول، والأقل قابلية للتفاوض، هو القضاء على القدرة العسكرية الكردية المستقلة على طول الحدود الجنوبية لتركيا، وهو مقتضى أمني داخلي يتجاوز أي حكومة أو أيديولوجيا بعينها. وقد أكد وزير الدفاع التركي ياشار غولر في فبراير/شباط 2026 أن أنقرة تعتبر انتشاراتها في سوريا، الهادفة إلى إنشاء منطقة عازلة انطلاقاً من الحدود التركية، انتشارات دائمة، وتتعامل مع ذلك بوصفه سياسة رسمية.
والثاني هو بناء منظومة أمنية يكون فيها الجيش السوري معتمداً على القدرة العسكرية التركية. فتركيا هي المحرك الأساسي لإعادة بناء القوات المسلحة السورية. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن تركيا تعتزم تزويد قوات الشرع بطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي وذخائر دقيقة. ويهدف برنامج تأهيل القواعد الجوية، تي 4، وحماة، وأبو الضهور، إلى إنشاء أصول جوية تركية متقدمة الانتشار وإعادة تشكيل سلاح جو سوري مدمج في هياكل القيادة التركية. وتركيا لا تحتاج هذه القدرات لقتال حزب العمال الكردستاني، بل تحتاجها لبسط نفوذها في بلاد الشام ومنازعة التفوق الجوي الذي طبع العمليات الإسرائيلية فوق سوريا طوال عقود.
والثالث هو طموح تركيا، السابق للفراغ الحالي، إلى أن تكون قوة إقليمية كبرى. وقد خلق انهيار إيران في بلاد الشام هذه الفرصة. وقد وصف أردوغان الحشد العسكري التركي بأنه "قفزة كبرى إلى الأمام" و"فرصة تاريخية" لتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية دائمة. وتمنح سوريا تركيا ما افتقدته منذ انحلال الدولة العثمانية: جسراً إلى النظام السياسي العربي. ولا يقتصر النفوذ التركي على المجال العسكري؛ فقد أوفدت أنقرة معلمين إلى المدارس السورية، ويجري إعادة كتابة الكتب المدرسية السورية لإزالة الإشارات السلبية إلى تركيا وإعادة الاعتبار إلى الماضي العثماني.
ويأتي رابعاً الاندماج الاقتصادي. فمحور غازي عنتاب، حلب التجاري، وخط سكة حديد الحجاز المزمع، وخط أنابيب النفط كركوك، بانياس، من شأنها أن تضع سوريا في قلب شبكة لوجستية إقليمية جديدة تكون تركيا مرتكزها الشمالي. كما تحتاج تركيا إلى سوريا مستقرة اقتصادياً لاستيعاب عودة ملايين اللاجئين السوريين الموجودين حالياً في تركيا، فيما ستجني شركات المقاولات التركية فوائد كبيرة من عقود إعادة الإعمار.
وإذا نجحت تركيا في هذه الأبعاد الأربعة، فستمتلك موقعاً استثنائياً: العراق من جهة، وسوريا مندمجة بعمق من الجهة الأخرى، ومواطئ أقدام عسكرية ممتدة عبر قطر والصومال وليبيا، ومنفذاً تجارياً إلى الخليج، وتنسيقاً استراتيجياً وثيقاً مع السعودية وباكستان.
الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية
برنامج القواعد الجوية هو ما يضع استراتيجية تركيا في تصادم مباشر مع إسرائيل. فالمصلحة الاستراتيجية الجوهرية لإسرائيل في سوريا ظلت ثابتة منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية: حرية العمل الجوي فوق الأراضي السورية. ففي عهد الأسد، أتاح ذلك تعطيل عمليات نقل السلاح الإيراني إلى حزب الله. وبعد سقوط الأسد، دمّرت إسرائيل ما تبقى من الجيش السوري لمنع أي حكومة خلف من إعادة تشكيل تهديد تقليدي. ومنذ السابع من أكتوبر، تغيّر الموقف الإسرائيلي تجاه حدودها الشمالية تغيراً جوهرياً، وباتت إسرائيل تنظر إلى هضبة الجولان بوصفها منصة محتملة لهجمات عابرة للحدود.
