إسرائيل والمغرب يعيدان رسم الخريطة الاستراتيجية لشمال أفريقيا
خلف لغة الدبلوماسية الرسمية تكمن رواية إقليمية أوسع بكثير وأشد تعقيدًا وأبعد أثرًا.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

حين أُعلن الاتفاق في 16 سبتمبر/أيلول 2026، عقب اجتماع ثلاثي رفيع المستوى في نيويورك ضم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ووزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ومسؤولين من الولايات المتحدة، شكّلت تلك اللحظة نقطة تحوّل لا لبس فيها في جيوسياسة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقد اتفقت إسرائيل والمملكة المغربية رسميًا على ترقية مكتبي الاتصال الدبلوماسي لدى كل منهما إلى سفارتين كاملتين وتعيين سفيرين رسميين. ومع ما رافق ذلك من خطوات متفق عليها لتوسيع مسارات الطيران التجاري المباشر وإنجاز اتفاقيات ثنائية رئيسية بشأن حماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي قبل نهاية عام 2026، مثّل القرار خطوة إضافية في تطور إطار التطبيع بينهما لعام 2020.
غير أن خلف لغة الدبلوماسية الرسمية تكمن رواية إقليمية أوسع بكثير، وأكثر تعقيدًا، وأبعد أثرًا. فترقية التمثيل إلى سفارتين كاملتين ليست مجرد إجراء دبلوماسي شكلي أو لفتة رمزية. إنها تمثل حجر الزاوية الظاهر لإعادة اصطفاف استراتيجية عميقة تعيد تشكيل غرب المتوسط وشمال أفريقيا. ويعكس هذا المنعطف الدبلوماسي هندسة إقليمية متحولة تتشابك فيها، على نحو متزايد، التصنيع الدفاعي وأمن الطاقة الوطني وإدارة الحدود الإقليمية عبر مسارح جغرافية متعددة في المغرب العربي وجنوب أوروبا، بما يخلق وقائع استراتيجية جديدة لجميع الأطراف المعنية.
ولفهم سبب اختيار القدس والرباط هذه اللحظة بالذات لإضفاء الطابع الرسمي على وضعهما الدبلوماسي، لا بد من تفحّص التطور الملموس لشراكتهما الأمنية خلال السنوات الأخيرة. فما بدأ في الأصل تبادلًا سريًا للمعلومات الاستخبارية ومشتريات انتقائية من العتاد العسكري، نضج اليوم ليغدو شراكة دفاعية-صناعية متطورة ومتعددة الأوجه. فالمغرب لم يعد مجرد مستورد للتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، بل بات يدمج العتاد العسكري ويصنّعه وينتجه بالاشتراك على أراضيه، ضمن استراتيجية وطنية لتحديث قواته المسلحة وبناء قدرات صناعية محلية.
ويتجلى أوضح مظاهر هذا التعاون الدفاعي في بنسليمان، حيث تنتج منشأة صناعية متخصصة مرتبطة بشركة «بلوبيرد إيرو سيستمز» (BlueBird Aero Systems) الإسرائيلية ذخائر «سباي إكس» (SpyX) المتسكعة، أو يجري إنشاؤها لإنتاجها. وتمثل هذه المنشأة محطة صناعية بارزة في مسعى الرباط لتطوير قطاع تصنيع عسكري محلي. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير مستندة إلى صور الأقمار الاصطناعية إلى أن المغرب أنجز نشر منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتقدمة «باراك إم إكس» (Barak MX) في قاعدة سيدي يحيى للدفاع الجوي شمال شرق الرباط، بما يمنح قواته العسكرية درعًا دفاعية متعددة الطبقات قادرة على التصدي لطيف واسع من التهديدات الجوية.
ولا يقلب هذا التعاون العسكري المتعمق التوازنَ العسكري الإقليمي رأسًا على عقب فورًا. فالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) يقدّر الإنفاق الدفاعي الجزائري لعام 2026 بنحو 24.5 مليار دولار، مقابل نحو 7.87 مليار دولار للمغرب. غير أن تزايد دمج المغرب لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأنظمة غير المأهولة والقدرات الشبكية يضيّق باطراد بعض أوجه التفوق التكنولوجي التي تمتعت بها الجزائر تاريخيًا. وتمنح العلاقة الدفاعية-الصناعية الآخذة في التوسع القدس حضورًا استراتيجيًا راسخًا وطويل الأمد في المغرب العربي، وتجعل من إسرائيل شريكًا أمنيًا متزايد الأهمية للرباط في عموم شمال أفريقيا.
