انتخابات حماس السرّية تكشف ما لم تدمّره إسرائيل بعد
الانتخابات تؤكد أن الحركة الإرهابية ما زالت تعمل على صون بنيتها السياسية والإدارية.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

في الوقت الذي يفكّك فيه جيش الدفاع الإسرائيلي البنى التحتية الإرهابية في أنحاء قطاع غزة، شهدت قيادة حماس تحت الأرض انتخابات داخلية. وخلال تصويت أُجري مؤخراً لاختيار رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، أخفقت الجولة الأولى في إفراز فائز لأن قسماً كبيراً من المندوبين المصوّتين قدّموا أوراقاً بيضاء.
وعندما اتجه التصويت نحو جولة إعادة، توقفت العملية بعدما تقدّم القيادي المخضرم في حماس نزار عوض الله بطعن إجرائي رسمي يتعلق بآليات الاقتراع. ولم تكن هذه المنافسة انتخاباً على القيادة العامة للتنظيم الإرهابي، وهو منصب حسمه خليل الحية بعد فوزه الضيق على خالد مشعل، بل كانت صراعاً مباشراً على من يقود حماس داخل غزة.
ويثبت التصويت أن التنظيم يحاول الحفاظ على بنيته السياسية الحاكمة حتى وهو يتعرض لاضطراب مادي شديد في أنحاء المنطقة. وهذا الواقع العملياتي يدل على أن الشبكة الإرهابية تسعى فعلياً إلى صون استمراريتها المؤسسية رغم الضغط العسكري المتواصل.
وعكست الأوراق البيضاء خلافاً بين المرشحين، لا رفضاً مؤسسياً للحركة. وحتى إن ظلت تفاصيل بعينها منسوبة إلى مصادر مجهولة غير مكتملة، فإن الواقعة الإجرائية واضحة. حماس تحتفظ بآليات انتخابية داخلية عاملة تحت النار.
إن ظهور أوراق بيضاء داخل تنظيم إرهابي شمولي لا يشير إلى تحول نحو البراغماتية أو إلى تمرد. فالمندوبون الذين قدّموا أوراقاً بيضاء لم يكونوا يطالبون بالسلام أو بإنهاء الصراع. كانوا يتنازعون حول أي فصيل ينبغي أن يتحكم بما تبقى من الأصول، ويوجه الشؤون الإدارية، ويقود المرحلة المقبلة من المواجهة ضد إسرائيل. والخلاف الداخلي يعكس حساباً يتعلق بالتكتيكات وبنية القيادة، لا انهياراً في الانضباط المؤسسي داخل جهازها السياسي الأساسي خلال عمليات حربية نشطة على الأرض.
وفي قلب هذا الجمود تقف منافسة بين الشبكة المحلية في غزة خلال زمن الحرب وبين الهرمية التقليدية للحرس القديم. فعلي العمودي، الأسير السابق الذي أُفرج عنه في صفقة تبادل جلعاد شاليط عام 2011، والذي شغل منصب رئيس الدائرة الإعلامية في حماس قبل أن يتولى شؤون المكتب السياسي في غزة، يمثل بنية القوة المحلية التي ترسخت في عهد يحيى السنوار، والمتمركزة في خان يونس والمبنية حول القادة الميدانيين الناجين.
أما نزار عوض الله، وهو شخصية مخضرمة من جيل مؤسسي حماس سبق أن نافس السنوار على القيادة عام 2021، فيمثل الهرمية التاريخية الساعية إلى استعادة الإشراف المركزي عبر القواعد المؤسسية التقليدية. وعندما حاول علي العمودي تركيز السلطة على الشؤون السياسية في غزة، أثارت تحركاته اعتراضاً مباشراً من أعضاء المكتب السياسي في الخارج الذين رفضوا قرارات إدارية غير مخوّلة وتبديلات داخلية في الكوادر ضمن الجهاز.
ويُظهر هذا الصراع على النفوذ كيف تصطدم السيطرة العملياتية داخل غزة بالسلطة التقليدية التي تُمارَس من الخارج.