وقد عرّفت لجنة ناغل، التي أُنشئت بتوجيه من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير/كانون الثاني 2025، التهديد التركي بأنه "خطر جديد وكبير"، وحذرت من أن حكومة سورية تعمل بوصفها وكيلاً لتركيا يمكن أن "تزيد خطر مواجهة تركية، إسرائيلية مباشرة". والتحدي الأمني الذي تطرحه تركيا مختلف نوعياً عن ذاك الذي كانت تطرحه إيران. فتركيا عضو في حلف الناتو، وتملك ثاني أكبر جيش تقليدي في الحلف، وتتمتع بالقدرة المؤسسية على نشر قوات متقدمة وإدامتها إلى أجل غير مسمى. كما تمر تركيا بعملية تحديث كبرى لسلاحها الجوي: 40 طائرة إف-16 بلوك 70 فايبر جديدة مطلوبة من الولايات المتحدة، و20 طائرة يوروفايتر تايفون ترانش 4 جديدة الصنع قيد الإنتاج في المملكة المتحدة. وإذا نشرت تركيا بطاريات دفاع جوي من طراز "حصار" ومنظومات جوية مسيّرة في سوريا، فسيرفع ذلك كلفة العمليات الإسرائيلية وينهي الحرية الجوية التي حافظت عليها إسرائيل منذ سحب روسيا مظلتها للدفاع الجوي. ووصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت لتركيا بأنها "إيران الجديدة" يلخص الرؤية الإسرائيلية: كلتاهما دولة معادية تبني بنية عسكرية في سوريا تقيّد الردع الإسرائيلي. غير أن تركيا تفعل ذلك من موقع تقليدي أقوى بما لا يقاس.
وقد رسمت إسرائيل خطين أحمرين صريحين: إنشاء قاعدة تركية دائمة جنوب دمشق، ونشر منظومات تركية متقدمة مضادة للطائرات في أي مكان في سوريا يمكنها بسط نفوذها نحو الأراضي الإسرائيلية والتدخل في العمليات الجوية الإسرائيلية. أما عقيدة "المعركة بين الحروب"، التي طُوّرت أصلاً لإضعاف القدرات الإيرانية وقدرات حزب الله عبر ضربات متواصلة ومعايرة، فتُطبَّق الآن على البنية العسكرية التركية.
وفي الوقت نفسه، تنتهج إسرائيل مساراً دبلوماسياً يهدف إلى الفصل بين الشرع وأردوغان. وأفادت رويترز بأن رئيس الموساد رومان غوفمان تحدث مباشرة مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 14 أغسطس/آب، أي قبل أربعة أيام من ضربة أبو الضهور، وتحديداً بشأن الوجود العسكري التركي. وتصريح الشيباني لموقع "أكسيوس" عقب ضربة أبو الضهور بأنه "لم تكن هناك نية لإنشاء قاعدة تركية" وأن المنشأة كانت تُعاد تأهيلها لسلاح الجو السوري طمأن إسرائيل وحافظ في الوقت ذاته على علاقة التدريب التركية. ويبدو أن الرهان الإسرائيلي هو أن الشرع يقدّر علاقته بواشنطن أكثر من اصطفاف غير مشروط مع أنقرة، وأن كل ضربة تزيد حافزه إلى كبح الطموحات التركية.
والسؤال الجوهري الآن هو ما إذا كانت عقيدة إسرائيل في الحرية الجوية تتوافق مع أي إعادة تشكيل لقدرة عسكرية سورية، سواء بمساعدة تركية أو غيرها. فالشرع لا يستطيع حكم دولة ذات سيادة تفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات الدفاع العسكري عن النفس. وإذا كانت الخطوط الحمراء الإسرائيلية تمنع سوريا من اقتناء منظومات دفاع جوي أو تشغيلها من أي مصدر، فإن إسرائيل تدّعي عملياً حق نقض دائماً على السيادة السورية، بما يجعل استراتيجية الشرع المتجهة غرباً بلا معنى في الحسابات العملياتية الإسرائيلية، وهي استراتيجية تشجعها واشنطن وتميّز الحكومة السورية الحالية عن سابقتها.