وبينما ازدادت الشراكة الأمنية الإسرائيلية-المغربية عمقًا، تشكّل المشهد المتوسطي الأوسع في الوقت ذاته بفعل هشاشات حادة على طول المحيط الجنوبي لأوروبا. وقد تجسّدت هذه الديناميات الهشة بصورة دراماتيكية يومي 29 و30 يوليو/تموز 2026، حين تدفق أكثر من 70 ألف مهاجر إلى جيب سبتة الإسباني قادمين من المغرب، وسط موجة واسعة من المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أربك هذا الوصول المفاجئ البنية التحتية البلدية للاستقبال، وتسبب في أزمة إنسانية حادة وغير مسبوقة أودت بحياة 94 شخصًا على الأقل، ما أجبر السلطات الأوروبية على مواجهة الهشاشة البنيوية الفورية لضوابط حدودها الخارجية.
وبالنسبة إلى المراقبين في القدس والرباط، كشفت أحداث سبتة مدى اعتماد أمن الحدود لدى مدريد على التعاون الفعّال مع الرباط. فإسبانيا، بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، وجدت نفسها تحاول تحقيق توازن دبلوماسي معقد في شمال أفريقيا. ففي يوليو/تموز 2026، توجه سانشيز إلى الجزائر ليعلن مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، مبرزًا الجزائر بوصفها شريكًا استراتيجيًا، ومؤكدًا استمرار تدفقات الغاز الطبيعي البالغة الأهمية، في فترة ظل فيها أمن الطاقة الإسباني معتمدًا بشدة على خطوط الإمداد الأنبوبية من شمال أفريقيا لتلبية احتياجاته الكهربائية المحلية.
غير أن مسعى مدريد المتواصل لإعادة بناء علاقاتها مع الجزائر، في الوقت الذي تعتمد فيه على التعاون المغربي لإدارة حدودها الخارجية، يبرز المعضلات الاستراتيجية المتشابكة التي تواجه جنوب أوروبا. فمهما بلغت أهمية واردات الغاز الطبيعي الجزائري لاحتياجات إسبانيا المحلية من الطاقة، يظل الحفاظ على الاستقرار على طول الحدود الجنوبية لأوروبا معتمدًا إلى حد كبير على التعاون الفعّال مع الرباط. وبدلًا من أن تقلل بؤرة التوتر المرتبطة بالهجرة من مكانة المغرب، فقد أبرزت ما تملكه الرباط من نفوذ كبير على أمن الحدود في أوروبا الغربية وإدارة الهجرة عبر منطقة المتوسط وجنوب أوروبا.
وإذا كانت مدريد تواجه معادلة توازن دقيقة، فإن القيادة العسكرية في الجزائر تواجه إحساسًا متناميًا بالتطويق الاستراتيجي. فاعتراف الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2020 بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، إلى جانب تطبيع المغرب مع إسرائيل، غيّر تغييرًا جوهريًا البيئةَ الاستراتيجية التي طالما اعتبرتها الجزائر مواتية لموقفها من النزاع. وبدلًا من أن تتبدد تلك المخاوف الاستراتيجية العميقة مع مرور الوقت، فقد تفاقمت مع ترسّخ التكنولوجيات الدفاعية الإسرائيلية ومبادرات الإنتاج المشترك بصورة دائمة في خطط المغرب الشاملة وطويلة الأمد لتحديث جيشه خلال العقد المقبل.
وبلغ هذا التوتر الإقليمي المتصاعد نقطة انهيار دبلوماسي غير مسبوقة في 10 سبتمبر/أيلول 2026، حين قطعت الجزائر فجأة علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة. فقد أمرت الجزائر السفير الإماراتي بالمغادرة خلال 48 ساعة، وأعلنت قيودًا فورية على المجال الجوي تطال الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات والداخلة إلى الأراضي الجزائرية، وإن ظلت الرحلات التجارية مستثناة حتى نهاية العام. وجاءت القطيعة وسط خلافات قديمة ومتعمقة بشأن إسرائيل والصحراء الغربية ونفوذ أبوظبي الإقليمي الواسع والمقاربات الاستراتيجية المتنافسة تجاه منطقة الساحل في غرب أفريقيا.