إن الاختيار بين الشبكة المحلية لعلي العمودي زمن الحرب والجيل المؤسس لنزار عوض الله اختيار زائف. فأحد الفصيلين نفّذ السابع من أكتوبر، والآخر بنى الأيديولوجيا التي استدعته. ولا أحد منهما شريك، ولا هو تهديد أقل.
وأي زعم بأن شخصيات تقليدية مثل عوض الله تقدّم قيادة أكثر قابلية للتوقع أو للإدارة مقارنة بالمتشددين الموالين للسنوار أمثال علي العمودي هو زعم بلا معنى. فالجيل المؤسس هو من كتب الميثاق الداعي إلى تدمير إسرائيل، فيما نفّذت الشبكة المحلية ذلك التفويض على الأرض. وكلا الفصيلين ما زال ملتزماً بالتدمير الكامل لدولة إسرائيل.
ويجب أن يرفض التخطيط الاستراتيجي أي وهم بأن فصيلاً داخلياً واحداً يمثل بديلاً معتدلاً قادراً على التعايش أو على ترتيب دبلوماسي دائم. فالاعتقاد بأن تغييرات القيادة الداخلية تبدّل الهدف الوجودي للحركة يتجاهل عقوداً من التاريخ الثابت والتلقين الأيديولوجي.
إن كون حماس ما زالت قادرة على إجراء تصويتات قيادية منظمة، وتقديم طعون إجرائية، وعقد مشاورات داخلية تحت النار، يثبت أن هيكلها التنظيمي لم يُكسَر. وهذا الهيكل يجب أن يُدمَّر لا أن يُدار.
وما دامت حماس تحتفظ بأي بنية إدارية أو سياسية في غزة، فإنها ستواصل تعيين رؤساء للمكتب السياسي وإعادة بناء قدراتها الإرهابية. ووجود لجان اقتراع عاملة وكتل سياسية متنافسة يبرهن على أن الضغط العسكري يجب أن يُكثَّف لا أن يُخفَّف.
لا يمكن لإسرائيل أن تسمح لكيان إرهابي بالحفاظ على آلية حكمه تحت غطاء انتقال سياسي داخلي. ويجب أن يقضي العمل العسكري المتواصل على هذا العمود الفقري الإداري حتى لا تبقى أي آلية حاكمة قادرة على تنظيم خلافة سياسية أو توجيه الشؤون المحلية في أي بقعة من قطاع غزة. فالسماح لبنى المكتب السياسي تحت الأرض بالعمل يضمن احتفاظ الحركة بقدرتها على إصدار الأوامر بعمليات عسكرية وصون القيادة والسيطرة على الوحدات القتالية الباقية.
والاعتماد على الانقسامات الداخلية في حماس أو انتظار انهيار الحركة تحت وطأة ثقلها الإجرائي خطأ سلبي. فالتنظيمات الإرهابية لا تتلاشى لمجرد إخفاق لجانها الداخلية في التوصل إلى توافق على مرشح لجولة إعادة. وقد أظهرت حماس تاريخياً قدرة على ترقيع منافساتها الداخلية عند مواجهة ضغط خارجي.
وإذا مُنحت متنفساً، فإن المكتب السياسي في الخارج والكوادر المحلية في غزة سيتوصلون في نهاية المطاف إلى تسوية في الكواليس، ويعيّنون قائداً جديداً، ويقدّمون جبهة موحدة. ويجب ألا تمنحهم إسرائيل الوقت أو المجال لحل أزمتهم الداخلية عبر هدن دبلوماسية مؤقتة أو توقفات عملياتية.
وترك مجال للمصالحة الداخلية يتيح للحركة إعادة تشكيل سلطتها، وإعادة تأسيس هياكل القيادة المحلية، والتحضير لهجمات مستقبلية ضد مواطنين إسرائيليين في طول البلاد وعرضها. ويجب أن يقضي التركيز العسكري الذي لا يلين على أي نافذة زمنية قبل أن يرصّ التنظيم الإرهابي صفوفه.