المعضلة بالنسبة للولايات المتحدة
المشكلة الاستراتيجية للولايات المتحدة في سوريا هي أن تركيا في موقع يؤهلها لملء الفراغ الذي خلّفته إيران في بلاد الشام. والمصلحة الأمريكية هي دعم سوريا متعاونة ومعتدلة وذات سيادة، لا تشكل تهديدات أمنية ولا فرصة لبسط النفوذ لجيرانها، وبذلك تعطيل التنافس الهيمني الذي ما انفك يزعزع استقرار المنطقة. فهيمنة تركية ممتدة من العراق عبر سوريا، مع مواطئ أقدام في قطر وليبيا والصومال، وميثاق دفاع مشترك يربطها بالسعودية وباكستان، ستشكل مركز قوة إقليمياً خارج التوجيه الأمريكي، تقوده حكومة مستعدة لتحدي مصلحة أمريكية جوهرية تتمثل في أمن إسرائيل، ولها سجل في رعاية الحركات الإسلاموية التي تعدّها الرياض وأبوظبي والقاهرة تهديدات. وتزيد عضوية تركيا في الناتو المشكلة تعقيداً، لأن الحلف يحد من نفوذ واشنطن على أنقرة، ولأن طائرات إف-16 بلوك 70 التي تحدّث سلاح الجو التركي مطلوبة من الولايات المتحدة.
ومن هنا ينشأ التصادم مع إسرائيل. فالتوسع العسكري التركي في سوريا يضع أصولاً متقدمة الانتشار وبنية دفاعية على مسار تعدّه إسرائيل تهديداً وجودياً لحريتها في العمل الجوي. ورعاية تركية حصرية للجيش السوري ستمنح أنقرة نفوذاً غير متناسب على السياسة السورية في مسائل تتباعد فيها المصالح التركية والأمريكية، أمن إسرائيل، والأكراد، وإدارة العلاقات مع الإسلامويين. وتواجه دمشق حالياً خياراً بين الانكشاف أمام الضربات الإسرائيلية والاعتماد على الحماية التركية، وكل ضربة إسرائيلية تهدد بتعميق اعتماد سوريا على القوة الوحيدة الراغبة والقادرة على إعادة بناء جيشها. والنتيجة هي الاحتكار التركي لقطاع الأمن السوري الذي يُفترض أن الضربات الإسرائيلية تهدف إلى منعه. يمكن للضربات الإسرائيلية أن تضع سقفاً للانتشار التركي، لكن حرمان أنقرة من الهيمنة على سوريا يتطلب راعياً ثانياً لبناء الدولة السورية يكون انخراطه محتملاً بالنسبة لإسرائيل، وهذا الراعي موجود بالفعل.
السعودية بوصفها الراعي الثاني
لاهتمام الرياض بسوريا تاريخ طويل. فقد دعمت المملكة فصائل المعارضة طوال الحرب الأهلية، وتنافست مع إيران وقطر على النفوذ في التوجه السياسي للثوار. وقد منح سقوط الأسد والإضعاف المتزامن لإيران السعودية أول فرصة واقعية لجذب دمشق إلى الفلك الخليجي منذ الانقلاب البعثي عام 1963.
واليوم، يختلف اهتمام السعودية بسوريا اختلافاً كبيراً عن اهتمام تركيا. فبينما تسعى أنقرة إلى بناء تبعية سورية للقدرة العسكرية التركية، تسعى الرياض إلى إعادة دمج سوريا في النظام العربي، استعادة لنظام عربي تعود فيه دمشق إلى الإطار السياسي والاقتصادي المتمحور حول الخليج الذي انفصلت عنه خلال حقبة الأسد، إيران. فقد حكمت سوريا أقلية علوية، وهي فرع شيعي، تحت اسم حزب البعث لأكثر من نصف قرن. وهذا ما جعلها حليفاً طبيعياً لإيران وحزب الله. وإعادة دمجها في الحظيرة العربية جائزة لأنها عربية بالتحديد. وإذا انتقلت سوريا من رعاية إيرانية غير عربية إلى رعاية تركية غير عربية، فإن المشكلة الطائفية تُحل لكن تبقى مشكلة قوة غير عربية تهيمن على دولة عربية. وبالنسبة للرياض، فإن الهيمنة التركية على سوريا خسارة من نوع مختلف عن الهيمنة الإيرانية، لكنها تظل خسارة.
