الصين تحوّل البحر الأحمر إلى جبهة أمنية جديدة
بكين تنقل حضورها التجاري إلى بنية استخباراتية وعسكرية ذات أثر استراتيجي في المنطقة.
أمين أيوب محلل سياسات وكاتب مقيم في المغرب. نُشرت مساهماته الإعلامية في «ذا جيروزاليم بوست» (The Jerusalem Post)، و«يديعوت أحرونوت» (Yedioth Ahronoth)، و«عروتس شيفع» (Arutz Sheva)، و«ذا تايمز أوف إسرائيل» (The Times of Israel)، وغيرها كثير. تركز كتاباته على الإسلاموية والجهاد وإسرائيل وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يغرّد عبر الحساب @amineayoubx.

في 17 سبتمبر/أيلول، كشف تحليل جديد لصور الأقمار الاصطناعية نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies) عن تحول حاسم في الوضع العالمي. فقد خضعت القاعدة العسكرية الصينية الوحيدة المعترف بها في الخارج، الواقعة في دوراليه بجيبوتي، لتحديثات تقنية كبيرة. وتضم المنشأة الآن مصفوفات هوائيات عالية التردد، ومعدات اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية متقدمة، وأبراج اتصالات يُرجّح أنها من الجيل الخامس. ونظراً إلى أنها تقع على بعد أقل من عشرة أميال من منشآت عسكرية أمريكية وفرنسية وإيطالية ويابانية كبرى، تُقيَّم هذه التحديثات على أنها تعزز قدرات الاتصالات لدى جيش التحرير الشعبي وتتيح جمع مزيد من معلومات استخبارات الإشارات في المنطقة.
يكشف هذا التوسع التكنولوجي عن حقيقة أوسع لم يعد بوسع صانعي السياسات الغربيين تجاهلها. فبكين تحوّل حضورها الاقتصادي والدبلوماسي الراسخ منذ زمن طويل حول البحر الأحمر إلى بصمة أمنية واستخباراتية أشد وطأة بكثير. ولأعوام، تعامل التخطيط الاستراتيجي الغربي مع النشاط الصيني في المنطقة من زاوية تجارية بحتة، امتيازات موانئ، وقروض بنية تحتية، واستثمارات صناعية. أما اليوم، فتغدو هذه النقاط المتفرقة مترابطة على نحو متزايد ضمن بصمة بحرية واستخباراتية صينية أوسع.
ويعكس التوقيت استجابة بارعة للاضطراب الإقليمي. فعلى مدى العامين الماضيين، أدت هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي شنّتها قوات الحوثيين المدعومة من إيران إلى تعطيل شديد لحركة الملاحة التجارية عبر مضيق باب المندب. وقد كشف هذا الاضطراب، في آن واحد، هشاشة الصين أمام تعطل الملاحة البحرية، وفتح أمام بكين نافذة لتقديم نفسها بوصفها مزوداً للأمن البحري والاستقرار الإقليمي. وفيما تنفق القوات البحرية الغربية صواريخ اعتراضية باهظة الكلفة للدفاع عن الشحن التجاري، تتموضع الصين بوصفها فاعلاً أمنياً أكثر رسوخاً على امتداد المياه الأفريقية والشرق أوسطية.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى أساس ثلاثي واضح: بنية تحتية استخباراتية، ومناورات عسكرية عملياتية مقترنة بدبلوماسية رفيعة المستوى، وتوسيع الروابط الدفاعية الإقليمية.
وتتوسط جيبوتي هذه البصمة الآخذة في التشكل بوصفها مرتكزها التكنولوجي. فتركيبات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR) الجديدة في دوراليه تمنح المشغّلين الصينيين وعياً عملياتياً معززاً، بما قد يحسن قدرة الصين على جمع معلومات عن النشاط العسكري والاتصالات الإقليمية عبر أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم.