وبدلاً من تقييم أي مرشح من حماس قد يكون أقل عدائية، يجب أن تتركز الاستراتيجية الإسرائيلية على القضاء على مجمل قائمة المرشحين. فالأهداف ليست مجرد قادة عسكريين أفراد في الأنفاق تحت الأرض، بل أعضاء المكتب السياسي والمديرين الإداريين والمسؤولين البلديين الذين يمكّنون الحركة من العمل كحكومة.
والطعن الإجرائي الذي تقدّم به عوض الله والتدخلات الإدارية من أعضاء المكتب في الخارج يبرهنان على أن حماس تعتمد على سلسلة قيادة بيروقراطية متصلة. وقطع تلك السلسلة بالكامل يستلزم استهداف جهاز السنوار المحلي وهرمية الحرس القديم معاً.
والمسؤولون الذين يتحكمون بقنوات التوزيع ويشرفون على لجان الانتخابات الداخلية هم مشاركون عملياتيون فاعلون في إدامة سلطة حماس. فمعاملة المكتب السياسي باعتباره منفصلاً عن الجناح العسكري سمحت لحماس سابقاً بالاحتفاظ بعمودها الفقري الحاكم رغم النكسات التكتيكية. والقضاء الكامل يستلزم تفكيك الجناحين معاً بصورة منهجية وفي آن واحد.
وتحييد الإداريين المدنيين إلى جانب القادة الميدانيين يمنع التنظيم الإرهابي من استعادة السيطرة المدنية على السكان المحليين. واستهداف هؤلاء العناصر بصورة منهجية يدمّر السقالة الإدارية التي تُديم العمليات الإرهابية المنظمة.
ولا تسمح غزة ما بعد الحرب إلا بنتيجة واحدة. حماس، تحت أي تشكيلة قيادية، لا يمكن أن تكون جزءاً من أي واقع حكم مستقبلي. فالسماح لشبكة علي العمودي المحلية بالاحتفاظ بالسلطة يضمن تمرداً إرهابياً محلياً دائماً. والسماح لهرمية عوض الله التقليدية باستعادة السيطرة يضمن إعادة البناء المنهجية لخطوط التمويل الدولية وللشرعية السياسية للإرهاب.
ويجب أن يبقى هدف إسرائيل الحربي مطلقاً. فالتدمير الكامل لجهاز حماس العسكري والاستئصال التام لبيروقراطيتها السياسية شرطان مسبقان غير قابلين للتفاوض للأمن طويل الأمد. وأي إطار لما بعد الحرب يسمح ببقاء بنى حماس السياسية يضمن صراعاً مستقبلياً ويقوّض أمن الحدود الوطنية.
ويجب أن تضمن إسرائيل ألا يحتفظ أي من الفصيلين بأي قدرة على التأثير في الإدارة المحلية أو قيادة ما تبقى من أفراد مسلحين في أي مكان في غزة. فالهزيمة الكاملة تستلزم الاستئصال التام لكل فرع من فروع المكتب السياسي في عموم قطاع غزة. واستئصال نفوذ المكتب السياسي يزيل العقبة المؤسسية الأساسية أمام إرساء أمن إقليمي دائم.
ولا تغيّر النزاعات الانتخابية الداخلية شيئاً في التهديد الوجودي الذي تواجهه دولة إسرائيل. فسواء قادتها شخصيات ميدانية محلية أو بيروقراطيون تقليديون، تظل حماس حركة إرهابية واحدة ملتزمة بتدمير إسرائيل.
وتتيح الأوراق البيضاء التي قدّمها مندوبو حماس نظرة تشخيصية إلى تنظيم يتنازع على السيطرة تحت النار. أما بالنسبة لمواطني إسرائيل، فهذه الأوراق الداخلية تحمل رسالة أبسط بكثير. العدو الذي ما زال يجري انتخابات لمكتبه السياسي المحلي هو عدو لم يُهزم. والنتيجة الوحيدة المقبولة هي ألا يحكم أي قيادي في حماس، محلي أو تقليدي، أي جزء من غزة مرة أخرى.
نُشر أصلاً في 26 سبتمبر/أيلول 2026.