وتحركت الرياض بناءً على هذا الاهتمام فور سقوط الأسد. فقد زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان دمشق في 24 يناير/كانون الثاني 2025، في أول زيارة رفيعة المستوى لمسؤول سعودي بعد الإطاحة بالأسد. وفي الشهر نفسه استضافت السعودية اجتماعات الرياض بشأن سوريا، وهي أول تجمع دولي كبير حول إعادة الإعمار بعد الأسد. كما أدت الرياض دوراً محورياً في الضغط على واشنطن لرفع عقوبات قانون قيصر.
وفي فبراير/شباط 2026، وقّعت السعودية اتفاقيات استثمارية مع دمشق بقيمة نحو 5.3 مليار دولار، وهي أكبر حزمة من أي دولة منفردة منذ سقوط الأسد، وتشمل التزاماً بصندوق بقيمة ملياري دولار للتحديث المرحلي لمطارين دوليين في حلب، ومشروعاً بقيمة مليار دولار لبناء شبكة ألياف ضوئية، ومبادرة "سوريا بلا مخيمات" بقيمة 1.5 مليار دولار لتفكيك مخيمات النزوح وتمويل مساكن العائدين.
والسعودية أيضاً شريكة راعية لإعادة تطوير سكة حديد الحجاز، وهو ما يضع المملكة طرفاً رئيسياً في البنية التحتية السورية. والانطلاق من البنية التحتية الاقتصادية يخلق تبعيات يصعب عكسها أكثر من عمليات الانتشار العسكري، ويثبّت التوجه الاقتصادي السوري نحو الخليج، ويمنح الرياض نفوذاً مؤسسياً على الاقتصاد السوري.
أما الانخراط العسكري السعودي في سوريا فكان متواضعاً نسبياً. فالمملكة لا تحتفظ بقوات في سوريا ولم تقترح ذلك. وتتخذ علاقتها الدفاعية مع دمشق شكل تدريب الضباط، والمشاركة في معارض الدفاع، والعمل الاستشاري، وهي كبيرة في إمكاناتها لكنها هزيلة في وزنها الحالي مقارنة بالوجود العسكري التركي الدائم. وهذا التفاوت هو الحقيقة المركزية في تنافس الرعاة على سوريا: فادعاء تركيا الأولوية يقوم على قدرة محددة لم تضاهها الرياض.
ودمشق نفسها تبحث عن راعٍ ثانٍ. فقد اختار الشرع السعودية، لا تركيا، لأول زيارة خارجية رسمية، في إشارة إلى أن دمشق لن تكون تابعاً تركياً. والمهارات التي يوظفها على مستوى الدولة تطورت خلال سنوات بقاء هيئة تحرير الشام (HTS) في إدلب، حيث تعلمت المنظمة إدارة الرعاية التركية دون التخلي عن استقلاليتها العملياتية. ومرسوم صدر في يونيو/حزيران يتيح للمستثمرين الأجانب حقوق ملكية كاملة وإعادة الأرباح إلى الخارج وتنازلات ضريبية واسعة، يضع سلطة الترخيص مباشرة تحت مؤسسات مرتبطة بالرئاسة. هذه هي البنية المؤسسية لإدارة الرعاة: إذ تتيح للشرع منح رعاة مختلفين منافذ إلى قطاعات مختلفة، بما يمنع أي فاعل خارجي منفرد من الهيمنة على اقتصاد إعادة الإعمار. ويمكن لتوازن الشرع أن يصمد ما دام لم يفرض عليه أي راعٍ خياراً ثنائياً.