وعند الطرف الشمالي من هذا الممر، ترسخ بكين علاقتها بالقاهرة. فبين أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026، أجرت الصين ومصر تمرينهما الجوي المشترك الثاني "نسور الحضارة"، متضمناً تكتيكات قتال جوي ومناورات للسيطرة الجوية. والأهم أن زيارة شي جين بينغ إلى مصر في 2 سبتمبر/أيلول أظهرت أن هذا المسعى يتجاوز بكثير التدريبات التكتيكية أو الاستثمار التجاري في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وخلال زيارته للقاهرة، دعا شي إلى إطار أمني جديد في الشرق الأوسط، واتفق مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تعميق التعاون في الأمن ومكافحة الإرهاب. وكانت الرسالة بالغة الدلالة لأن مصر تقع عند البوابة الشمالية للبحر الأحمر، فيما يقع الوجود العسكري الصيني في جيبوتي عند مدخله الجنوبي.
وبالتوازي، تعمل الصين على مأسسة علاقاتها الدفاعية في أنحاء شرق أفريقيا. ففي المنتدى الصيني الأفريقي الرابع للسلام والأمن في 17 سبتمبر/أيلول، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جون صراحة ممثلي الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية إلى تعميق التنسيق الاستراتيجي، وتوسيع عمليات الأمن البحري المشتركة، وتعزيز بناء القدرات الدفاعية. وعلى هامش تلك القمة، التقى وزير الدفاع الصومالي دونغ جون لبحث توسيع التعاون الدفاعي والأمني، بما يكمل الانتشار البحري الصيني المنتظم في خليج عدن وقبالة الساحل الصومالي.
وتخلق هذه الشبكة المتداخلة تحديات استراتيجية فورية لكل من القدس وواشنطن. فبالنسبة إلى إسرائيل، يوسع الحضور الصيني المتنامي نطاق استخبارات بكين على طول المدخل البحري الجنوبي الحيوي المؤدي إلى ميناء إيلات وخليج العقبة. ومع أن بكين تحافظ على علاقات دبلوماسية في مختلف أنحاء المنطقة، فإن قدرتها الموسعة على المراقبة قرب باب المندب قد تمنح الاستخبارات الصينية رؤية أكبر لديناميات الأمن الإقليمي، بما قد يعقد الأمن العملياتي الغربي والإسرائيلي خلال الأزمات.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن شبكة استخبارات الإشارات الصينية الآخذة في التوسع تثير مخاوف فورية على صعيد مكافحة التجسس، نظراً إلى قرب منظومات التنصت الصينية المطوَّرة من معسكر ليمونييه في جيبوتي. وإضافة إلى ذلك، في حال وقوع طارئ عالمي كبير، مثل أزمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الصينية المعززة حول البحر الأحمر قد تعقّد حماية القوات الأمريكية، والوعي بالموقف، وتحركات القوات البحرية في أنحاء المنطقة.
على واشنطن وحلفائها الإقليميين أن يتوقفوا عن تقييم المبادرات الصينية بمعزل بعضها عن بعض. فبرج أقمار اصطناعية في جيبوتي، وتمرين قتال جوي في مصر، ومقترح صيني لإطار أمني إقليمي جديد في القاهرة، وقمة دفاعية في بكين، ليست أحداثاً منفصلة. فهي مجتمعة تكشف بصمة أمنية صينية أكثر رسوخاً حول ممرات الشحن العالمية الحيوية. ولمواجهة هذا الاتجاه، يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهما الإقليميين بلورة استراتيجية موحدة عبر تقديم بدائل دفاعية وبنيوية قابلة للتطبيق لدول شرق أفريقيا، وتعزيز الائتلافات البحرية المتعددة الأطراف، والبقاء في حالة يقظة إزاء التوسع الاستخباراتي الصيني. وإذا ظل الغرب منصرفاً حصراً إلى استجابات تكتيكية لنقاط الأزمات الإقليمية، متجاهلاً التراكم الاستراتيجي المتدرج لبكين، فإن البحر الأحمر سيغدو على نحو متزايد ساحة يصعب على الغرب فيها تجاهل القوة الصينية.
نُشر أصلاً في 21 سبتمبر/أيلول 2026.