ويبرهن الانهيار الدبلوماسي بين الجزائر وأبوظبي على أن التنافسات الإقليمية في شمال أفريقيا لم تعد محصورة في النزاعات الحدودية التقليدية. فقد دعمت الإمارات باستمرار مطالب المغرب السيادية على الصحراء الغربية، واستثمرت بكثافة في مشاريع البنية التحتية عبر المغرب العربي. وقد أكدت القطيعة تصاعد مواجهة الجزائر مع دول الخليج التي تتقارب سياساتها بصورة متزايدة مع الرباط في ملف الصحراء الغربية والنفوذ الاقتصادي الإقليمي. غير أن القطيعة تنطوي على خطر زيادة تعقيد بحث الجزائر عن شراكات دولية مستقرة واستثمارات في وقت يشتد فيه التنافس الإقليمي.
وردًا على بيئتها الإقليمية سريعة التغير، واصلت الجزائر تعميق علاقتها الاستراتيجية مع روسيا، مع الحفاظ على تواصل دبلوماسي مع قوى أخرى غير غربية. وقد شددت إدارة الرئيس عبد المجيد تبون على الحوار الاستراتيجي مع موسكو بوصفه ثقلًا موازنًا للنفوذ الغربي في شمال أفريقيا. غير أن هذا التوجه الدبلوماسي ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى الجزائر. فبينما تحافظ الجزائر على علاقتها الاستراتيجية مع روسيا، بات المغرب تبعًا لذلك شريكًا غربيًا متزايد الأهمية في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب في حوض غرب المتوسط.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يمثل اتفاق 16 سبتمبر/أيلول التجسيد الملموس لرؤية استراتيجية راسخة وطويلة الأمد. فكثيرًا ما حاجج المشككون في اتفاقيات إبراهيم بأن النزاعات الإقليمية والاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط ستُرغم الحكومات العربية على تعليق علاقاتها بإسرائيل أو فسخها. أما الانتقال الرسمي من مكاتب اتصال مؤقتة إلى سفارات كاملة فيبرهن على أن الشراكة الاستراتيجية بين القدس والرباط راسخة الجذور في مصالح أمن قومي جوهرية قادرة على الصمود أمام التقلبات الإقليمية الأوسع.
وسيتيح التأسيس الرسمي لسفارتين كاملتين بحلول نهاية عام 2026 قنوات مؤسسية دائمة وعالية الفعالية للتعاون الاستراتيجي الثنائي. فإلى جانب الإنتاج العسكري المشترك والتنسيق الاستخباري، توفر الاتفاقيات المنجزة بشأن منع الازدواج الضريبي وحماية الاستثمار أساسًا متينًا لنمو القطاع الخاص والمشاريع التجارية العابرة للحدود. وعلاوة على ذلك، سيسهّل استئناف خطوط الطيران المباشرة بين إسرائيل والمغرب مزيدًا من الاستثمار المؤسسي ونقل التكنولوجيا والسياحة الثنائية، بما يعزز الروابط التاريخية والثقافية العميقة التي تربط الجالية اليهودية المغربية النابضة بالحياة في إسرائيل بالمملكة.
ويتطور المشهد الاستراتيجي الأوسع لشمال أفريقيا وغرب المتوسط بسرعة إلى بيئة متعددة الأقطاب وشديدة الحركية. فهو ليس انقسامًا بسيطًا إلى معسكرات جيوسياسية متقابلة، بل ساحة سائلة يتعين فيها على إسرائيل والمغرب والجزائر وإسبانيا والإمارات العربية المتحدة والقوى العالمية أن تتعامل مع مصالح أمنية واقتصادية وطاقوية متداخلة. وتبرهن الخطوة الحاسمة التي أقدمت عليها القدس والرباط لترسيخ علاقتهما على أن شراكتهما الاستراتيجية تجاوزت مرحلة التطبيع الأولى لتغدو ركيزة متزايدة الأهمية في البنية الاستراتيجية الناشئة لغرب المتوسط.