التقاطع السعودي، التركي وحدوده
تركيا والسعودية حليفتان ومتنافستان في آن واحد في سوريا، متفقتان على إزاحة النفوذ الإيراني، ومنقسمتان على ما يحل محله. وقدرة الرياض على أداء دور الراعي الثاني تتوقف على أي الأمرين يغلب.
ويعمل هذا التقاطع في سوريا عبر تقسيم للعمل: تركيا توفر القدرة العسكرية والمؤسسية، والسعودية توفر رأس مال إعادة الإعمار والثقل الدبلوماسي. وتدعم الحكومتان كلتاهما الشرع، ونسّقتا في الضغط على واشنطن لرفع العقوبات عن سوريا. وفي 7 أغسطس/آب، أي قبل أحد عشر يوماً من ضربة أبو الضهور، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي أرست التزاماً دفاعياً جماعياً يُعامل بموجبه أي هجوم مسلح على أي من الموقّعين بوصفه هجوماً على الثلاثة جميعاً. وتخدم الاتفاقية، نظرياً، بوصفها إطار ردع طموحاً يجمع القدرة الدفاعية، الصناعية التركية، والموارد المالية السعودية، وبصورة ملتبسة، الردع النووي الباكستاني. وقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن الميثاق ينبغي أن يتوسع.
غير أن هذا التقاطع يرجئ مسألة التنافس الهيمني الإقليمي. فالتنافس السعودي، التركي على زعامة العالم السني يسبق التقارب الحالي بعقود. ولحزب أردوغان الحاكم روابط تاريخية بجماعة الإخوان المسلمين، التي ما زالت الرياض تعدّها تهديداً أمنياً داخلياً. وفي سوريا تحديداً، لا تتوافق الرؤيتان إلا إلى حد معين: فالسعوديون يسعون إلى استعادة النظام العربي وإعادة الدمج فيه، بينما تسعى تركيا إلى التبعية السورية.
لكن الحسابات الاستراتيجية السعودية في سوريا ليست ثابتة. ففي لحظة تراجع إيراني، ودفاع إسرائيلي متقدم نشط، وثقة متآكلة بالضمانات الأمريكية، فإن أي ميزة تنافسية تجنيها الرياض من النكسات العسكرية التركية في سوريا تظل ثانوية أمام احتواء إسرائيل وهي تتحول بصورة متزايدة إلى عنصر مزعزع في ميزان القوى الإقليمي. وإذا أعاد التهديد الإيراني تماسكه، أو بدأت الطموحات التركية في سوريا تتعدى على المصالح السعودية، فإن الدينامية التنافسية ستفرض نفسها مجدداً.
والانخراط السعودي مختلف نوعياً عن التموضع التركي المتقدم لطائرات قتالية وبطاريات دفاع جوي. فهو يتخذ شكل تعليم الضباط، والقدرة الاستشارية، والتعاون الدفاعي، الصناعي. وهذا قد يلبي الاحتياجات السورية والمخاوف الإسرائيلية معاً. والتنافس الكامن يمنح الرياض سبباً قائماً لتعميق ذلك الدور إن شجعتها واشنطن، ويمنح الشرع سبباً للترحيب به. واتفاقية مكة تقيّد السياسة السعودية تجاه أنقرة بينما تترك بناء الدولة السعودي في دمشق دون مساس.
توصيات سياسية
تتوافق التطلعات السعودية في سوريا مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية. فالرؤية السعودية تجذب دمشق إلى الإطار الاقتصادي والسياسي الذي تديره واشنطن أصلاً عبر شراكاتها الخليجية القائمة. والاستثمار السعودي في إعادة الإعمار يموّل الاستقرار دون كلفة على دافع الضرائب الأمريكي. وتسريع الانخراط السعودي في سوريا، لا سيما في القطاع الأمني حيث هو الأضعف حالياً، يمد النفوذ الأمريكي إلى ساحة لم يكن لواشنطن فيها حكومة سورية متعاونة منذ عقود. وسوريا ذات شراكات خارجية متنوعة هي سوريا يمكن لواشنطن أن تتعامل فيها مع دمشق مباشرة بدلاً من المرور بأنقرة. واستراتيجية الشرع القائمة على تعدد الرعاة تحفظ تلك القناة المباشرة، وينبغي فهم الحفاظ على هامش مناورته بوصفه هدفاً سياسياً.
وتلتقي هذه المصالح عند سياسة واحدة: تنويع التحالف الخارجي الذي يعيد بناء سوريا. فالتنويع هو، في آن واحد، الآلية لحرمان تركيا من الهيمنة على سوريا دون تصادم تركي، إسرائيلي، ولتوسيع الانخراط السعودي والعربي في عمق القطاع الأمني السوري، وللحفاظ على توازن الشرع. وينبغي للسياسة الأمريكية أن تكسر الحلقة المرتدة التي تعمّق فيها كل ضربة إسرائيلية الاعتماد السوري على تركيا.
أولاً، ينبغي للولايات المتحدة أن ترسي معايير واضحة لإعادة تشكيل الجيش السوري تميز بين القدرات الدفاعية المتسقة مع السيادة وقدرات بسط النفوذ التي من شأنها تغيير التوازن الإقليمي. فسوريا ذات قوات حدودية فاعلة تصب في المصلحة الأمريكية. أما سوريا ذات منظومات دفاع جوي يشغّلها أتراك وقادرة على منع التحليق الإسرائيلي فليست كذلك. وينبغي إبلاغ هذه المعايير في وقت واحد إلى دمشق وأنقرة والقدس.
ثانياً، ينبغي للولايات المتحدة أن تشجع مشاركة عربية أوسع في التعليم العسكري السوري والتطوير المؤسسي وبناء الدولة، بقيادة السعودية وبإسناد من الإمارات العربية المتحدة (UAE) ومصر والأردن. وقد أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن طلاباً ضباطاً يُرسلون إلى أكاديميات عسكرية في السعودية إضافة إلى تركيا. والإمارات منخرطة تجارياً في سوريا بالفعل: فقد حصلت "موانئ دبي العالمية" على امتياز لبناء وتشغيل بنية تحتية في ثاني أكبر موانئ سوريا. وغياب أبوظبي اللافت عن اتفاقية مكة يخلق عقدة إضافية للتنويع غير مندمجة في الإطار الدفاعي بقيادة تركيا. وما هو اليوم مجموعة وقائع عرضية ينبغي أن يصبح سياسة منسقة.
ثالثاً، ينبغي للولايات المتحدة أن تضفي الطابع الرسمي على إطار ثلاثي إسرائيلي، سوري، أمريكي لإدارة إعادة تشكيل الجيش السوري، بما يمنح إسرائيل وسائل مؤسسية لإبلاغ متطلباتها الأمنية ومعالجتها دون الاعتماد حصراً على العمل العسكري. فآلية كهذه تصون الأمن الإسرائيلي وتمنح الشرع، في الوقت نفسه، المساحة السياسية لإدارة علاقاته الخارجية وبناء القدرة السيادية التي لجميع الأطراف، عدا إيران، مصلحة في أن تحصل عليها دمشق.
والاستراتيجية الأمريكية الناتجة هي: سيادة سورية دون احتكار تركي. ومشاركة تركية دون هيمنة تركية. وأمن إسرائيلي دون شلّ سوري دائم. وانخراط عربي مرفوع إلى مرتبة أداة استراتيجية لتنويع شراكات سوريا الخارجية. هذا الإطار يمنح الشرع قاعدة الرعاية المتنوعة التي يسعى إليها أصلاً، ويمنح أنقرة دوراً متناسباً مع إسهامها، ويمنح إسرائيل سوريا موجهة نحو شركاء متعددين متحالفين مع الغرب بدلاً من راعٍ واحد معادٍ، ويمنح واشنطن بنية سياسية توائم بين أهدافها المعلنة وأدواتها العملياتية.
نُشر في الأصل في 24 سبتمبر/أيلول 2026.